عروض كتب مختارات مقالات

كتاب قلق السعي إلى المكانة

عرض كتاب:
قلق السعي إلى المكانة – الشعور بالرضا أو المهانة

لـ آلان بو بوتون Alain de Botton
ترجمة: محمد عبد النبي (دار التنوير)

بقلم/ نجوى الجزائري

القلقُ المحمومْ والهوسُ بما يقولهُ الناسُ عنا وفي أي خانةٍ يُصنفوننا، قلقُ المركز الإجتماعي، البرستيج ، نظرةُ الناس إلينا هي أفكارٌ وهواجسٌ تطاردناَ بل حتى تُمرض البعض لا أجد لها حلاً إلا فيما قاله آرثر شُوبنهاور (سوفَ نغدوُ بالتدريجِ لا مبالينَ اتجاهَ ما يجري في عقولِ الآخرينَ عندماَ نَكتسبُ معرفةً كافيةً بضحالةِ أفكارهم وتَفاهتها وتعصبِ رُؤاهم وحقارةِ عواطفهم وضَلالِ آرائهم وتعدد أخطائهم … ولسوف نرىَ عندئذٍ أن كلّ من يضفي قيمةً كبيرةً على آراءِ الآخرينَ يوليهم شرفاً أكثرَ مماَ يستحقونَ) فمتى وصلنا لدرجة اللامبالاة بآراء الآخرين هناك فقط يزول ذلك القلق…

ألن دي بوتون (بالفرنسية: Alain de Botton)‏، كاتب وفيلسوف بريطاني، وُلد في 20 ديسمبر 1969 في سويسرا لأبوين بريطانيين، تُناقش مؤلفاته مختلف القضايا المعاصرة، مؤكدةً على أهمية الفلسفة في حياتنا اليومية. نشرَ بوتون عددًا من المؤلفات، منها مقالاتٌ في الحب (1993)، والذي بيعت منه مليوني نسخة حينئذ، وأيضًا كيف لبروست أن يغير حياتك (1997)، وقلق السعي إلى المكانة (2004).

يعالجُ كتاب قلقُ السعي إلى المكانة (الشعورُ بالرضاَ أو المهانَة) لآلان دو بوتون هوسَ الإنسان و سعيهُ ليحضى بمكانة في درجاتِ السلم الإجتماعي فلا الثروة و لا المنصب غاية الإنسان بقدر تلك النظرة و المكانة التي تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا لكن الأهم من ذلك شعورنا نحن بالرضا أو بالمهانة إتجاهَ أنفسنا.

جاءت مقدمة الكتاب في شكل تعريفات موجزة عن ما يقصد دوبوتون عن المكانة: فهي حسب تعريفه: موقع المرء في المجتمع، والكلمة مشتقة من الأصل اللاتيني statum أو الوقوف (مصدر من الفعل stare يقف) وهنا يقصد ويبحث دوبوتون عن قيمة المرءِ وأهميته في أعينِ الناس، أما مصطلح قلق المكانة: قهو كما يقول الكاتب قلق من أننا نشغلُ في الوقت الراهن درجةً بالغة من التواضع وقلق من أننا ننزلُ إلى درجةٍ أدنى عما قريب (إذن نحن بين نارين إن صح التعبير ) وتحقيق المكانة مهمة صعبة و الاحتفاظ بها على مدارِ عمرٍ كامل أشدُ صعوبةً من تحقيقها، ومن الإخفاق في تحصيل المكانة والاحتفاظ بها تتدفق المهانة (و هي وَعيٌ حارق بعَجزنا عن إقناعِ العالم بقيمَتنا ومن ثمّ الحكمُ علينا بالنظر إلى الناجحينَ بمرارة وإلى أنفسناَ في خِزي).
فيما جاء كتاب آلان دو بوتون في جزئين، تناول الجزء الأول الأسباب أو العوامل التي تتحكم بمكانة الفرد في مجتمعه، أولها حسب دوبوتون هي افتقاد الحب والغطرسة ثم التطلع للمكانة و الكفاءة.
فيما تناول الجزء الثاني من الكتاب الحلول للخروج من حالة القلق وسعينا لنيل المكانة والتخفيف من شعور الإهانة أيضاً حيث تمثلت حلوله في: الفلسفة والفن، السياسة والدين وآخرها البوهيمية.

