اجتماع مختارات مقالات

الطبيب الذي فقَد ظلّه

الطبيب الذي فقَد ظلّه

بقلم: دلال البزري

أريد أن أستعلم عن ذاك الجرّاح الذي نصحتني به قريبتي، فأنا ربما مقْبلةٌ على عملية جراحية دقيقة، مزدوجة، تعالج الفراغ الذي حلّ بين حوضي وأعلى فخذي. الآلام الناجمة عن هذا النشاف لا تفارقني منذ أربع سنوات، وقد زرتُ ما لا يقلّ عن عشرين طبيبا، جميعهم لم يوحوا لي بالثقة اللازمة، فكل واحد منهم كانت له شائبة، علمية أو أخلاقية، تردعني عن العودة إليه، أو الاطمئنان إلى كفاءته. المهم أنني، بعد نصيحة قريبتي، أردتُ أن أكون “فاهمة”، فقمتُ بجولة “استقصائية”، أسأل عن هذا الجرّاح بالذات. وكل الأجوبة تشير إلى مهارته وشهرته وسمعته البالغة بلاد “برّا”… إلخ. طبعاً كان عليّ أن أتنبه إلى تلك الشهرة بالذات، فالسابقون من الجرّاحين لا يقّلون عنه ذيوعاً، ولكنني لا أستجيب للحذر، وأنا مستعجلة للتخلص من آلام يومية شديدة، فعيّنتُ موعداً في المستشفى البيروتي الذي يعمل فيه هذا الجرّاح.

منذ الزيارة الأولى: يقرّر الجراح أنني أحتاج إلى عملية جراحية، قبل أن يوصي بصورة أشعة. أريد، للمرة الأخيرة، أن أُبعِد هذا الكأس المرّ عن نفسي: “أكيد حكيم؟ أليس هناك طريقة أخرى”؟ فأنا أنفر من العمليات الجراحية. أسأله، ويجيب باقتضاب الواثق جداً: “هما عمليتان في الإقامة نفسها داخل المستشفى. بين الأولى والثانية خمسة أيام. أي أنك ستمكثين عشرة أيام هنا. العملية الواحدة تدوم ثلث ساعة، تفصلها عن الثانية خمسة أيام. ومن بعد الاثنتين، في اليوم التالي، سوف تكونين قادرةً على المشي الطبيعي، من دون آلام، ومن دون عَرَج. لن تحتاجي إلى علاج فيزيائي، وسوف يكون بوسعك أن تسافري إلى أبعد نقطة في الأرض”. أطير من الفرح. “أي أنني لن احتاج إلى أية مساعدة بعد العملية”؟ كلا، يكرّرها مرتين وثلاث في أثناء الزيارة الثانية، بعدما يتأكّد من صور الأشعة من حجم الفراغ الذي حلّ مكان الغضروف بين حوضي وأعلى فخذي.

هكذا، أمضيتُ عشرة أيام من الأمل والسعادة. أتحمّل الأوجاع الرهيبة التي لا يسكّنها إلا ذاك الخليط من الأفيون وأشياء كيميائية أخرى، أتجنبّها عادة في الحياة العادية. أتكبّد سماجة ممرضين وممرضاتٍ ذوي عيون زائغة متملّقة، وشحاذة مضْمرة. ومعهم ذاك الطعام، ينصاع له الجميع بصفته “أكل مستشفيات”. وهو في الواقع أسوأ منه. إذ لا يكفي ان لا طعم لكل تلك المعجّنات المفترض أنها مغرية، أو الشوربات أنها لذيذة؛ إنما تبدو وكأن مكوّناته منتهية الصلاحية.. مع أن لديهم “متخصصة في الغذاء”، تتكلم بالمزيج من العربية والإنكليزية المكسّرتَين، تأكيدا على مهنيتها. وتسألني، يومياً، عما أشتهيه من طعام. إذ إنني نباتية، لا لحم بقر ولا دجاج ولا منتجاتهما، ولا سكّر… إلخ. لا أفهم تماماً ذاك الفرق بين “علمها” ورداءة الطعام الذي تشرف على طهيه. وبعد مائة سؤال، تعترف بأن “نعم، الطعام غثّ وليس صحياً، بسبب نقص في الميزانية”.

شقيقتي أكثر واقعية وعقلانية مني. هي لم تصدّق تماماً أنني “سوف أمشي مباشرة بعد العملية”. وانا خارجة من المستشفى، تقول إنها لن توصلني إلى بيتي. بل سوف تستضيفني طوال فترة التعافي. يجنّ جنوني. كيف؟ ألم تسمعي ما قال الجرّاح؟ إنني غداً سوف أمشي كما كنتُ أمشي قبل العملية؟ بلى بلى سمعتُ… ولكنك تعبانة شوية. هيا بنا إلى بشامون.

