فكر مقالات

إبداع المفكر والمثقف والحكم القيمي

إبداع المفكر والمثقف والحكم القيمي

 

بقلم الأستاذ الدكتور/ علي المرهج

لا زال لفلسفتيّ سقراط وإفلاطون المثالتيّن سطوتهما في الحكم على نتاج مثقف ومفكر، على قاعدة أسسا لها ألا وهي ربط المعرفة بالأخلاق أو الفضيلة، لتجد من يُحاججك كيف تقبل أن تصف فلاناً مفكراً أو مثقفاً أو شاعراً حينما يروم

وضع شاعر أو مفكر وحتى مثقف مخالف له خارج مجال الثقافة والفكر إن كان موهوباً في إبداعه الفكري أو الشعري، لكنه – ربما – سيكون هذا الموهوب من المداحين الكبار لدكتاتور أشر، وليست عندي مشكلة مع هكذا موهوبين منحتهم الفطرة أو منحتهم الذات الإلهية قدرة على سك الشعر أو الفكر بلغة إبداعية مُبهرة خارج تمنياتنا لما ينبغي أن يكون عليه الشاعر أو المفكر أو المثقف، وقل الفيلسوف، ولا تتردد، فقد ذكر أستاذي الكبير مدني صالح جملة عظيمة أعدها من مآثر ما ذكر من حكم (إعطني دولاراً، أعطيك فيلسوفاً) وقد ذكرتها من قبل في مقالات شتى، ولا عقدة عندي حينما أجد مثقفاً أو مفكراً يمتدح سلطاناً أو ينتمي لأيديولوجيا معينة، فلم تشغلني رؤية سقراط وأفلاطون في ربطهما للمعرفة بالفضيلة لكثرة ما وجدت وعاشرت وقرأت في حياتي ملمفكرين وشعراء وفنانين مبدعين في الفن: المسرح والتشكيل والسينما، ولكنهم متملقون، يُزيفون التاريخ والحقائق، وكذا الحال مع الشعراء والمفكرين، ولا أعرف لماذا لا نعترف بأنهم بشر ينزعون لتحقيق مصالح ذاتة، وهذه بحد ذاتها ليست مشكلة كبرى، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في التحول والتلون وتغيير الولاءات، فيدور هؤلاء بوصلتهم وفق تغيّر موازين القوى والسلطة!.

حينما تجد أمثال هؤلاء، وهم كثر في مجتمعنا يدورون مع السلطة أينما دارت، فينسون تاريخ وتنظيراتهم لتجميل أفاعيل السلاطبن، أو في تقديم الشعراء لأشعارهم في مدح سلطان غبي، ويتنكرون لفعلتهم هذه ويتغافلون عن خطيئتهم فيما بعد، فتلك هي المشكلة.

أن تدافع عن دكتاتور أو عن قائد حزب وتُطبل له، أو أن تُدافع عن فكرة وتتبناها وتُنظر لها، فهذا رغم اختلافي معك، ولكنني أظن أنه حق لك لا يستطيع سلبه منك أحد، ولكن عليك أن تظل على قناعاتك هذه لا أن تُبدل جلدك وكأنك (حية رقطاء) بمجرد سقوط سيدك!.

لربما يُحاججني أحدكم بأن التبدل في الأفكار والتطور في الوعي تلك سمة الإنسان الواعي، ولا أختلف مع من يذهب لهكذا رأي أو قول، ولكن بشرط أن يكون تحوله مرهون بوجود هذه السلطة التي نظَر لها أو كتب قصائداً تترى بحق عدالتها، لا أن (يضم رأسه) ويختفي حينما تسقط! ، ويظهر لنا فارساً مغواراً في الفكر والتنظير أو في الشعر، ليكتب عن أعداء الحكم السابق نظريات في (حقانيتهم) في المعارضة إن كان مفكراً، أو قصائدا إن كان شاعراً!.

أعود لأقول: لا يرتبط الإبداع بالفضيلة ولا بالأخلاق إلا من قبيل شغفنا بما ينبغي أن يكون عليه المثقف أو المفكر أو حتى العالم والفيلسوف.

لأذكركم بحوادث تعرفونها وأهمها: ما تقبله فيلسوف العصر الحديث فرنسيس بيكون من رشى، أو ما عضد به هيدغر رؤى النازية.

ولا أستثني شعراءاً كباراً من أمثال المتنبي أو الجواهري، ولا أضرب مثلاً بشعراء لا زالوا أحياءاًكتبوا قصائداً يُمجدون به (القائد الضرورة)، ولست هنا بمقام محاسبتهم، بل بمقام من يعذرهم بمقدار، فلربما يكون بعضهم كتب قصيدة هنا أو هناك ليشتري سكوت السلطة عنه وعن أهله.

أعود لأقول هناك من تبرع بكتابة رؤى ونظريات بالمجان ليكسب رضى السلطان ليرمي له كيساً من الأموال يساوي ما عنده من خستة وذلة في بيعه لفلسفته على قاعدة أستاذنا مدني صالح التي ذكرتها من قبل: (أعطني دولاراً، أعطيك فيلسوفاً)، وكان هذا الكبير يقصدها، فتعجبت لقوله هذا وحاججته، كيف يكون لفيلسوف أن يبيع مجتمعه ليكسب المال وينسى أهله وناسه؟!، فأجابني إجابة بليغة: (علي..وتنهد..فقال علينا أن نشكره، فقلت له لماذا؟، فأجابني بحكم بالغة: “نستظل بظله)!!، فتعجبت!! ، وسألت نفسي ماذا يقصد أستاذي بقوله هذا؟!، وبعد حين عرفت منه، أنني ينبغي علي أن أفرح حينما يتبرع (متملقاً) في مدح دكتاتور، فهو المتفضل، لأن الدكتاتور إن لم يجد أمثاله سيبحث عنا في خارطة الفكر، وسيطلب من رجالته، او ان رجالته المتملقين سيطلبون منا كتابة نظريات عن فكره وفكره (الحزب القائد).

لم ينتهِ قولي في ربط الثقافة بالأيديولوجيا، وما كتبته الآن لا يعدو سوى محاولة مني لفك الإرتباط التعسفي بين الإبداع والفضيلة أو في الأخلاق، لأقول لكم: راجعوا حياة أغلب المفكرين والعلماء والفلاسفة والشعراء والمثقفين، ستجدون أن هذا الربط هو من قبيل (ما ينبغي أن يكون) (لا من قبيل ما هو كائن)!.

وعندي الكثير لأصدمكم به عما تظنون أنه حقيقة لا نقاش فيها ألا وهو أن يكون العالم أو الفيلسوف أو المثقف فاضلاً، فتلك من الأمنيات، ولكنها ليس من الواقع، ولا يؤيدها سوى استثناءات نحتفي به نحن الحالمون المثاليون.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.