تاريخ عروض كتب مقالات

فلاحو الباشا

كتاب كل يوم جمعة (43)

تاريخ ضد التيار (4/4) فلاحو الباشا

بقلم/ وسام محمد

وافقت الجمعة الرابعة من هذا الشهر الذي خصصناه لعرض كتب تاريخ ضد التيار، أول أيام عيد الأضحى المبارك لهذا العام، فكل عام والقارئ الكريم بخير. وكنا قد قدمنا في الأسابيع الثلاثة السابقة كتاب (الحملة الفرنسية) و(قصة الاقتصاد المصري) و(كل رجال الباشا)، وناقش مؤلفو هذه الكتاب تاريخ مصر المعاصر من وجهين، الوجه السياسي/العسكري والوجه الاقتصادي/الاجتماعي، وجمع بين المؤلفين مصريتهم، فهم إذا يتحركون داخل مادة الدراسة نفسها حتى مهما حاولوا التزام الموضوعية، ولذلك فقد أخترت كتاب اليوم لمؤلف أجنبي فهو إذًا ينظر للتاريخ المصري من خارج التجربة، وجمع في كتابه بين الوجهيين الذين تناولهم مؤرخينًا سابقًا، وإن كان المؤلف يبحث فيما أدى إلى التشكل الاجتماعي للريف المصري على وجه الخصوص.

كتاب اليوم (فلاحو الباشا، الأرض والمجتمع والاقتصاد في الوجه البحري [1740-1857]) لمؤلفه (كينيث كونو)، وهو عبارة عن دراسة تاريخية مقارنة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الوجه البحري من مصر قبل وبعد حكم محمد علي؛ الكتاب مقسم إلى بابين، وكل باب يضم عدة فصول، إضافة إلى مجموعة من المقدمات في مفتتح الكتاب، خاتمة بعد نهاية فصوله.

يبدأ الكتاب بتصدير غير موقع للطبعة العربية وإن كان من الواضح أن كاتبه مترجم الكتاب، وفيه يبين المترجم الدوافع والظروف التي أدت إلى ترجمة هذا الكتاب، يلي ذلك مقدمة للطبعة العربية كتبها مؤلف الكتاب نفسه، ويمكن أن نزعم أن هذه المقدمة تدور حول أفكار ثلاثة، المنهج الذي تبناه المؤلف في كتابه، وتعليقات نقدية من المؤلف نفسه على المنهج الذي اتبعه بعد مرور فترة زمنية لتأليفه الكتاب، وأخيرًا عرض سريع لتناول تاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ أتبع المؤلف هذه المقدمة بتمهيد يبين فيه المؤلف الظروف التي ألف فيها كتابه هذا شاكرًا من دعموا بحثه عمليًا أو ماليًا؛ ثم تأتي ترجمة المقدمة الأصلية للكتاب، وهي مقدمة علمية حيث يبين المؤلف فيها مشكلة بحثه والمقاربات التي استخدمت لمعالجة هذه المشكلة من قبل، والمقاربة التي سوف ينتهجها، ومجموعة المصادر والمراجع التي اعتمد عليها.

بعد هذه المقدمات، يبدأ الباب الأول من الكتاب وعنوانه (الريف المصري قبل إصلاحات محمد علي) وهو مكون من خمسة فصول؛ الفصل الأول عنوانه (الإدارة الزراعية)، وفي هذا الفصل يبين المؤلف كيف أسفر الصراع العسكري الطويل الذي بدأه الغزو الفرنسي واستمر حتى انفراد محمد علي بالسلطة عن تدمير اقتصاد وجه بحري خاصة، وكيف انعكس هذا الخراب على الاقتصاد عامة وتسبب في تدهور حالة السكان؛ ثم ينتقل المؤلف إلى الفصل الثاني وعنوانه (نظام الالتزام والملتزمين) وفي هذا الفصل يبين نظام الالتزام والذي مثل القناة الواصلة بين الحكومة والمزارع، وكيف مثل ثقل على النظام الزراعي في مصر، ثم الضربة التي تلقها هذا النظام تحت تأثير الغزو الفرنسي الذي حاول زيادة الضرائب الزراعية لزيادة مداخيله مما أدى إلى صدام مع طبقة الملتزمين؛ وفي الفصل الثالث وعنوانه (العلاقات التجارية في الريف المصري)، ينتقل لشرح عنصر اقتصادي آخر في النظام الاقتصادي الزراعي، وهو الشبكات التجارية التي تخصصت في الوساطة بين المزارعين والمراكز التجارية الحضرية، ومآلات الطبقة التجارية في ظل الظروف السياسية المتقلبة في تلك الفترة؛ في الفصل الرابع وعنوانه (حيازة الأرض بين الفلاحين) وفي يتناول على نظام الملكية الزراعية المعمول به في هذه الفترة، وتملك الأرض الزراعية بين صغار المزارعين تحديدًا، وسبل انتقال الملكية، وما تعرض له هذا النظام من تأذي نتيجة الفوضى السياسية في الفترة موضوع الدراسة؛ ويعتبر الفصل الخامس وعنوانه (أعيان الريف) مكملًا لتأريخ هذه الحقبة اجتماعيًا، الأمر الذي بدأه المؤلف في الفصل السابق، حيث يدرس المواقع المختلفة التي شغلها هؤلاء الأعيان ووظائفها وميزاته وكيف أثرت على التوازن الاجتماعي والعلاقات بين المزارع والسلطة والعلاقات بين الريف والحواضر والعاصمة.

