أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

تأملات الروائي عويضة عن واقع الحياة


بقلم/ خلوصي عويضة

على هامش هموم الحياة والقراءة والكتابة؛ أظن أن لا حاجة بنا للسؤال إن كان طير المعرفة المذبوح في يومنا؛ يغني ويغرد أم ينوح….. “مدخل” قد يرى أيما مبتلى بداء شغف المطالعة؛ صفحات الكتب مرايا تعكس صورة حياته، يصح هذا وينطبق على من اعتقد موقنا أن البقاء حيا على قيد ترياق القراءة؛ أنجع علاج لتقليل وطأة الشعور بالفراغ، إضافة للهدف الأجلّ المتمثل بتكثير ووفرة محصوله من زاد المعرفة، وللمفارقة؛ ثمة ثمن ما من مهرب من دفعه؛ فكلما أوغلت في دروب المعرفة حُرمت الراحة الذهنية، وقلما انفك عنك احساس كآبة غامض الهوية مجهول النسب والسبب، لكنه يحضرك بقوة ممّا يفاقم غربة النفس، فخلصتُ مما سبق الى نتيجة مفادها مغاير لما ظننته قبل الفطام؛ إذ تصورت أن خطى الأعمى يقينا قلقة؛ اليوم أدرك أن خطى المبصر أكثر قلقا.

محيرة ظاهرة تكدس الكتب وانكفاء القراء، في ظل مشهد حياة يتأرجح بين مشوّه ومشوش؛ يشهد تدافع الأثرياء بشهية جراد على الرغبات والشهوات والرفاهية التي تشبه حديث خرافة،لكلّ قطر أباطرته؛ حفنة نفر جلّ رأس مال البلد يجري بين أيديهم، معابدهم البنوك الربوية وكهانهم الصيارفة، بينما الفقراء والبسطاء يعيشون سباقا محموما للظفر بأساسيات يومهم من مأكل ومشرب وانكباب أحدهم على قصعة هنا ولعاع هناك حتى غدت “إلا القليل” مظاهر العزة والأنفة والعفة والكرامة خبر كان، بالأمس كانت خبز يومنا فأدبنا العزم وربانا فواأمساه، أليس طبيعيا أن يفرز هذا الطقس الموبوء انحطاطا في قيمة المعرفة لذاتها؟

لاحظت مؤخرا؛ أن الجو “الثقافي” بات مهيئا ملائما لتدشين فرع جديد تحت مسمى ” أدب الجنون”، قياسا على أدب السجون وأدب المنفى والمهجر، وهلم جرا من تصنيفات لا أدري من أين أتى بها النقاد؛ إن لم يكن من حضور طاغ لموضوع معين يجيز وسم العمل بهذه الصفة أو تلك، حسنا؛ فماذا يفعل القارئ حين يجد نفسه عاجزا عن فهم مراد الكاتب؟، فلا فكرة محددة؛ ولا ترابط وانسجام في السياق العام، ولا حبكة أو تشويق، وثمة فقرات تغطي صفحات؛ محتواها غير ذي صلة بالمطلق؛ فكأنما أقحمت اقحاما إما لحاجة ملء الفراغ ببسط رقعة السرد؛ أو أقتبست من مكان ما وتمّ حشوها نظرا لنسق بلاغتها، هل مطلوب من القارئ أن يركض لاهثا مقطوع الأنفاس كي يحاول ادراك حد أدنى من المعنى؟، فكيف أو من أين سيتأتى التأثر ثمرة الفهم؛ ومن ثم الشعور؟،

يحدث هذا “كتقليد أعمى” تحت دعوى الانتساب لمدرسة ما بعد الحداثة وتيار الوعي!، كأن الأمور تسمى بعكس معناها؛ألا يحتاج الوعي إلى موضوع مترابط عميق صادم ليصحو من نومه؟، في المقابل؛ ربّ قارئ أو ناقد متحذلق لا همّ له غير تصيد عثرة مهما صغرت؛” نحوية، معلوماتية، إملائية” لينبري فيتهم الكاتب تحت وطأة شعور غيرة أو موقف سلبي مسبق؛ بالتقصير، أو يصدر عليه حكما بالاخفاق،” أحدهم وهو ممن يهابه كتاب غزّة قال لي صراحة أنه يطرب فرحا حين يكتشف أيما خطأ في العمل، فصفعته بذات صراحته… إن لك روحا سلبية هدامة متشفية، فأبى ونفى وظل مصرا أن اكتشاف الخطأ متعة بحد ذاته !!”،فتضعضع بنيان صداقتنا القديمة، خلخل أساسها موقف جديد،

متى يعي هو وغيره كم تحف الصعاب وتحيط التحديات النجاح بانجاز عملا جميلا جادا، بل هو أشبه بالولوج طوعا إلى حقل ألغام، نعم ربما يتعجل بعضنا الخروج سالما فيجانب العمل التمام، لكن النقص صفة البشر؛ ثم إن طبيعة المنتج الروائي تحديدا حمال أوجه وقابل لتعدد القراءات فطبيعي أن تتباين الرؤى بشأنه، بل أنت لا تعدم قارئا انتظر أن يحظى من الكتاب وكاتبه بدلال ودلع ومتعة تدغدغ غرائزه أو عواطفه؛ فان خاب ظنه عبر عن سخطه .
تبقى الاشارة الى أولئك القراء الذين هم بحق درة في جبين الثقافة، لا غاية لهم؛ لهن؛ غير الظفر بمحتوى جيد يغوص عميقا في بحر المعرفة وعوالم اللاشعور، فيثمر حافزا للتأمل وإعادة قراءة مجمل أحوال الحياة، هؤلاء القامات هن وهم وقود دفع الكاتب المجد لينتج أدبا تقدره الأجيال القادمة.

أختم بنقد لبعض مشاهير وكبار كتاب الفكر والسياسة والتراجم أو السير الذاتية؛ لا أدري لم يواكبني الشعور وأنا أطالع كتابا لأحدهم؛ أن ثمة تعال مستتر بين السطور؛ لكن رائحته حادة ومؤذية، أيظن أن القارئ وعاء فارغا يملؤه ما يقرأ؛ كأنه مانح والمتلقي ممنوح، أمر يثير الرثاء والغثاء، أما آن أن يدرك عموم معشر الكتاب عبث هكذا تصور وأن ربّ قارئ أوعى وأكثر ثقافة وحكمة من الكاتب؛ وإن لم يُقدر له أو لها؛ أن يزاول فعل الكتابة؟

ذكرت في قراءات وخواطر سابقة أنني مفتون بأمرين، الخيال المحتال وأجنحة الطيور، واليوم أوسع الدائرة فأضيف أنني مسكون بأمرين آخرين، الذاكرة والسؤال، بسؤال عادة أبدأ عتبة ما أكتب وبه أختم، ترى… لو كان حكم الصدق في المواقف والمبادئ والنصائح والأحاسيس والمشاعر كالصلاة سواء بسواء، كيف كان يكون حالنا؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
خلوصي عويضة
الكاتب الروائي خلوصي عويضة من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.