فكر مختارات مقالات

مفكر أم فيلسوف أم مثقف؟

الاستاذ الدكتور علي المرهج يكتب:

مفكر أم فيلسوف أم مثقف؟

إنها مفاهيم ثلاث ترتبط أحياناً، ولربما تتداخل، وتنفصل، والفصل أولى من البحث عن علاقة صلة لا نُنكره.

سألني ذات مرة صديقي (بلال) المدير التنفيذي لدار سطور عن معنى كلمة مفكر، ووعدته أنني سأكتب مقالاً في هذا الصدد.

أقول لك عزيزي (بلال) أن كلمة مفكر في تداولها العام في ثقافتنا العربية تُطلق جُزافاً على كل من كتب مقالات عدَة أو كتباً في مجال ما، فتجد المحبون له والمتابعون يصفونه بهذه الصفة!!.

يُمكن وصف هكذا كاتب بأنه (مفكر)، ولكن في سياقات فلسفية نحن نفهم أن مفهوم (المفكر) يعني أن من يوصف به في فكرنا العربي المعاصر ويصح ان نصفه به هو الباحث الذي قضى عمره في البحث في التراثين الإسلامي والغربي، وبعد صبر وأناة تمكن من طرح مشروعاً أو رؤية جديدة لحل مشكل النهضة في الفكر العربي الحديث، أو أجاب عن إشكالية (التراث والحداثة) في فكرنا المعاصر، لا اجابة تكرار لأقول سبق يجتر بها من قيل عنه أنه مفكر إجابات سبقت، بل (المفكر) هو من يطرح الإشكالية بصياغة جديد، وباقتراح حلول لم يسبقه أحد فيه.

لا تقل لي أن طرح الإشكالية واقتراح حلول لا يُعد جديداً عند من أسميناه مفكراً، لأقول لك أنك لولا أن قرأت ما كتب هذا المفكر بما نبهك عليه من اثارة الإشكالية أو اقتراح احلول، لما كانت لديك اجابة عن هكذا مُشكل.

أقول لكم أن المفكر الذي ياسوي القول عنه أنه صاحب مشروع، حينما تقرأ كتاباته أو معالجاته، ستجد أنها من نتاج عقله وإبداعاته، والمبدع لا يخلق شيئاتً من لا شيء، إنما المبدع هو الذي يُنبهك عن شيء وأشياء في حياتك تصلح أن نتكون مقترحات حلول لمشكل التخلف في حياتنا ولم تنتبه لها أنت القارىء البسيط، فتجده يستفز عقلك بما عرفته وقرأته من قبل ولم تستطع أن تُفكر فيه لاطريقة ذاتها التي فكر فيها من أطلقنا عليه تسمية (مفكر).

إذن فالمفكر هو الذي يُنتج قولاً جديداً، أو رؤية جديدة لحل مشكل نعيشه في عالمنا العربي أو الإسلامي.

والمفكر هو الذي يُنتج مفاهيمه الخاصة االتي حينما يستخدمها غيره خارج سياقتها التي استخدمها فيه مفكرها لا تجده موفقاً في توظيفها رغم أن فيها (طاقة تفسيرية كامنة) لم يستطع (المقلد توظيفها كما عمل عليها مُنتجها.

نقول هناك صغار السقارطة. أي أنهم فلاسفة تأثروا بفلسفة سقراط وحاولوا اعادة انتجاها وفق ظروف وتحديات عصرهم.

ولك أن تجد في فكرنا العربي من صغار المفكرين الذين ساروا على نهج محمد عابد الجابري أو الطيب تيزيني أو صادق جلال العظم وغيرهم.

تُطلق كلمة (مُفكر) كمرادف (بتحفظ) لكلمة (فيلسوف)، وهي تعني بتلخيص القول أن هذا الشخص لديه رؤى نقدية جديدة تمكن صاحبها من اقناع مريديه بعبارة صوفية وقُرائه بعبارة (حداثية) من تغيير وجهات نظرهم في النظر لتفكير سائد على أنه لم يعد صالحاً للاستخدام وفق مُتغيرات الحال والأحول، بل وحتى الأهوال، فهو كاتب يُعيد انتاج الفكر والأقوال بما يجعل القديم لا قيمة له في البناء ويحتاج لرؤى هذا الفكر للتعديل والتجريح. بمعنى آخر هو أن هذا الكاتب (المفكر) قد تمكن من تغيير المقول المتداول في الرؤى المعرفية التقليدية واختراقها لبناء نظام معرفي جديد ورؤية تجديدية ـ على الأقل ـ عمل الكاتب (المُفكر) فيها على تقويضها والاتيان ببديل معرفي جديد يحل محلها.