بالون الحب:
معنى إبداء الحُب لنا أن نشعرَ أننا محطَ انشغال وعناية وحضُورنا ملاحظ، اسمُنا مسجلٌ، آراؤُنا ينصتُ إليها وعيوبنا تقابلُ بالتساهلٌ وحاجاتنا ملباةٌ، وفي ظِل تلكَ الرعاية ننتعشُ ونزدهر، يمكنُ أن نتصورَ “الأنا” أو فكرتنا عن أنفسنا مثلَ بالونٍ يسربُ الهواء فهو دائماً وأبداً بحاجَة لضخ هيليوم المحبةِ الخارجية ليبقى منتفخا وهو دائمًا فريسة سهلة لأصغرِ ثقوبِ الإهمال، إنه حدٌ منطقي وعبثيٌ في آنٍ ذلك الذي قد يصل إليه ارتفاعُ معنوياتنا أو انخفاضها بناءً على اهتمامِ الآخرين بنا أو اهمالهم لناَ.

نار الحسد:
(لا يتولدُ الحسدُ عن التباينِ الشديد بيننَا وبين الآخرينَ بل على العكس الحسد وليدُ التقارب) يقول دافيد هيوم ويوافقه دوبوتون حيث يرى أنه إذا كنّا مضطرينَ للعيشِ في كوخٍ صغير غير صحي وتتلاعبُ به الرياحُ الباردة راكعين أمام الحكمِ الغاشم لأرستقراطي يشغل قلعةً كبيرة جيدة التدفئة ونرى رغم ذلك أن أشباهنا و أندادنا يعيشون جميعًا كما نعيش تماما فإن حالنا عندئذٍ سيبدو عاديا كما أنه ليس تربة خصبة لنمو الحسد لأننا نحسد فقط أولئك الذين نشعر بأننا أشباه لهم أي أعضاء مجموعتنا المرجعية وقد نتسامح مع كل نجاح يحققه الآخرون إلا نجاحات أندادنا المزعومين فهي لا تطاق.

طموح كبير خوف أكبر:
يقول وليام جيمس (من دونِ محاولةٍ لن يكونَ هناك إخفاق ومن دونِ إخفاق لن تكونَ هناكَ مهانة) وبهذا يعتمد تقديرنا لذاتنا في هذا العالم اعتماداً تاماً على ما نؤمنُ بأننا نستطيع أن نكونهُ ونحققهُ، وبالتالي كل ارتفاع في مستوى التطلعات يُستتبع بارتفاع في مقدار مخاطر الشعور بالمهانة وبالتالي أيضاً توصل جيمس إلى مقاربة ثانية (أن التخليِ عن الطموحاتِ الكبيرةِ لهو نعمةٌ جالبة للارتياح بمثل قدرِ تحقيقها تمامًا) وربما هنا لا يوافق دوبوتون جيمس إذ يرى أنه ليس من المعروفِ عن مجتمعاتِ الغربِ تشجيعها على التخلي عن الطموحاتِ الكبيرة وهوَ ليس في صالح تقدير الذات بكل أسف.

روسو يغرد خارج السرب !!
يأتي جون جاك روسو بفرضية يقول عنها دوبوتون أنه يغردُ خارج السرب ومع ذلك قادر على الإقناع بدرجة مثيرة للقلق حيث تقول فرضية روسو (أليسَ من المحتملِ أن يكون الإنسانُ الذي يعيشُ على الصيد وجمعِ الثمارِ وليسَ العاملُ الحديث كما صار يؤمن الجميع هو من ينعم بعيش أفضلْ ؟!!! يفترض روسو من خلال ذلك أن الثراءَ الفعلي لا يتطلب امتلاك أشياء كثيرة بل يتطلبُ بدلاً من ذلك امتلاكَ ما يصبو إليه المرء وأن الثروة ليست شيئاً مطلقا بل تتناسب مع الرغبة، ففي كل مرةً نصبوُ فيها إلى شيء و لا نستطيع نيله نزداد فقراً مهما زادتْ مواردنا وبالمقابل في كل مرةٍ نشعرُ فيها بالإشباع والرضا بما بينَ يدينا يمكننا أن نعد من الأثرياءِ مهما قلّ ما قد نملكه فعلياً.