ومنذ الليلة الأولى التي أمضيها في تلك القرية وحتى يومها السادس، لا أعرف النوم على الإطلاق، ولا ساعة واحدة.. على الرغم من المسكّنات، الآلام مبرحة. أستطيع المشي صحيح، ولكن بحلاوة الروح، وبالاتكاء على الحيطان والطاولات وأبواب الغرف ومسْكاتها. أبعث على “واتس آب” رسالة إلى الجرّاح، أصف فيها حالتي. يجيبني كالسكْران، بحرفٍ أو إثنين، عليّ فكّ طلاسمهما، والإصرار على الاستفهام حولهما. وبعد عشرة أسئلة، وجواب منه على شاكلة الأول، يستقر هذا الفهم، أن “تعالي إلى المستشفى”، طبعا من دون تحديد الساعة، بين كذا وكيت من الأوقات.

أنا الآن في المستشفى، أنتظره، وأنا محمولةٌ على الكرسي المتحرِّك. يحضر الطبيب الجرّاح، فتتغير سحنة الممرضة بفرحةٍ هائجة، بعد عبوسٍ طويل بوجهي ووجه شقيقتي. “أوجاع يا حكيم. أوجاع. ما السبب”؟ جوابه بعد أن أنفذ طلبه بتحريك رجلي، فيكون دليله الساطع: “لا، ليس هناك أوجاع، انتِ تتوهّمين، الأوجاع في عقلك أنتِ، هي ليست موجودة”. أريد أن أجادله، أن أنكر هذا النكْران. أذكّره بوعوده قبل العملية “ألم تقل كذا وكيت”؟! يُنكر بأريحية، بثقة “كلا كلا لم أقلْها”. ليس عنده شيء آخر يضيفه، إلا إعادة وصف الأدوية نفسها، “قاتِلة الوجع”، كما تقول العبارة الأميركية. ولكني، خلال هذه الزيارة، ألتقي المعالج الفيزيائي الذي كان يحاول أن يمرّنني على المشي في أثناء وجودي في المستشفى. يقترب مني وأنا جالسة على الكرسي المتحرّك، ويهْمس في أُذني، كأنه يبوح بسرّ: “تحتاجين إلى أكثر من ستة أسابيع لتتعافي، وتمشي بشكل طبيعي”. مساعدة الجرّاح، ألتقي بها أيضاً، وأسألها فتجيب بالمهلة نفسها.

المهم أن تلك الأيام تخلّلتها إنتكاستان. في الثانية بعد الأولى، ألتقي الجراح في المستشفى، وليتني لم أحضر إليها. الكلام نفسه، الجواب المتعالي نفسه.. في الثالثة من هاتين الانتكاستَين، كان ألم جديد مثل سكّين يغرز في وركي. أُرسل إلى الجرّاح كلمة في الصباح، أسأله عنها، ولا أعرف لماذا جاء ببالي أنني ربما أحتاج إلى مقوّيات. أريد إعطاءه شيئاً من المصداقية. ربما هو محقّ، أنني سوف أمشي بعد العملية. ولكنه ربما نسي عمري. لم يُجب على رسالتي. إنما بعث إلي رسالةً عبر المعالج الفيزيائي، أنه ليس “صاحبي”، وأن عليّ ان لا أبعث إليه الرسائل الواتس آبية من اليوم فصاعداً. “وماذا قال لك بخصوص التعليمات؟” سألتُ الفيزيائي؛ “لا شيء” أجاب، “كلمتين أكثر اختصاراً من التقرير الذي أعدّه لأي معالج فيزيائي آخر”.

عندما تكلمتُ مع مساعدة الجرّاح، سألتها لماذا هذا الفرق بين وعود الطبيب وواقع نتائج العملية التي تناقضه تماماً. أجابتني إن جميع الأطباء يفعلون الشيء نفسه، لأنهم لا يريدون “إخافة” المريض أو “تطْفيشه”. وهذا جوابٌ اعتبرته أفظع من الوعود الكاذبة نفسها، إذ يكشف أن الطبيب يقوم بما تقوم به الإعلانات التجارية: ينادي بأحلى الكلام عن بضاعته، ليجذب الزبائن، وبعد ذلك ليتدبّر المريض بالنتائج بما تيسّر له من قدرات. لم تخفِ مساعدة الجراح أن واحدا من الفنانين الكبار قام بالعملية وخرج منها وهو يدبك على المسرح. ما استدعى نصيحة قريبتي الثرية التي أرخت على هذا الجرّاح صفات القدّيسين: “صديق، عزيز، شاطر، يسأل عني دائماً..” وتردف كل حسنة من حسناته بكلمة واحدة “لأنو عارف مين أنا” (يعرف من أكون)، أي أنها ابنة بيت صاحبة مال وجاه.

خلال تلك الفترة، كنتُ أستفيق على كابوس يعيد نفسه ليلياً: أنا في مستشفى ضخم، غير محدّد الاسم، أركض من بين ممراته المْعتمة والطويلة، وبين مصاعده الكثيرة، بحثاً عن كيفية الخروج منه؛ وأعيد الكرّة مرّات ومرّات. ولا أجد باب الخروج هذا .. هكذا كانت لياليّ أفظع من نهاراتي. وتفسير الكابوس سهل. إنني أريد التخلص من تلك العلاقة المخيفة مع المستشفى وطبيبها الجرّاح. بأن أتعافى، وأصير أمشي مثل بقية خلق الله.