ما نراه اليوم من شيوع في استخدام كلمة (مفكر) على كل من يجتر القول ويُعيد كتابة المقول بصيغة جديدة لربما تكون أقل قيمة من المقول القديم إنما هو (تسخيف) و تقليل من القيمة التدالولية لهذه الكلمة، فكل إنسان بطبيعة وجوده يُفكر، ولكن ليس كل من يكتب هو مُفكر وإن كتب عشرات الكُتب.

الكاتب (المُفكر) هو المُختلف لا لمُجرد الاختلاف، بل لكونه يُجيد التأثير والتغيير في القارئ (المُتلقي) بما يجعله يُعيد حساباته في مألوف قوله ليُشكك فيه ليُشاركه “التفنيد” لموروث الفكر لا “التأييد” له..

الكاتب (المُفكر) هو الذي يُعيد القارئ كي يتفحص معارفه وأيديولجيته لينتقد ذاته بما يجعله مُشاركاً له في (المُغايرة) ونقد الموروث، ومن ثم نقد الذت للخلاص من أسطرة الحقيقة الألوفة أو (المتوارثة).

أن أكتب أو يكتب غيري بما لم يألفه القُراء فلا يعني هذا أنني مُفكر، بقدر ما يعني أن بعض مما كتبت أو كتب غيري هو جديد على من لم يألف القراءة، ولكنه ليس بجديد على من له دراية وتواصل مع عوالمها، وبما يكون ما كتبت وما كتب غيري هو من عوالم ارتاباك في الكتابة وسوء الفهم فظنَ من لا خبرة له أن في غرابة القول نتاج معرفي لا يفقهه هو.

وأنا أقول أن من تسخيف القول أن ما يقوله مُفكر في مجال تجديد الوعي ونقد القول القديم السائد أن لا يفقه قوله من هُم من صنفه، فهو ربما يخدع من هُم لا يفقهون من بعض بُسطاء الناس بحكم عدم درايتهم بمعجميته الفكرية أو الفلسفية، ولكنه لا فكر له إن لم يفقه قوله من هُم من جماعته وينتمون لمنطقة التفكير ذاته التي يدَعي أنه ينتمي إليها!.

إن مثل هكذا كاتب يدَعي أنه مُفكر أو يدَعي بعض من صحبه الذين أصابتهم لوثته بحكم العشرة (على قاعدة من رافق القوم أربعين يوماً صار مثلهم) أنه مُفكر أن يُراجعوا حساباتهم في مدى أهليتهم العقلية.

لا يُمكن أن نصفَ كل كاتب يستهوي بعض القُرَاء بأنه مُفكر، فمن صفات المُفكر الابداع، والابداع هو الاتيان بجديد لم يسبق الكاتب (المُفكر) أحد في قوله بما يجعل من هذا القول خط سير جديد لبناء حياة أو تجديد لرؤانا وهدم لرؤى سابقة.

وبصياغة منطقية: إن كل مفكر مُثقف، ولكن ليس كُل مثقف مُفكر، لأن من ميزات المُفكر هو خلود أقواله واتخاذها أسلوب تفكير وحكمة في الحياة، وتحمل في طيَاتها اكتناز معرفي ينهل منها الساعون للاصلاح والتغيير وغيرهم، بينما لا تجد في أقوال المُثقف ما يبقى منها أثير في تغيير السائد وفضحه والكشف عن عيوبه، ولو كان في قول بعضهم ما يبقى لكانوا من صنف المُفكرين لا من صنف المُثقفين فقط.

المُفكر هي سمة الذي ينتقد ويخترق بجرأة كل ما يراه وفق الرؤى المنطقية والعقلانية في الحياة المُجتمعية التي هو جزء منها لا صلاحية له في عوالم الإنسانية والحُرية خارج هيمنة أي مُعتقد (دوغمائي) سائد، لأنه لا ينظر للإنسان بحسب جهته ونشوئه إنما هو ينظر للإنسان بصفته الكونية.

