سياسة مقالات

أنا ستعدمني أمريكا.. أما أنتم فستعدمكم شعوبكم!

“أنا ستعدمني أمريكا.. أما أنتم فستعدمكم شعوبكم!”

بقلم/ هبة داودي

مع كل عاشر من ذي الحجة، وبحلول عيد الاضحى المبارك من كل سنة، تختلط المشاعر التي تختلج المسلمين، فلا يكاد هؤلاء يفرحون بقدوم يوم مبارك يحيون فيه سنة النبي ابراهيم الخليل، إلا وتحملهم ذاكرة الأحداث إلى ذلك اليوم المشؤوم، الذي حولت فيه امريكا عيد المسلمين إلى مأتم، بالاسراع في إصدار حكم الشنق حتى الموت، وتنفيذه على الرئيس العراقي الأسبق الراحل صدام حسين..

يعود عيد الاضحى المبارك، وتعود معه الأذهان إلى 14 سنة خلت، لترتسم صورة الرئيس الخامس لبلاد الرافدين، والذي اختارت أمريكا إعدامه في يوم ليس كباقي الايام، يحمل رمزية دينية ذات أهمية قصوى لدى المسلمين، فلم يكن حكم الشنق للرئيس وحده، بل للمسلمين في شتى بقاع العالم، سواء لمن كان مواليا للرئيس صدام حسين، أو معارضا.

عملية ” الفجر الاحمر”، مكنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، من القبض على صدام حسين، في 13 ديسمبر 2003، قرب مسقط رأسه تكريت العراقية، وبمثل ما وضعت حدا لحكم دام 24 عاما، وضعت كذلك نقطة النهاية لعيشة رغدة ولاقتصاد قوي، وأدخلت البلد في دوامة لم يخرج منها حد الساعة، بل وأغرقته في طائفية مقيتة، ومذهبية لا يدفع ثمنها سوى أبناء بلد حطمته الدول الغربية، ولازالت تسعى جاهدة لطمس هويته، ومسح ملامح حضارته، وضرب العلاقات الأسرية والعشائرية المتشابكة هناك.

جرائم ضد الإنسانية هي التهمة التي وجهت لصدام حسين أثناء محاكمته، هذه الأخيرة كانت بين جدران محكمة عراقية، لكنها في حقيقة الأمر محاكمة امريكية بامتياز، صمد خلالها صدام ولم يكن يدافع عن نفسه، بل يتحدث عما قدمه لشعبه، ويسرد العديد من الأحداث وكأني به يسعى إلى أن يجعل ذلك في كتب التاريخ ولا يمحى، دافعت عنه بشراسة المحامية اللبنانية بشرى الخليل، التي قالت وقتها لرئيس المحكمة ” يلعن ابوك”، عندما طردها خارج القاعة لدفاعها عن الرئيس، ولم يخنه أصدقاؤه ومقربوه، الذين استعملت معهم شتى الطرق للشهادة ضده، إلا أن وفاءهم له أعطى للخانعين للمحتل أحسن الدروس على الإطلاق..

صدام حسين، وفي الساعات التي سبقت تنفيذ الحكم عليه، طلب طبق ارز مع دجاج مسلوق، وماء ساخنا مع العسل، وكان ذلك آخر ما دخل بطنه، حسب شهادة أحد الجنود الأمريكيين، الذين كانوا في حراسته، كما بحث عن معطفه الذي كان يرتديه عند إلقاء القبض عليه، وعندما سئل عن السبب رد ان البرد شديد في بلده عند الفجر، وأنه لا يريد أن يرتعش فيعتقد شعبه أنه كان خائفا.. توظأ وقرأ ما تيسر من كتاب الله عز وجل! إلى أن دقت ساعة الفراق.. الثالثة إلا عشر دقائق فجرا من يوم 30 ديسمبر 2006، درجة برودة الطقس كانت 15 درجة مئوية، حسب شهادة الضابط الأمريكي ويل باردنويبر.

نعم يا سادة.. صدام حسين ظل منتصب القامة باسم الثغر، لم تفارق الابتسامة محياه، ولم يرتعش قوامه حتى وحبل المشنقة ملتف حول رقبته، وأظهر رباطة جأش، عندما سلمه الأمريكيون لمستشار الأمن القومي وقتذاك موفق الربيعي، هذا الأخير كان مسؤولا عن إدارة عملية الاعدام، التي تمت في الثالثة ودقيقة فجرا، وسبقها الشهيد الراحل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

دموع المسلمين سالت مدرارا، صبيحة عيد الاضحى، سواء الذين كانوا على وفاق مع صدام حسين سليل عشيرة البيجات، أو حتى من كان ضده، وهذا بشهادة أحد العراقيين، الذي سجنه الرئيس الراحل، ولا يسع المقام للكشف عن اسمه، وصرح لي ذات مرة، أنه رغم ما حصل معه، إلا انه بكى بكاء شديدا لإعدام صدام حسين في ذلك اليوم المشؤوم.. ولم يكن الوحيد في ذلك، بل حتى أصغر حراس الرئيس صدام حسين، وهو الأمريكي آدم روجرسون، كشف في إحدى المقابلات التي أجريت معه، أن يوم تنفيذ الحكم كان حزينا جدا، وذكر أن صدام قال لحراسه إنهم كانوا جميعا بمثابة الأصدقاء، ما جعل بعضهم يبكي، وأنه (آدم) لم يكن يوما مستعدا لمواجهة هكذا وضع.. مردفا بأنه شعر بالاحترام نحو صدام حسين بعد موته.

الرئيس الراحل نفذ عليه الحكم في مقر الشعبة الخامسة في منطقة الكاظمية، ودفن بالعوجة، في منطقة صلاح الدين، بتكريت العراقية،.. صحيح أن تمثاله ببغداد تم إسقاطه يوم إعدامه، لمحو ذكراه، إلا أن حادثة مقتل الأمريكي ذو الأصول الأفريقية جورج فلويد، التي وقعت مؤخرا، وما انجر عنها من أحداث واحتجاجات أدت إلى إسقاط تمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن، أعادت الحادثة إلى الأذهان، ومعها ذكرى رحيل صدام حسين، وكأني بلعنته ظلت تحوم في الولايات المتحدة، وكان الانتقام من قبل الأمريكيين أنفسهم.

هكذا رحل صدام حسين الذي قال ذات يوم “أنا ستعدمني امريكا، أما أنتم فستعدمكم شعوبكم”، و” اذا خانتك قيم المبادىء، فحاول أن لا تخونك قيم الرجولة”، مؤكدا “ما يهمني هو أن تبقى الأمة رافعة رأسها لا تنحني أمام الصهاينة”، و “لا تقرب منك من يظنك تحتقره”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.