أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

الترف اللغوي وضياع الأفكار

الترف اللغوي وضياع الافكار

بقلم: عبدالرحمن عبدالله

هيوستن، تيكساس

 

في تسعينات القرن الماضي قدم المرحوم محمد ابو القاسم حاج حمد (المفكر السوداني المعروف) ورقة متميزة للمركز العالمي للفكر الاسلامي؛ بعنوان “منهجية القرآن المعرفية”. الورقة قدمت محاولة شجاعة لوضع نظرية عامة ومنهج معياري للتعامل مع فلسفة المعرفة في القران الكريم. كعادة المرحوم حاج حمد، بذل جهدا كبيرا وقدم ورقة جيدة الاعداد، محكمة الصياغة. ثم ان المركز اقام ورشة عمل في القاهرة لمناقشة الورقة، حضرتها شخصيات من الوزن الثقيل: طه جابر، محمد عمارة، عبدالوهاب المسيري، علي جمعة، محمد حسن بريمة، احمد فؤاد باشا، عمر عبيد حسنة، واخرين.

 

ابتدر الحوار مقدم الورقة، والذي قدم ملخص لما ورد في ورقته. وعلى الرغم من اللغة العالية التي تحدث بها، الا اني وجدت صعوبة بالغة في مواكبة افكاره وتبين مقاصده. لكني عذرت نفسي، وظننت ان عجمتي (فانا نوبي ولست عربي) اصابتي في مقتل. لكن ما لفت انتباهي (وقد اطلعت بنهم على محضر الورشة)، ان معظم المتحدثين انتقدوا نزوح المؤلف لتعقيد اللغة، واستحداث صياغات جديدة يصعب فهمها. حتى ان د. علي جمعة قال:

( من الغرائب انني متخصص واستاذ في الفلسفة والمنطق، وبحكم تخصصي فقد قرأت مئات الكتب الفلسفية معقدة التركيب. لكني وانا اقرأ الدراسة عجزت تماما عن متابعة افكارها، بل وجدت نفسي في حالة تشتت ذهني).

بعض المتحدثين اقترحوا على مقدم الورقة اعداد ملحق يشرح الالفاظ المستخدمة، مع تعريف مفصل لكل لفظ. الشاهد ان الاتجاه النقدي العام تمثل في الاتي: نزوح المؤلف لتعقيد وتقعيير اللغة افسد مجهوده البحثي، وجعل ورقته جامدة صماء، بل وفي حاجة لخريطة لفك طلاسمها.

 

تذكرت هذه القصة وانا اتابع كتابات و حوارات عدد من المثقفين العرب المعاصرين، يبدوا لي ان السمة العامة لم تعد تقديم الافكار، وانما تعقيد البيان. وهذا ما عبر عنه قديما بالقول: “الاهتمام بالمباني على حساب المعاني”.

هذا النمط الخطابي المتكلف يعقد اللغة ويشتت الافكار، فلماذا الاصرار عليه؟

 

يجب الاشارة هنا ان خطابات المثقفين الامريكان تعتمد على نسق معاكس: التركيز على الافكار وتبسيط اللغة والبعد عن استخدام غريب الالفاظ وقديمها. هذا النسق الخطابي الذي ظللت اتعامل معه خلال اكثر من عقد من الزمان (فترة وجودي في امريكا) دفعني لا اراديا الى هجر متابعة الصحف والاذاعات العربية، والتحول نحو الاعلام الغربي. وهنا اود ان اختم بملاحظة اخرى؛ كثيرا من المثقفين العرب الذين يظهرون في الاعلام الغربي (ويفضلون الحديث بالانجليزية) تلاحقهم نفس مشكلة تعقيد اللغة. تجدهم يلجؤون الى استخدام مفردات انجليزية اصبحت حبيسة القواميس ولامكان لها في الخطاب اليومي. الشيء الذي يجعل افكارهم مبعثرة وغير واضحة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.