ما يُميز كلمة (المُفكر) عن كلمة (الفيلسوف) لاأن الأولى تُطلق على كُل من له ذكاء ورؤية نقدية تمكن من خلالها في مجاله أن يُغير من نمط التفكير السائد فيه، بينما (الفيلسوف) يكون اشتغاله في مجالات المعرفة والوجود والميتافيزيقا على أنها أسئلة (كونية) ذات طابع تجريدي لا يغفل الواقع، ولكنه يُعيد صياغته بما يجعله خارج منطقة الوصف (التبعيضي) لكينونته الجزئية، ليجعلة سؤال كينوني بلغة (هيدغر) يحتوي كل أسئلة الوجود والحياة الإنسانية بعيداً عن منهجية التجزئة و (التبعيض)، لأن من مهمات الفيلسف هي تلبية حاجات العقل بكونيته لا بانتمائه العقائدي، وتلك هي مهمة الفيلسوف.

إن مهمة المفكر تكمن في محاولته الجادة في المُشاركة في تجديد وعي المُجتمع الذي هو فيه، بينما مهمة الفيلسوف تكون في تغيير وتجديد نمط الوعي بهذا المُجتمع وتحدياته.

قد يشترك المُثقف والمُفكر في التبني الأيديولوجي لفكرة أو أيديولوجية ما، فكلاهما مُتاح له أن ينتميا لحزب أو جماعة، ولربما يكون (المثقف) أو (المُفكر) هو الناطق الرسمي باسم هذا الحزب أوالجماعة، ولكن الفيلسوف لا قيمة لرؤيته إن طرحها وفق مُتبنى عقائدي أو أيديولوجي ما.

المُفكر رغم أنه يأتي بجديد، لكن جديده هذا يُمكن أن يُبوب في خانة (الأيديولوجيا) والانتماء، فلنا أن نقول أن هذا المُفكر إسلامي، أو ماركسي، أو يساري، أو يميني، أو قومي، أو قومي إسلامي، أو ليبرالي إسلامي…إلخ.

ولكن رؤى الفيلسوف لا تُبويب وفق أيديولوجيا ما، وإن تكلم الفيلسوف بلغة الجماعة والدفاع عن مصلحتها، فقد تخلى عن كونه فيلسوفاً.

لأعود للمفكر الذي سخفنَا معناه التداولي، فكثير من القوميين مثل: زكي الأرسوزي والبيطار وعفلق مفكرون، وكثير من الإسلاميين مثل: حسن البنا وسيد قطب والمودودي ومحمد باقر الصدر مفكرون، أنتجوا رؤى جديدة وفهماً مُغايراً لكل ما هو سائد من الفكر، ولكن المُتبنى العقائدي يحف بهم وهو (مسطرتهم) للحُكم على صحيح الفكر من فاسده بحكم مُتبناهم العقائدي = (المسطرة)، ولكنهم ليسوا بفلاسفة، ولكنهم مُصلحون، وأتفق معهم أواتفق، ولكن صفة (المُفكر) لم تعدَ تُطلق على أمثالهم، بل صارت مُفردة تلوكها الألسن وتُطلق على كُل من يجتر قولهم ويُعيد صياغته، بل وصارت تُطلق على من لا فكر له سوى أنه يُجيد كتابة الأفكار لبعض منهم في اتباع وتقليد!.

الفلاسفة لا يحتكمون لنص ولا مُسلمات نهائية لهم، أما المُفكرون فهم لهم مُسلماتهم ومنها وبها يكونون مُفكرون، ولا اعتراض لديَ كبير على مُتبنيات هؤلاء، فهم حشروا أنفسهم في خانة منها لا يخرجون منها وإن رغب المُحبون (القُرَاء) باخراجهم بتفسير أو تأويل!.

أما اعتراضي الأشد فهو على من يوصفون بأنهم مُفكرون وهُم لا ناقة ولا جمل لهم لا في عوالم الفكر ولا في عوالم الفلسفة، وإن حضروا لا يُعدون وإن غابوا لا يُفقدون!.

 

وذلك من سُخف الوصف لهم بأنهم مُفكرون وهم لا يساوون في سوق النخاسة شروى بعير.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.