مقالات

تركيا.. سياسة العصا والجزرة

تركيا.. سياسة العصا والجزرة

بقلم/ هبة داودي

تواصل تركيا برئاسة رجب الطيب اردوغان، اعتماد سياسات مزدوجة على مستوى النظام الاقليمي الفرعي الذي تتحرك فيه، فإلى جانب تموقعها في سوريا لاسيما في شمالها، وفي ليبيا في غربها، عبر الدعم المطلق لحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، تعتمد أنقرة سياسة مد وجزر خاصة مع الغريم اليوناني، وإضافة إلى الصدامات المختلفة مع أثينا، كان آخرها قرار اردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، وحضور أول صلاة جمعة فيه، فآيا صوفيا تحمل الكثير من الرمزية لدى الدولة اليونانية بالخلفيات التاريخية للكاثدرائية، التي كانت أحد رموز الدولة البيزنطية في القسنطنطينية، وأضحت فيما بعد اسطنبول، مع الإشارة إلى أن آيا صوفيا ظلت مركزاً للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية طيلة ما يقارب 1000عام، ثم حولها الصليبيون أثناء حملتهم الرابعة إلى كاتدرائية للروم الكاثوليك، وعادت بعدها للإمبراطورية البيزنطية.

ولعل هذه الخلفيات هي التي كانت من بين العوامل التي أبرزت ردود فعل غاضبة من اليونان وقبرص، وكذا من قبل الكنيسة الكاثوليكية.

وعادت تركيا الى سياسة المهادنة من خلال الاعلان عن “امكانية” توقيف عمليات استكشاف الطاقة في شرق البحر المتوسط بعض الوقت، في انتظارا محادثات تقيمها مع اليونان، ولو أن الخطوة التركية ليست الاولى من نوعها، خاصة وأن السجال قائم منذ فترة بين تركيا واليونان، وهما عضوان في حلف الناتو، وبلغ الأمر إلى حد تسجيل عدة احتكاكات، وتلويح أثينا بامكانية صدام عسكري جديد، فاليونان موقعة على اتفاق ترسيم الحدود مع قبرص ومصر، وتركيا وقعت على اتفاق موازي لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية، وعلى هذا الأساس تصادمت إرادة الطرفين.

وتظل الملفات الخلافية بين الجانبين متعددة، بداية بإعلان تركيا التنقيب عن النفط والغاز في مناطق متنازع عليها، قرب جزيرة كريت، بموجب مخرجات مذكرة التفاهم التي وقعت عليها تركيا وحكومة الوفاق الليبية، شهر نوفمبر 2019، وهي القضية التي أشعلت فتيل حرب كلامية، وساهمت في تصعيد الموقف مع اليونان، وتزامن ذلك مع تدفق مهاجرين لاجئين من تركيا إلى الاراضي اليونانية، في مؤشر اعتبرته أثينا ارادة من أنقرة للضغط عليها، من خلال ورقة اللاجئين، ناهيك عن التهديد التركي بمرافقة قطع عسكرية بحرية لسفن الاستكشاف، فيما تستفيد أثينا من دعم أوروبي، لاسيما من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ويعتري العلاقات التركية اليونانية التوتر على الحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية، حيث تبقى العديد من المناطق متنازع عليها بين الطرفين، ونفس الأمر يتعلق بالمجال الجوي، ومنه يتضح بأن أنقرة سعت من خلال إعلانها الأخير إلى تخفيف حدة التوتر، دون أن تتخلى عن مساعيها التي تظل قائمة، بل أن سياسة شد الحبل المعتمدة ترمي على الأغلب إلى التنفيس فحسب، في ظرف تعددت فيه التحديات، بما في ذلك إمكانيات التصعيد المتوقع في الملف الليبي، مع التحضير لعمليات عسكرية على سرت والجفرة، وردود الفعل المتوقعة من مصر وأطراف غربية، فضلا عن التحرك مجددا على الجبهة السورية، وأخيرا تسجيل تحرك تركي على جبهات أخرى، منها الإعلان عن المناورات العسكرية الأذربيجانية التركية المشتركة على أراضي جمهورية ناخيتشيفان، ذات الحكم الذاتي، وكذلك بالقرب من باكو عاصمة أذربيجان، وتجري المناورات على خلفية تفاقم الصراع الأرمني الأذربيجاني، وعشية المناورات العسكرية الاستراتيجية الروسية “القوقاز 2020″، والتي سيجري بعضها على أراضي أرمينيا، علما بأن تركيا داعمة لاذربيجان في نزاعها مع أرمينيا العدو التاريخي لتركيا، على مقاطعة ناغورني كاراباخ، فيما تدعم موسكو واطراف غربية والولايات المتحدة أرمينيا، التي تثير قضية مذابح الأرمن من قبل الاتراك، وتطالب بالتعويضات.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن التحركات التركية بمثابة تكريس لمقارباتها الإستراتيجية متعددة الأبعاد، والتي تتضمن إبداء ليونة في بعض الملفات، وعدم الخوض في أزمات متعددة في آن واحد، وإن كانت تركيا عازمة على الإبقاء على تموقعها في المشهد الليبي، بدليل دعم تواجدها في ليبيا، وتدعيم قواتها هناك، وتكريس تواجدها بقاعدة الوطية والقاعدة البحرية بمصراتة، وهو ما يؤكد عزم أنقرة أن تظل لاعبا أساسيا في المعادلة الليبية، مع مراعاة عدم تأزيم علاقاتها مع الغريم اليوناني في هذا الظرف، الذي يتسم بأزمة مع مصر من الجهة الشرقية، ومع اطراف أوروبية أخرى.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.