أدب و تراث مختارات مقالات

هل تفعلها هيلاري مانتل وتخطف البوكر للمرة الثالثة ؟

بقلم/ علي حسين

إذا صحت توقعات النقاد وحجزت هيلاري مانتل مقعدا لها بجائزة مان بوكر لعام 2020 عن روايتها “المرآة والضوء”، وهي الجزء الاخير من ثلاثيتها التي تصور فيها حياة وموت” توماس كرومويل “والتي بدأت مع رواية “قصر الذئاب” الصادرة عام 2009 واستمرت في رواية “أخرجوا الجثث” الصادرة عام 2012 ، وقد حازت كل من الروايتين على جائزة البوكر، واليوم تنافس على الحصول على جائزة البوكر للمرة الثالثة حيث رشحت للقائمة الطويلة، ستكون حتما اول روائي يحصل على ثلاث جوائز بوكر، بعد ان كانت اول روائية بريطانية واول امراة تحصد على جائزة البوكر لمرتين ، قبل ان تنافسها على اللقب الروائية الكندية مارغريت آوتوود التي حصلت على البوكر عام 2000، وعام 2019.

رفضت دور النشر روايتها “قصر الذئاب” وسخر منها اصحابها، فمن يقرا حكاية تاريخية مرت عليها عقود ، ونصحتها احدى صديقاتها بان تمزقها، فهي رواية تثير الضجر على حد قول الصديقة والقارئ يفضل عملا مسليا، فاضطرت ان تطبع الرواية على نفقتها الخاصة ، ولم تكن تتوقع ان تصبح ” قصر الذئاب ” على قائمة الكتب الاكثر مبيعا ، وان تحصد البوكر ، وتبيع اكثر من ثلاثة ملايين نسخة ، وان تصفها مارغريت آتوود بانها الروائية التي اضافت حسن الابتكار والمهارات اللغوية للرواية الانكليزية الحديثة ..فيما قال عنها سلمان رشدي ان مانتل تريد ان تنافس تولستوي على مقعد الرواية التاريخية ، وانها تحرك التاريخ بمثل مهارة الكاتب الروسي الكبير في “الحرب والسلم”.

ولدت مانتل عام 1952 لأبوين من ايرلندا، عاشا حياتهما في الريف الانكليزي ، في الرابعة من عمرها تجد نفسها بلا أب بعد ان قررت والدتها الارتباط بشخص آخر سيمنح اولادها اسم عائلته ، لم ترى والدها بعد ذلك، لكنها سمعت بخبر وفاة عام 2005 .. في طفولتها تعرضت للمرض وكان زوج امها يسميها الطفلة التي لا تريد ان تهنأ بالحياة ، وقال الاطباء ان حالة الصداع التي ترافقها ستسمر معها طوال حياتها ، لكنها تسخر من ذلك وتقول: ان ما سيرافقني طوال حياتي هو الطموح”.

في روايتها “قصر الذئاب” تنقل لنا طموحات توماس كرومويل ونتابع معها سيرة حياة الرجل الذي اصبح اقرب المقربين للملك هنري الثامن ، لكن هذه العلاقة الحميمة لم تقف حائلا دون تقديم رقبته للمقصلة ، توماس كرومويل ابن الحداد كان يشاهد والده وهو يضرب كل يوم امه ، اضطر ان يغادر انكلترا ليعيش في هولندا حيث درس اللغات والاقتصاد ، وعندما يعود الى لندن بعد سنوات يتم انتخابه نائباً في البرلمان يعمل مساعداً للكاردينال وولزي، مستشار الملك هنري الثامن الذي اقصاه من منصبه لفشله في اقناع الفاتيكان بالموافقة على زواج الملك من زوجة شقيقة المتوفي .. يصبح كروميل مستشارا للملك ويقرر اصلاح الكنيسة الانكليزية ويمنح هنري الثامن موافقة بالزواج ، وبزمنه تنشق الكنيسة الانكليزية عن الفاتيكان ، ويتم تاسيس الكنيسة الأنجليكانية التي اصبح الملك هنري الثامن رئيسا لها، لكن سرعان ما يقرر الملك الزواج مرة آخرى متهما زوجته بالخيانة حيث قدم راسها الى المقصلة، بعد ان انجبت له ابنته اليزابيث التي ستشهد بريطانيا معها العصر الذهبي.. ينتهي الجزء الاول بغضب الملك على كروميل.

قالت هيلاري مانتل، إنها قضت خمس سنوات فى البحث والكتابة من أجل هذه الرواية، فى محاولة للمزج بين الخيال والتاريخ.

فى مقابلة مع الغارديان، صرحت مانتل بأنها أرادت وضع القارئ فى “الزمان والمكان” الذى عاشت فيه الشخصيات.

