فكر مختارات مقالات

الجسد بوصفه علامة ثقافية

بقلم: ا.د. علي المرهج

في الجسد تفاصيل بايلوجية تُعدّ بمثابة (مُحرمات) لا يحق لأحد تصويرها أو رسمها أو إظهارها في كتابته أو مقال ينشره، لأن الجسد في موروثنا الديني خارج (التغطية) بما يستر العورة، فهو من قبيل نشر الفحشاء عند من لا يعرف قيمة الجسد بوصفه (علامة ثقافية) لا بوصفه قطعة لإثارة الشهوة عندإنسان يتلصص لرؤيا الجسد من خلف خرم باب أو بفتح موقع إباحي.

نحن نتاج الخطيئة الأولى، ولا أظن أننا نحتاج لكثير من الكشف عن عوراتنا الأخلاقية لأنها ظاهرة للعيان بأجلى صوره، ومن شارك في تخريب الأخلاق، تجده من أكثر المنتقدين لإظهار الجسد في صورة لا إباحية فيها بقدر ما فيها من قصد لتوصيل رسالة معرفية لمن يظنون أن جسد المرأة (عورة) لأنهم عوران يرغبون بالنظر لجسدها مُتخفين، وينسون أنهم نتاج ما يُسمونه (عورة)!.

الجسد بوصفه علامة ثقافية أو فنية بكل تمظهراته إنما هو رسالة فلسفية تحترم الجسد بكونه معطى أول لوجود فكر، فـ (أنا موجود إذن أنا أفكر)، وهي محاولة “نيتشوية” وفيما بعد “وجودية” لقلب هرم “الكوجيتو” الديكارتي، لتهب الفلسفة الوجودية عاصفة على كل الفلسفة التأملية لتقلب هرمها ليستقر على ما ينبغي أن يستقر عليه الهرم بوصفه (الجسد) = (الأساس) قاعدة لقمته المخروطية، فتصور معي أن قمة الهرم بمثابة الرأس الذي يعني الدماغ = (العقل)= (مصدر التفكير)، لا يكتمل وجوده من دون وجود (القاعدة) = (الجسد).

إن مشكلتنا تكمن في قصدية تهميش الجسد، وكأنه ميل غريزي لنكران الأصل الحقيقي لوجودنا.

لأسأل أي منكم: هل يمكن لنا تصور للروح الإنسانية من دون وجود الجسد؟، الجواب: كلا، ولكن لفرط هيمنة رؤى المتدينين التقليديين والفلاسفة المثاليين والتأمليين الذين بنوا فلسفتهم على تفضيل الروح = الفكر على الجسد = المادة، وتنظيراتهم حول أفضلية الروح على الجسد ونقاوتها وتمايزها عليه باجتراح عوالم مثالية ستعود لها الروح بعد مغادرتها للجسد!.

النفس جوهر مُخالف لجوهر البدن كما ذهب إلى هذا الفلاسفة المسلمين، وأعلوا من شأن النفس ورادفوا بينها وبين الروح في مواضع شتى،:قُلّ الروح من أمر ربي” وتأكيدهم على ضرورة التخلي عن مطالب الجسد أو البدن بعبارتهم!.

 

وإن سألت أحدهم كيف عرفت أن لهذه الروح عوالماً أخرى غير الجسد الذي حلّت فيه، لأجابك كما يُجيب أي رجل دين، ليستشهد لك بنصوص دينية، أو برؤى استدلالية مُجردة لا يُمكن التحقق من صدقها أو كذبها، ولا أكذب القائلين بها، ولكنني أقول أنها رؤى (إيمانية) لا عقلانية فيها، (ومن شاء فاليؤمن، ومن شاء فاليكفر)!.

