تاريخ مختارات مقالات

اسباب ودوافع الحروب الصليبية على الشرق الإسلامي

بقلم/ رشا صالح

لم يعرف التاريخ الإنساني ظاهرة تاريخية حملت مصطلحا مناقضا لحقيقتها مثل الحركة الصليبية وهذا المصطلح المربك كان نتاج عدد من التطورات التاريخية في أوروبا وفي الشرق العربي علي حد سواء.

مصطلح الحرب الصليبية أو الصليبيون لم يظهر في بداية الحملات وإنما نعتت به الحركة بعد أكثر من قرن حيث كان المشاركين في الحملات في بدايتها يلقبون بالحجاج وإن كانوا حجاج مسلحين ولكن بعدها سموا بالموسومين بالصليب عندما كانت الصلبان تحاك علي ملابسهم ،وكان المسلمون يستقبلون الحجاج المسيحيون الي القدس بتسامح تام تبعا للتعاطف الإسلامي نحو فريضة الحج المفروضة في الإسلام وتزايدت أعداد الحجاج المسيحيين إلي القدس في نهاية الألفية الأولي عندما أشيع أن نهاية العالم قد اقتربت ومما رسخ هذه الخرافة كثرة الفياضانات والمجاعات في أوروبا في تلك السنوات.

أوروبا التي عانت من التدهور والتخلف في العصور الوسطي وجدت في الحملات الحربية علي الشرق متنفس لحل مشكلاتها العميقة من الإقطاع والصدام بين الكنيسة والملوك فكانت الحروب الصليبية “مشروع العصر”وهنا نلقي نظرة شاملة علي أوضاع أوروبا ماقبل الحروب الصليبية.

كانت أوروبا لا تزال منطقة جغرافية لم تتشكل بعد علي المستوي السياسي وكانت منطقة ريفية إذا ماقورنت بالعالم العربي والعالم البيزنطي وكانت السنوات العشر قبل الدعوة الي الحرب سنوات عجاف علي فلاحي البلاد و خاصة في فرنسا وغرب ألمانيا حيث انتشر الوباء والمجاعات و الفيضانات والمعاناة من ظلم السادة الاقطاعيين وغالبية الفلاحين كانوا يتحولون إلي أقنان ولم تكن لهم حقوق عند ساداتهم من الاقطاعيين أما الاقطاعي فكان له فروض مفروضة علي الأقنان وعبيد الأرض من الفلاحين منها أن الفلاح لابد له أن يقدم نصيب من زراعته وصيده للسيد فكان الاقطاعي يعتمد في غذائه علي ما ينتجه الفلاح.

وكانت للسيد ايضا حقوق سياسيةو قضائية علي الفلاح و له حق فرض الضرائب والفصل في الجرائم مثلما تختص به الشرطة الآن وله حق إقامة الأسواق الموسمية في قريته ويفرض عليها الضرائب وله رسوم عبور الجسور أو الإبحار في مجري مائي وهكذا كان الفلاحون فريسة للخوف الدائم سواء من هذا الظلم والاستغلال أو أن يكونوا وقود حرب في حروب السادة الاقطاعيين.

ونظام الإقطاع بدأ في أوروبا في القرن الرابع الميلادي عندما اجتاحت القبائل الجرمانية الامبراطورية الرومانية وعينت أمراء يدينون لهم بالولاء واقطعتهم بعض الاراضي ويعين الامراء محاربين لحماية الدولة الجديدة.

كما كانت الزيادة السكانية في أوروبا أكبر من موارد البلاد المحدودة.

وكانت الحياة الدينية يغلب عليها العاطفة المشبعة بالخرافة والتعصب وكانت الأراضي الزراعية التي امتلكتها الأديرة والاسقفيات بمثابة اقطاعيات تستوجب الخدمة العسكرية فاضطر الأساقفة إلي اللجوء لوكلاء علمانيين لأداء الخدمة العسكرية بدلا منهم ونتج عن ذلك تحكم السادة الاقطاعيون في تعيين الأساقفة ولقد أضر ذلك بالوظيفة الروحية للكنيسة الكاثوليكية.

وبدأت الدعوة للحملة علي الشرق بخطابات البابا أربان الثاني الذي لم تلق دعوته صدي إلا في كليرمون بفرنسا لأن فرنسا كانت الدولة الوحيدة التي يسيطر عليها كلها الإقطاع ولم يكن للملك سوي ظل من سلطة باهته وأيضا لطبيعة الفرنسيين المحبة للقتال.

وفي ايطاليا التي كانت في ذلك الوقت مجموعة من المدن المتحاربة التي ظهرت بها البرجوازيات التجارية وجدت الدعوة للحرب القبول بهدف السيطر علي طرق التجارة بين الشرق والغرب والتحكم بتجارة البحر المتوسط وخاصة في مدينة البندقية أما بعض المدن الايطالية الأخري وصقلية فكانت تعاني من الغارات النورمانية.

وفي إنجلترا كانت الحروب الصليبية سبيل لتوجيه الصراع نحو الخارج حيث كان الملك يفرض سلاما قويا علي توليفة من السكان المتنافرين من الانجلو ساكسون والنورمان وفي ألمانيا كان الملك هنري الثالث يحاول إرساء ملكية قوية.

أما القسطنطينيةالتي كانت تحت حكم الامبراطور أليكسيوس كومنيوس فكانت تعاني من قلاقل البشناق والسلاف في البلقان ونهب البلغار لبلاد اليونان لم تكن تتحمل عدو جديد وهم الاتراك السلاجقة ولذلك لجأ الامبراطور الي الاستعانة بالبابا أربان الثاني لتوجيه المحاربين من الغرب لقتال السلاجقة في منطقة الشام وتعهد بأن تكون بلاده نقطة التجمع لمحاربين أوروبا ونقطة الانطلاق إلي الشام وقبل الأب أربان بذلك وأضمر في نفسه حلم سيطرة الكنيسة الغربية الكاثوليكية علي الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية هذا الحلم الذي ظهر فيما بعد في الحملة الصليبية الرابعة التي دكت ونهبت ودمرت القسطنطينية.

وبذلك تضافرت مصالح الأطراف المحاربة علي وجوب شن حملة علي الشرق بحجة دينية ولكنها في جوهرها حملة دنيوية بحتة أثرت في العالم وتاريخ الشرق والغرب علي حد سواء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.