ثلاث قصصٍ:
كثيرةٌ هي القصصُ التي تَسود عصر ما وتستحكم بالتالي على عقول الشعوب، وقد تتغير وتتبدل بتعاقب العصور والأزمان، ثلاثُ قصص نقلها لنا دوبوتون لخص فيها قيم النجاح، الفشل والمكانة، الأولى: الفقراءُ غير مسؤولون عن ظُروفهم وهم الأشدُ نفعاً في المجتمع: سادت هذه القصة في العصور الوسطى، فهكذا شاء الله أن يقسمَ المجمتع: أثرياء – فقراء، فلاحين- نبلاء، وبذلك تتشكل طبقاتُ ثلاث للمجتمع طبقة رجال الدين والنبلاء وطبقة الفلاحين، هذه الأخيرة هي أهمُ طبقة لأن بقية المجمتع لا تستطيعُ مواصلةَ العيشِ بدون الغذاء الذي توفره هذه الطبقة، فيما جاءت القصة الثانية بعوان: ليسَ للمكانةِ الدنيا دلالة أخلاقية، وتجسد ذلك في مثال يسوع أسمى البشر وأكثرهم قداسة ومع ذلك فقد كان رجلا فقيرا يعمل نجاراً، القصة الثالثة: الأغنياء آثمون وفاسدون وقد اكتسبوا ثرواتهم بسرقة الفقراء، تطورت هذه القصة عبر العصور إلى أن وصلت إلى القرن الثامن عشر حيثُ تبناها “كارل ماركس” في كتابه (رأسُ المال) حيث قال (إن الراسمالية رغم كل شُحها تُسرفُ وتهدر بكل طيش المادة البشرية) وبهذا حث مارس هذه المادة (الطبقة العاملة) للنهوض والثورة وجاء البيان الشيوعي يا عمال العالم اتحدوا !! قدمت القصصُ الثلاث عزاءً وسلواناً لمن يشغلون المكانة الدنيا على نحو ألفي عام وحازت على مصداقيةٍ واسعة ووجهت الأفراد الأكثر فقراً نحوَ أفكار داعمة: انهم صناع الثورة الحقيقيونَ في المجمتع وبالتالي يستحقونَ الاحترامَ و المكانة.
تقابلُ هذه القصص عن الفشلِ (حسب دوبوتون) قصصْ أخرى مقلقة !! عن النجاح الأولى: الأغنياءُ هم المفيودونُ وليس الفقراء لأنهم يملكون المال والأفكار وهم يقومون بمساعدة الفقراء بمنحهم مأوى ومأكل، القصة الثانية بعنوان: نعم للمكانة دلالات أخلاقية وثالث قصة: الفقراء آثمونَ وفاسدونَ وغباؤهم سبب فقرهم، وبالتالي هم يشكلون عبئاً على المجتمع.

جزاء عادل:
في ظلِ نظامٍ عادلٍ يعتمدُ على الكفاءة في توزيع الثورة وفي القرنِ التاسعِ عشر تحديداً ذهبت الطوائفُ البروتستانية الأمريكية في تبشريها إلى أن الله دعا أتباعهُ لعيش حياةٍ من العمل والإنجاز دنيوياً وروحياً على السواء، وبالتالي ظهر افتراض يقول بأنَ حيازةَ الثورة في هذا العام دليلٌ على أن المرءَ استحقَ مكاناً طيباً في العالم الآخر !! من هذا المنظور برزت مشكلة أو جانب مظلم كما يقول دوبوتون، فإذا كان الناجحونَ يستحقونَ نجاحهم عن جدارة فهل الفاشلونَ يستحقونَ فشلهم عن جدارة أيضًا؟ إذن الفقر والمكانة ليست شيئاً مؤسفاً وحسب بل هو جزاء عادل!!

القلق التابعُ المخلصُ للطموح:
هناكَ عواملٌ عصية على التوقع يتوقفُ عليها كسبناَ للرزق والاحترام، وهي ذاتها تقدمُ لنا مبررات وجيهة لكي لا نطمئن بالمرة إلى بلوغناَ المنصبَ المنشود أو الاحتفاظَ به داخلَ تراتبية المناصب، من بين هذه العوامل الموهبة المتقلبة التي قد تظهرُ وتختفي إن لم نعتن بها، أيضاً الحظ يلعبُ دوراً ولو بصفة عارضة في كَسبنا للفرص، عامل آخر يتمثل في العمل بحد ذاته كطبيعة العمل، صاحب العمل والاحتراسُ من الزملاء وما يجبرنا على ضرورة المبالغة والكذب أحياناً (في أغلبِ الأحوالِ لا يكافئ العالم أصحابَ الكفاءة بل يكافئ من يبدون أماراتِ الكفاءة في الظاهر وحسب).

صندوق العقل:
أضافت الفلسفة عنصرا وسيطا جديدا إلى العلاقة بين الرأي الخارجي و الرأي الداخلي، شبهه آلان …. بصندوق ستودع فيه اولا جميع وجهات النظر العامة حول شخص ما سواء كانت إيجابية أم سلبية من اجل أن تخضع للتقييم ومن ثم إما أن ترسل إلى الذات بعد اكتسابها قوة إضافية (إن كانت صحيحة) وإلا (إن كانت خاطئة ) تلفظ دونما أذى إلى الغلاف الجوي وحيث تتبعثر وتتبدد مشيعة بضحكة أو هزة منكبين وغالبا ما اتخذ الفلاسفة هذا الصندوق اسم العقل ….