طبائعي لم تساعدني كثيرا على أن أهدأ، فأنا قليلة الصبر، لجوجة. والشيئان اللذان زُرعا في وركيّ يؤرقانني، يفزعانني. والوسواس يأخذ مجاله هنا، بحدود الخيال المُتاح. الفيزيائي يحاول أن يريحني، فيعلمني أن أستريح بين كل تمرين وآخر، أن أعدّ الأرقام بدون استعجال. أن آخذ نفسَاً عميقاً، أو أفكر بأشياء حلوة، أن أحسب الستة أسابيع بالكمال والتمام، قبل أن يستقر الوسواس. فأسكن قليلاً، ولكنني لا أستطيع أن أضفي أي معنىً على سلوك الطبيب الجرّاح، غير أنه يشبه يوسف السيوفي، البطل المصري لفيلم “الرجل الذي فقدَ ظلّه”. إنه يكذب مرّتين: الأولى بوعوده التي ينكرها بعد حين، والثانية بإغفاله النتائج السلبية للعملية نفسها؛ منها أن كل يوم أمضيه في المستشفى أفقد 1% من كتلتي العضلية، أو أن المكوث في المستشفى سوف يتسبّب لي بإمساكٍ، دام عشرين يوماً، أو أن تخديري بالعملية وبالمسكّنات المختلفة سوف يجعل جسمي عصيا عليّ، أو أن “نفْسي” سوف تبقى “مقْلوبة”، حتى فقدتُ شهيتي للطعام، أو أنني سأفقد شيئاً من مناعتي.. إلخ. فتستمر الآلام، وبلا أي تفسير منه؛ بل بنوع من التوبيخ على أنني ما زلتُ موجوعة.

وهو، أي الجرّاح ثانياً، لا يرى جسمي إلا بصفته تلك الثغرة التي سوف يدخل إليها “البروتيز”، بالعملية الجراحية التي يتكبر بفضلها على الباقين. يجزّئ جسمي، يحوّله إلى قطع متناثرة، لا علاقة ببعضها، كما تفعل أعتى الأدبيات المعادية للجسد، الأنثوي خصوصاً. أوجاع خارجة عن هذه “الزاوية” لا علاقة له بها، لا “تخصّه”، كما يقول، وكأن الأمر مبارزة بين الثغرة هذه وكفاءته؛ فيما الفيزيائي يبرهن لي بأن أوجاع رجليّ، البعيدتَين عن الورك، هي من أوجاع الورك والعملية الجراحية.

ثالثاً: إنه يفتقر إلى أي فضول معرفي أو إنساني أو نفسي. إنه قلعة حصينة عالية، اكتملت عنده أصول الحكمة والمعرفة. ما يعينه على التعامي عن أي شيءٍ يخرج من هذه “الأصول”. والأمر “طبيعي” بالنسبة له؛ من أصول المهنة. الإنسان عنده كتلةٌ صلبةٌ واحدةٌ مفطورةٌ على التكاذب وقلّة الإحساس. والأهم من ذلك كله أن لا محاسبة تطاوله، ولا استفسار يزعجه. ليس فقط لأن على المريض توقيع ورقةٍ تعفيه من أية مسؤولية قد يتسبب بها خطأ طبي أو غفلة، إنما أيضا لأنه نصف إله، في ذلك المستشفى، الجميع يجمد ويتصبّب عرَقاً بحضوره، خوفاً منه وإعجاباً. أي أنه يشبه السياسيين اللبنانيين، لا فرق بينه وبينهم إلا المنصب، والذي قد يكون جديراً به، في حكومة جديدة، أو عهد جديد، بعد تمرّسه على “انتصاراتٍ” لم يجد من يحاسبه عليها.

ليس من حقي القول إن آلامي فاقت التي يعاني منها غالبية اللبنانيين. وقد يتبيّن لي، بعد حين، أن عمليتي كانت ناجحة. ليس بفضل مهارة الجرّاح، إنما بفضل الحظ وحده. ثم إنني محظوظة بشيء آخر: موقعي الطبقي المتوسط الذي سمح لي بلمْلمة عشرة آلاف دولار، ثمن العملية والإقامة في المستشفى، فيما غيري لا يجد ألف ليرة ثمن نصف ربطة الخبز. وإذا كان الذي تعذبته هو من نصيب من تبقى من هذه الطبقة، أي قليل أو كثير تبعا لزاوية نظرك؛ فماذا تتخيل، وتسمع وتقرأ عن عذابات المرضى الذين لا يجدون ما يدفعونه مقابل علاجٍ هو من أدنى حقوقهم الطبيعية؟ عن أولئك الذين يتلوون وجعاً على أبواب المستشفيات، أو لا يطرقون هذه الأبواب أنفا وعزّة نفس، أو غيرهم من الأكثر حظا بقليل، الذين يلجأون إلى حسَنات الطبيب وطيبة قلبه.. كيف يعيشون، كيف يتألمون؟ كيف يحتضرون؟ كيف يموتون؟

 

نقلا عن العربي الجديد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.