أعود لموضوعي (الجسد بوصفه علامة ثقافية)، لأخاطب بعض من يدعون تديناً، بأن الكاتب الحر والفنان له الحق في توظيف الجسد بوصفه علامة ثقافية، وليس من حق أحد محاسبته حينما يُنتج عمله بقصد الكشف عن (المسكوت عنه) في حياتنا وواقعنا الاجتماعي، وما يوحي لك من مظهر لجسد إمرأة عارية أو رجل عار في ثقافتك المُستلبة التي تُقصي الجسد وتستحي من ذكر اسم الأم والزوجة والأخت، فكيف بفنان أو كاتب يجعل من جسدها علامة ثقافية للرفض والاعتراض على كل ثقافة القمع والاقصاء للحريات وفي مقدمتها الجسد.

عودوا لقصة آدم وحواء لتكتشفوا قيمة الجسد العاري، ليتخذوا من ورق الجنة ستر لعوراتهم، ولكن الجسد بقيَ بكل تفاصيله، فلم يخصفان سوى ورقة من الجنة لستر ما ينبغي ستره.

إذن الجسد بكل ما يبدو منه خارج ستر الجنة بورق التوت فهو مُباح، لأن الله قد خلق آدم على صورته، وآدم أصل البشر وصورتهم الجمالية الأولى، لذا فكل ما ظهر منهما لحظة النزول فهو مُقدس.

الجسد لغة لا مُجرد خلق رباني إن كُنّا نقبله أو نرفضه، والجسد فلسفة، بل الجسد فن مُكتمل، فلا معنى لوجود مسرح من دون وجود ممثل هو جسد المشهد وأيقونته، وكلما أتقن التعبير في ايماءات الجسد كلما وجدناه ممثلاً ناجحاً، وكذا الحال في التشكيل، وللفنان التشكيلي أن يرسم ما نعتقده دينياً أو اجتماعياً بأنه محظور ومحذور الاقتراب منه في رسم بعض تمظهرات الجسد، ولكن هذا الجسد أداته للتعبير عن رسالته.

في الفلسفة والفن والثقافة لا يوجد ما هو مُقدس أو مُدنس في اختيار الجسد موضوعاً، فما نستشعره نحن المثاليون من خشية في رؤيا الجسد يكشف عن قيمته المعرفية والجمالية هؤلاء الذين نتهمهم بافشاء سر الجسد!.

ما يُميز فلسفة ما بعد الحداثة بإرثها النيتشوي والوجودي يكمن في توظيفها للجسد بوصفه تمثلاً لتجاوز الذات في موروثها الديكارتي بوصفها أنا مفكرة، ليكون الجسد هو الأصل في تشكيل وعي الذات بنفسها، ليصير الجسد علامة ثقافية نفهم من خلالها الوعي الثقافي للفرد والجماعة والأمة، ليتحول الجسد من كونه مدنساً لا نحتمل الحديث عنه وتوظيفه ليكون هو المُشكل لوعينا ومعني فهمنا لواقع كل مجتمع.

فالجسد أيقونة الفهم والتفسير لحياة المجتمعات،: التقليدية، والحداثية، والما بعد حداثية، فصار الجسد مُحركاً للوعي بتحولات المجتمعات (أنثربولوجياً).

يقول ميلوبونتي:”أنني ألحظ الأشياء الخارجية بجسدي، وأعمل على أن تكون لديَ نظرة نهائية ومُكتملة عنها، غير أنني لا أُدرك جسدي بعين خارجية، وإنما بهذه العين التي أمتلكها”.

لأـعود فأقول أن الجسد قاعدة الهرم، وقمته الفكر الذي هو نتاج القاعدة.

يقول نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت): “للمُستهزئين بالجسد أريد أن أقول ليس عليهم أن يتعلموا من جديد ولا يُعيدوا تعليم الآخرين، بل أن يقولوا ودعاً لجسدهم”، لذلك قول نيتشة:”اصغوا أيها الأخوان إلى صوت الجسم السليم إنه صوت أكثر صفاء وعدالة”.

 

اللوحة للكبير (فائق حسن)

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.