في الجزء الثاني “ارفع الجثث” تتابع سيرة كروميل ومحاولاته ارضاء الملك الغاضب من زوجته الجديدة آن بولين التي لم تنجب له ذكرا، وسنجد الرواية تركز على مصير الزوجة، آن بولين، التي أعدمها الملك هنري الثامن بتهمة الخيانة.

في الجزء الثالث تتناول مانتل ما جرى بالمملكة بعد اعدام آن بولين عام 1536، ولان كرومويل بصفته نائب رئيس الكنيسة في إنكلترا وكبير الوزراء، فقد توجب عليه إجراء الترتيبات اللازمة لتعيين ملكة جديدة والحفاظ على النفوذ الانكليزي في أوروبا ، لكن في النهاية سنجد كرومويل يقبع في السجن يردد مع نفسه: “هذا ما تفعله الحياة بك في النهاية، إنها ترتب لمعركة لا يمكنك الفوز فيها”.

اثارت هيلاري مانتل ضجة حين نشرت قصة بعنوان ” اغتيال مارغريت تاتشر “رئيسة الوزراء في ذلك الوقت وقد شاهدتها ذات يوم من نافذة منزلها وهي محاطة بمرافقيها وحراسها. تقول في لقاء في حوار معها: “فكرت في تلك اللحظة لو أنني لم أكن أنا، لو كنت شخصا آخر لقتلتها”. وتضيف ان هذا الشعور يتملك كل انسان يرى طغاته امام عينيه، تقول انها تكره تاتشر بسبب سياستها التي زادت الفقراء فقرا، وموقفها من القضية الايرلندية، وتصفها بانها امرأة مزيفة. لأنها خانت جنسها كامرأة، وتقمصت طباع رجل فظ ، وارادت ان تمسخ صورة النساء.

قبل حصولها على جائزتي البوكر، نشرت هيلاري مانتل ثماني روايات ومجموعة قصصية وكتاب سيرة ذاتية، حيث صدرت روايتها الأولى “كل يوم هو عيد الأم” عام 1985، وحصلت عام 1990 على جائزة الجمعية الملكية للأدب، عام 2003 تفوز بجائزة منظمة مايند الخيرية للصحة العقلية عن كتاب “تسليم الشبح” الذي يروي أجزاء من سيرتها الذاتية.

بدأت رحلتها مع كتابة الرواية التاريخية عام 1975 حيث كتبت رواية عن الثورة الفرنسية حيث تتفرغ سنوات لقراءة كل ما يتعلق بتاريخ الثورة الفرنسية، ولانها كانت تفكر في دراسة التاريخ عندما كانت طالبة جامعية، فقد بدأت في استعارة كتب عن تاريخ بلدان اوربا من المكتبة العامة، ومع القراءة المستمرة للتاريخ، بدأت تدون العديد من الملاحظات، وبعد أن قامت بذلك لفترة طويلة، سألت نفسها: ماذا أفعل؟
بعد أن أنهت هيلاري روايتها الاولى عام 1979، ، اكتشفت أن لا أحد مهتم بقراءة رواية تاريخية، وفي ذلك الوقت العصيب، بدا لها أن حياتها تنهار، فزواجها يعاني من مشاكل حادة، وحالتها الصحية متدهورة جدا، وفي ظل كل تلك الظروف؛ اتخذت قرارا، أنها تريد أن تصبح روائية وأنها لن تفعل شيئا آخر في حياتها، ولذلك جربت كتابة شيء مختلف تمامًا عن الرواية التاريخية، وأنها لن تكتب رواية ضخمة، بل ستكتب رواية معاصرة في 200 صفحة، ولتكن عن انكلترا ، تقول انها تعاني من حلم يعاودها باستمرار وتدور أحداثه داخل مكتبة، حيث تعثر على كتاب فيه حفنة من معلومات تاريخية كانت تبحث عنها، ولكن عندما تحاول قراءتها، تتلاشى الكلمات أمام عينيها. تصف ذلك الحلم قائلة: “عندما أستيقظ، أشعر بإيقاع العبارات يرن في ذهني، ولكنني أجهل تماماً ما تعنيه تلك العبارة”.
تحولت هيلاري مانتل إلى شخصية مشهورة بفضل روايتها عن توماس كرومويل. ولقد حققت الروايتان الأوليتان مبيعات بلغت 6 ملايين نسخة مع ترجمتهما إلى أكثر من 30 لغة، وتحولت الى مسرحيتين نالتا العديد من الجوائز، وفي عام 2015، منحتها الملكة اليزابيث “السيدة الفارسة الحائزة على وسام الإمبراطورية البريطانية”، مما دفع وسائل الإعلام إلى القول ان الملكة ارادت ان تقدم تحية للمراة التي كشفت مؤامرات القصر الملكي والاعيب توماس كرومويل التي انتهت بقطع راسه.
تقول مانتل انها كانت تتمنى لو عاشت في عصر كرومويل: “لأنني كنت أستمع طيلة سنوات حياتي الى صوته”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.