تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

كل رجال الباشا

كتاب كل يوم جمعة (42)
تاريخ ضد التيار (3/4)
كل رجال الباشا

بقلم: د. وسام محمد – مصر

وفي الأسبوع الثالث من رحلتنا مع هؤلاء الذين يكتبون ضد الرواية التاريخية السائدة مستندين إلى منهج علمي موضوعي، نلتقي مع كتاب شهير لدرجة أني ترددت في عرضه ومناقشته، كتاب (كل رجال الباشا – محمد علي وجيشه وبناء الدولة المصرية الحديثة) لمؤلفه (د. خالد فهمي)، وكان أولى بي لولا هذا التردد أن بدأت سلسلة تاريخ ضد التيار بهذا الكتاب، وقد اضطررت أن أعيد قراءته متأنيًا في الأسبوع الماضي حتى يتأنى لي عرضه دون الانزلاق في فخ التحيز إلى أو ضد الكتاب.

الكتاب مكون من سبعة فصول؛ في الفصل الأول، والمعنون (بين السلطان والوالي)، يناقش فهمي، من خلال تحليل الأحداث السياسية والعسكرية التي ساهمت في تكوين دولة محمد علي، فكرة أن محمد علي خطط للاستقلال عن الدولة العثمانية، منتهيًا إلى أن مشروع محمد علي بأكمله، لا يمكن فهمه وتفسيره إلى في سياق التقاليد السياسية العثمانية، ومؤكدًا إلى أن التطور الدرامتيكي في علاقة محمد علي بالسلطان وصولًا إلى الحرب، لم يكن ما أراده محمد علي، وهي نفسه الفكرة التي أشار إليه (شفيق غربال) في كتابه عن محمد علي واصفًا هذا بأنه كان عثماني من البداية وحتى النهاية.

في الفصل الثاني والمعنون (مولد الجيش، التجنيد والمقاومة)، وفيه يناقش فهمي كيف أضطر محمد علي إلى تجنيد المصريين بعدما فشل في فرض الانضباط على جنوده الألبان، كما فشل مشروعه في تجنيد السودانيين؛ وهنا يجب أن نتوقف عند نقطتين، الأولى أن التجنيد الإجباري كان مرفوض من المصريين الذين رأوا أن التجنيد لا يعتبر مصالحهم بقدر اعتبار مصالح السلطة، وهو ما قاد إلى مقاومة للتجنيد تبلورت في صورة انتفاضات شعبية مسلحة، وهو ما يقود إلى النقطة الثانية، وهي أن المصريين لم يعارضوا التجنيد عن جبن، بقدر أنهم عارضوه بسبب وعيهم بطبيعة هذا المشروع السلطوية والاستعلائية؛ وهنا ينتقل فهمي إلى مناقشة ما لجأ إليه محمد علي من عملية منظمة لإحصاء ومتابعة السكان أو ما يسميه فهمي بالدفترة – إشارة إلى عملية التسجيل في الدفاتر أو السجلات – وهو ما يعتبر فهمي انتقال من تقنيات السيطرة بالعنف إلى تقنيات السيطرة بالمراقبة الجماعية، وهو ما يجعلني أشعر في هذا الفصل بالذات برجع صدى لما طرحه تيموثي ميتشل من قبل في استعمار مصر.

الفصل الثالث من الكتاب وعنوانه (الانضباط والتدريب)، وفيه يناقش فهمي ما اسماه عمليه (إخضاع) الجنود للنظام، معتمدًا في ذلك على مجموعة من الوثائق التي تمثل التوجيهات وكتيبات التدريب واللوائح والقوانين المعمول بها في جيش محمد علي، رابطًا عملية الإخضاع في تحول بنية وعقيدة السلطة الحاكمة، مستخدمًا في ذلك مقاربة نقدية لأعمال فوكو حول مفهوم السلطة، وصولًا إلى تحويل هذه السلطة إلى كيان ميتافيزيقي أعلى من البشر، ومحاولة زرع هذه العقيدة من خلال تقنيات الإخضاع.

الفصل الرابع وعنوانه (ما وراء مظهر النظام)، ويستمر في هذا الفصل مفتشًا في وثائق مختلفة خلفها جيش محمد علي، ولكن هذه المرة يبحث عن أصول تكوين الجهاز البيروقراطي، موسعًا تقنيات الإخضاع بالدفترة إلى ما هو أبعد من جيش محمد علي؛ كما يلقي فهمي أضواء على ما يسميه بالشروخ في هذا النظام البيروقراطي، أو العيوب الجوهرية وهو التي سوف تتراكم مسفرة على مدى طويل عن حالة أقرب إلى العجز عن التفاعل والتطور أصابت هذا النظام البيروقراطي.

الفصل الخامس وعنوانه (خلف الخطوط، الحياة اليومية في المعسكرات)، وموضوعه الجندي وعلاقته بالمؤسسة، وهي العلاق التي يوجزها فهمي في عبارة واحدة مؤلمة قائلًا (لم يتم دفن المئات أو الآلاف من الرجال الذين ماتوا في مختلف حملات محمد علي بطريقة مشرفة، وانحصر اهتمام السلطات الوحيد بالموت في الإبلاغ عن تواريخ الوفاة بسرعة لكي توقف الرواتب التي كانت تسلم أحيانًا لعائلات الرجال في مصر)، فالجنود في نظر محمد علي ونخبته الحاكمة، مجرد أداة للقتال وسطر في دفتر المرتبات، ومن هنا يطرح فهمي السؤال المعارض لتيار التاريخ الرسمي، هل اعتبر الجندي المصري نفسه في جيش محمد علي صاحبً هذا المشروع أم لا؟ ويجيب عنه فهمي من خلال استعراض وضع الجنود في وقت السلم، إذ أن وقت الحرب لا يمكن الاعتماد عليه، فالجندي المدرب سوف يتبع الأوامر حتى لو جاءته من ضباط بعيد عنه لا يعرفهم ولا يعرفوه، ولكنه يفعل ذلك لأنه تدرب على مثل هذه الطاعة سبيل النجاة من الموت في ميدان الحرب، ولكن في أوقات السلم كانت مخالفة النظام العسكري أمر شائع، وربما مزعج مما أضطر القائمين على الجيش تطوير مزيد من أدوات الدفترة لإجبار الجنود على الالتزام بالنظام في غير وقت الحرب، وهو ما يعتبر من أوليات جيش محمد علي، ولكنها تخفي حقيقة أن الجندي رغم عمليات الإخضاع المستمرة إلا أنه ظل يقاوم الإخضاع قدر استطاعته.