مهمة التراجيديا:
إننا نشعرُ بالاطمئنانِ كأن جُدرانا من الحديد الصلب تفصلنا عن أولئك الأشخاص الذين ارتكبوا زلات أو اقترفوا جرائمَ بشعة أو أخطاوا ببساطة في حياتهم ونقول متعجبين: كيفَ يمكنُ لشخصٍ عاقلٍ وطبيعي أن يرتكبَ مثل تلك الأفعال؟ هنا تظهر مهمة التراجيديا إذ ترغمنا على مواجهةِ حقيقة لا تكاد تُحتمل مفادها: أن كلّ فعل أحمق أو قِصر نظر وقع فيه أي إنسان في التاريخ يمكنُ تتبعِ جذوره وصولاً إلى بعض جوانب طبيعتنا الإنسانيةِ المشتركة لأننا نحملُ ذاتَ الوضع الإنساني كاملاً بصوابه وخطإه، و لسنا بمنأى عن أي فعل من تلك الأفعال، فما أن تستعمل التراجيديا كفن إنصاف ذوي الأخطاء حتى نخرجَ من تلك المسرحية أو ذاك الفلم ونحن نذرفُ دموعَ الحزنِ والشفقة على مرتكبِ الخطأ الذي تخيلناهُ فضيعاً جداً وغير وارد أو مقبول بالنسبة لنا من قبل.

احساسنا بالهوية أسيرٌ في قبضة أحكامِ من نعيش بينهم!!
يكشفُ لنا الموتُ مقدارَ هشاشةِ الاهتمام الذي نحصلُ عليه بفضل المكانة الدنيوية، المنصب والثروة، ويسقط أيضاً أسبابَ المحبة الدنيوية ونصبحُ عرضة لأن تَنتابنا نقمة شديدة على من أحبونا بسبب مكانتنا كما يَنتابنا غضبٌ من أنفسناَ بنفسِ الدرجةِ إن وقعنا في فخِ الغرورِ وفي حبال العجب واشتركنا معهم في الخداع من البداية، ولعلَ أفضلَ السبلِ لنتجاوز إحساس انعدام الأهمية يقولُ دوبوتون: ليسَ بجعل أنفسناَ أكثرَ أهمية ولكن بإدراكِ أن كل إنسانٍ على وجهِ الأرض يفتقرُ إلى تلك الأهمية بدرجة أو بأخرى وربما يتبددُ بالتالي قلقنا مثلاً إزاءَ من هو أطولُ قامة منا ببضعة ميليمترات ليفسحَ المجالَ تجاه أشياء أضخمَ من أي إنسانٍ بملايين المرات أي تلكَ القوة التي نسميها اللانهائي أو الأبدية أو قد نسميها …الله على نحو أبسطٍ و ربما أنفعَ و أجدى … كما يدعونا دوبوتون للتأملِ في المناظر الطبيعة وإبداعِ صنع الخالق وشساعةِ الكونِ بالنظر لهذا الكائن الضعيف: الإنسانْ !!!!

ما يميزُ كتاب دوبوتون أنه استطاع أن يبرهنَ على فكرته بأشياءَ لا تخطر على بال، يتلاعب بالمعلومات بسحر رائع … كيف يمكن للرواية أن تكونَ محكمة وكيف لرسمٍ كاريكاتوري أن يطيحَ بمكانةِ ملك وكيف لفتى الأدغال أن يكونَ أثرى الأثرياء !!! بشكل رائعٍ، ممتعٍ وتسلسلٍ جميل للأفكار استطاع آلان دوبوتون أن يجلبَ إنتباهَ القارئ و بشدهُ بطريقةٍ ذكية وبإنسياب في عرض الأفكار وتدرجهاَ من العصر اليوناني (حِكم أرسطو و كتبِ طاليس) مروراً بالعصورِ الوسطى وفنونها وصولاً إلى العصر الحديث ونظرياته المعقدة وفلسفته اللذيذة الغريبة، في بحثٍ فلسفي، تاريخي و إجتماعي أيضاً جمعَ دوبوتون مادته الخام ليشكلها كما شاء لتخدمَ فكرته ليوصلَ المعنى للقارئ مشوقاً وغنياً بنظريات، كتبْ، أقوال وحتى رسومات لفلاسفة، أدباء ، شعراء ورواة في تنويعٍ فكري غني ورائع، شيء آخر يدعو للإشادة هي ترجمة محمد عبد النبي فقد كانت جيدة جدا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.