الباب الثاني من الكتاب وعنوانه (الريف المصري أثناء إصلاحات محمد علي وبعدها)، وهو يقدم دراسة موازية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تناولها في الباب الأول ولكن في عهد محمد علي؛ ففي الفصل السادس، الأول من فصول هذا الباب، وعنوانه (التمركز والتوسع وحدود التوسع) يناقش استيلاء محمد علي على القطاع الزراعي فعلًا من خلال إزاحته للطبقات الوسيطة ممثلة في الملتزمين والشبكات التجارية والاستيلاء على وظيفتهم لصالحه، واستخدامه هذه الإجراءات لزيادة مداخيله الشخصية من الضرائب الزراعية ومن زيادة الصادرات الزراعية، وهي المؤشرات التي استخدمت لاعتبار ما قام به محمد علي إصلاحًا، وهو الأمر الذي يمكن الحكم عليه بالرجوع إلى الفصل السابع والذي عنوانه (النظام الضريبي ونظام الاحتكار وأهل الريف) والذي يبين فيه الأثار الاجتماعية لزيادة مداخيل الباشا من قطاع الزراعة على إفقار الفلاحين، وما أدى هذا الإفقار إلى الاستيلاء على الملكيات الزراعية لصالح الباشا وإعادة توزيعها بما يتناسب مع مصالحه وتعزيز سلطته على النحو الذي ناقشه المؤلف في الفصل الثامن وعنوانه (إعادة توزيع الأرض الزراعية)؛ ثم يلحق ذلك بالفصل التاسع وعنوانه (أعيان الريف) وفيه يتتبع عملية تحويل طبقة الأعيان التقليدية في الريف إلى طبقة وسطى أو دون وسطى في الحواضر والعاصمة، تمهيدًا بإحلالهم بطبقة جديدة من الأعيان الموالين للباشا واسرته في مرحلة لاحقة، إحكامًا لسيطرة الباشا على البنية المجتمعية في الريف المصري؛ وهو الأمر الذي يخصص له الفصل الأخير والذي عنونه (نشأة نظام ريفي جديد [1842-1858]) حيث يبين ملامح نظام ريفي جديد تعمل في طبقة النخبة وكيلة عن الباشا في مهمة وحيدة وهي (حلب) الفلاحين لحساب الباشا.

ختم المؤلف الكتاب بخاتمة قدم فيها ما توصل له من دراسته العميقة، إذ إن الفكرة الرئيسة التي يركز عليها المؤلف، أن الفجوة في الحالة الاجتماعية والاقتصادية قبل عصر محمد علي وبعده، إنما هي فجوة وهمية، مبينًا أن أوضاع الفلاحين استمرت متردية، وما حدث هو كان استبدال لإقطاعي بآخر، مؤكدًا أن محمد علي ونخبته التي صنعها على عينه روجت لفكرة التخلف الاقتصادي والاجتماعي قبل تسنم محمد علي السلطة كسبيل لتبرير التغيرات التي فرضت بالقوة على المجتمع، وبالتالي حقها في الاستيلاء على السلطة.

اعتمد المؤلف على مصادر أصلية عدة في دراسته، مثل وثائق المحاكم وسجلات الملكية والعقود التجارية، إلى جانب مصادر تقليدية أخرى كثيرة مثل تاريخ الجبرتي وخطط على مبارك، مناقشًا أراء علمية عبرت عن توجهات تاريخية واقتصادية واجتماعية من كافة المدارس الفكرية على مدى صفحات دراسته؛ راسمًا صورة لتطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والعلاقة بين السلطة والمواطن في ريف مصر في الفترة موضوع الدراسة بالاعتماد على التحليل الموضوعي – والغير مؤدلج – لما يتناوله من وثائق تؤرخ للحدث التاريخي، وهو ما يجعل الأسئلة التي يطرحها والأجوبة التي يقترحها منطلقات لنظرة أخرى عن تاريخ مصر الحديث، وأثر هذا التاريخ على الواقع.

المؤلف كينيث كونو هو مؤرخ أمريكي واستاذ لتاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة إلينوي الأمريكية، وله إلى جانب الكتاب المذكور كتب أخرى تعني بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للشرق الأوسط مثل كتاب Race & Slavery in Middle East و Modernizing Marriage in Nineteenth and Early Twentieth Century Egypt وكلاهما غير مترجمين على حد علمي؛ الكتاب من ترجمة سحر توفيق والترجمة ممتازة، وقد صدر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2000 في نحو خمسين وثلاثمائة ورقة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.