الفصل السادس وعنوانه (جيش محمد علي والأمة المصرية)، وفي رأي الشخصي أن فهمي في هذا الفصل أقدم على تحطيم العديد من الأساطير المؤسسة للتاريخ المصري الحديث؛ فمن خلال الوثائق التي ينظمها ويعرضها بموضوعية يبين كيف عزز كيف الباشا من الفروق الأثنية والطبقية داخله، وكيف فشل في أن يتحول من جيش الباشا إلى جيش المصريين الذي قام بعضهم ببتر وتشويه اجسامهم حتى لا ينضموا إلى جيش الباشا، وفي المقابل نظر الباشا بعين الحذر أو الكراهية أو الازدراء أو خليط من كل ذلك، لأهل البلاد فقنن (منع ترقي أبناء العرب للرتب العليا) في جيشه، واعتمد على أجانب جلبهم من الغرب؛ وينتهي هذا الفصل بمقارنة جيش الباشا مع جيش نابليون والجيش العثماني الجديد، إذ نجح الأول في أن يمثل مشروع قومي فرنسي وحد الفرنسيين وبلور الشخصية القومية الفرنسية على نحو استمر حتى اليوم، بينما نجح الثاني – والذي انشأ في ظروف مشابهة لظروف إنشاء جيش محمد علي – في أن يتجاوز مسألة التباينات داخل بلد أكثر تباينًا اثنيًا ودينيًا من مصر، وعلى الرغم من اعتماده على المدربين الغربيين إلا أنه لم يدفعهم للصفوف القيادية الأولى.

الفصل السابع وعنوانه (الباشا المصري والباشوات العثمانيين والسفير البريطاني)؛ وفي هذا الفصل يقيم فهمي مشروع محمد علي وعلاقته بالقوى السياسية في زمانه، ويخلص إلى أن الصدام بين مشروع محمد علي والعثمانيين هو صدام تقليدي داخل النخبة الحاكمة العثمانية كان وقوده فلاحي مصر، بينما يحاول نزع اللثام عن الأسباب الحقيقة للعداء بين محمد علي وبريطانيا، ويخلص إلى أن خشية بريطانيا من نمو مصر محمد علي كقوة اقتصادية مجرد اسطورة أخرى – تذكر ما تناوله جلال أمين في كتابه الذي ناقشناه سابقًا حول أن اقتصاد مصر في عصر محمد علي كان اقتصاد تابع وظيفيًا لاقتصاد بريطانيا وإن كان مستقل القرار – أما السبب الحقيقي فكان أن تحركات محمد علي والتي استنفذت قوى الإمبراطورية العثمانية فيما اعتبره البريطانيين حربًا أهلية داخلية سوف يؤدي إلى إخلال في توازن القوى الأوروبية لصالح قوى معادية لبريطانيا مثل روسيا – لاحظ أن في حرب القرم في منتصف القرن الثامن عشر سوف تتحالف بريطانيا مع العثمانيين ضد روسيا، وسوف يقاتل خلفاء محمد علي مع هذا التحالف ضد الروس.

الكتاب – في نظري – واحد من القراءات الثورية للتاريخ المصري، وقد التزم فيه المؤلف المنهج العلمي واعتمد على المصادر الأصلية في الكثير مما عرضه أو خلص إليه؛ كما يعرض للمراجع المختلفة التي كتبها مؤرخين مصريين وأتراك وغربيين تناولوا حوادث هذه الفترة؛ والكتاب نفسه غني بمناقشة موضوعات تتعلق بنشأة وتطور السلطة، وعلاقة الفرد بالمؤسسة، والأثر الثقافي لممارسات المؤسسة، كما أن المؤلف كذلك يطرح ويناقش أفكار فلاسفة ومؤرخين مهمين مثل فوكو وميتشل وأندرسن وغيرها.

مؤلف الكتاب، دكتور خالد فهمي، أكاديمي ومؤرخ مصري، عمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعمل استاذًا زائرًا بجامعة كولومبيا وجامعة هارفارد، ويشغل حاليًا منصب أستاذ كورسي السلطان قابوس بن سعيد للدراسات العربية الحديثة في جامعة كامبريدج.

ترجم الكتاب شريف يونس، وهي ترجمة ممتازة في وقت عزت في الترجمات المقبولة، اثبت فيها المترجم الاقتباسات من المراجع والمصادر الأصلية ولم يكتف بترجمتها عن النص الإنجليزي كاشفًا عن قدر كبير من الجهد المبذول في عملية الترجمة.

صدر الكتاب للمرة الأولى بالإنجليزية عن مطبوعات جامعة كامبريدج عام 1997، ثم صدر باللغة العربية عام 2001 عن دار الشروق في مجلد شارع على خمسين وأربعمائة صفحة. الكتاب – في رأي – ضروري لفهم أوضح لطبيعة تطور مصر في العصر الحديث، ولا يستغنى عن قراءته من أراد فهم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي نتعرض لها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.