فكر مختارات مقالات

ميشيل أونفري .. كورونا وانهيار الحضارة الغربية

بقلم/ علي حسين

أدرجته الصحافة ضمن خانة الفلاسفة المشاغبين، لكن ميشيل أونفري صاحب المئة كتاب خلال ثلاثين عاما، يُشبه نفسه بالفيلسوف الاغريقي “ديوجين الكلبي”، يصر على ان يحمل بيده فانوسا في وضح النهار .. قال ان تفشي كورونا بهذه السرعة ينذر بانهيار أيديولوجية أوروبا التي قامت على نظرية الربح فقط، ويضيف أن اوربا اصبحت اليوم اشبه بـ”عالم ثالث جديد”، وكان أونفري قد حذر من كارثة في كتابه “مرآة العدمية” الصادر عام 2017، والذي اعتبر فيه أن الحضارة الغربية في انهيار متواصل، وتعيش حالة من الهرم، وهو يستذكر ما قاله نيتشه ذات يوم من أن المجتمع الاوربي اصبح مجتمعا مريضا ومتفسخا: “هناك تآكل في كل شيء”، ويضيف أونفري أن الانسان المعاصر ارتضى لنفسه أن يستسلم لحياة ضائعة.
أونفري الذي يوصف بانه “متشائم نيتشوي” يرى أننا يجب ان نترك العالم يتفسخ، لكي يفسح الطريق لشيء جديد تماما، ولنظام ثقافي جديد، يقول في حوار مع صحيفة “ليبراسيون” أن فايروس كورونا اظهر للعالم أن اوروبا التي كانت قوة اقتصادية عالمية، اصبحت في طريقها لأن تلتحق بسرب الامبراطوريات الكبرى التي سقطت بفعل عجزها عن مواجهة التغيرات الكبرى في العالم، ويذهب أونفري إلى ان الجميع كان يعتقد ان الازمة القادمة ستكون اقتصادية مثلها مثل ازمة عام 2008، لكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد أن العالم ينهار بسبب فايروس غير مرئي.
يقول أونفري وهو يجيب على اسئلة محرر مجلة “لوبون” الذي حاوره عبر النت من منزله في الريف الفرنسي حيث اختار العزلة والتي سماها عزلة ابداعية قائلا: “أن فايروس كورونا مرتبط باقتصاد العولمة” منتقدا الاقتصاد الليبرالي الذي جعل غايته الربح فقط، مضيفا انه لا يمكن إنكار حقيقة أن هذا الفيروس استطاع ان يعري الخيارات الاقتصادية التي قامت عليها اوروبا، ويشير أونفري ساخرا انه حين يستمع إلى خطب ترامب عن الوباء يتذكر مقولة شيشرون: “كم كان من الافضل ان تعترف بجهلك بدلا من ان تمرضنا بكل هذا الهراء”.
كان أونفري قد اصدر في بداية عام 2020 كتابه “عظمة شعب صغير”، الذي سلط الضوء فيه على حركة السترات الصفراء، حيث يصفهم بـ “الشعب العظيم” الذي سيتمكن من قلب الموازين لصالحه ويصنع “عظمة الشعب”.
في الحجر المنزلي، يوصي أونفري بقراءة كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتاني الذي اشتهر بكتابة “المقالات”، وقد كان مونتاني يعالج أمراضه من خلال الأدب، ويستشهد أونفراي بعبارة مونتاني: “اذا فشلت في الامساك بالحياة، سوف تتملص منك على اية حال. فلا بد أن تتبعها”، ويلاحظ أن الفلسفة يمكنها ان تقدم لنا نصائح لمحاربة الخوف والقلق والامراض، لكنه يرى أن الفلسفة لا يمكن ان تحقق التاثير المطلوب من دون الاستفادة من العلوم الانسانية الأخرى، مثل علم الاجتماع والتحليل النفسي وعلم الاقتصاد: “الفيلسوف يفكر وفق الأدوات المعرفية المتوفرة لديه، وإلا فإنه سيفكر خارج الواقع”.
يستند الفيلسوف الفرنسي المشاغب إلى تراث الفلسفة الرواقية التي اكدت على معنى العظمة الانسانية، وكيف نتعلم ان نفهمها، وكيف نحفز رغباتنا تجاهها .. آمن الرواقيون بان ضمان سعادة الانسان تكمن في تعلمه كيف يكون مستقلا: “الشرط الوحيد لسعادة الانسان هو في ان يقود حياة فاضلة تقوم على المعرفة”.
وعن سؤاله حول تاثير الحجر المنزلي على حياته يقول أونفري انه طالما تجاهل موضوع الشعور بالملل، فهو دائما في صحبة آخرين واشار الى مكتبته: “الكتب شكلت بالنسبة لي وسيلة للخروج من جميع المآزق التي واجهتها”. لكنه يدرك ان الحجر المنزلي اشبه بالقفص الذي يجعل الانسان يدور في حلقات، في حين انه بحاجة الى فسحة من الحرية”
في الحجر، لا مجال لأخذ استراحة، ليس ثمة متنفّس، يتواجد الأشخاص معاً على مدار الساعة، أسبوعاً بعد آخر. يملك الأثرياء شققاً كبيرة في الأحياء الجميلة، ويمكنهم أيضاً مغادرتها والتوجّه إلى منازل ريفية في الغابات والجزر”، ويقر اونفري ان الحجر المنزلي الذي تسبب به فايروس كورونا، خضع لقانون الصراع الطبقي، فهو محنة شديدة القسوة على الفقراء، لكنه استراحة ومتعة وربما اموال للاغنياء.
كان أونفري قد كتب قبل اشهر من ظهور فايروس كورونا أن المجتمعات الاوربية تعيش عالما اشبه برواية جورج اورويل ” 1984″، وهو يجد ان ممارسات بعض الحكومات في اوربا ومعها امريكا في عهد ترامب تسمح بانشاء مجتمع اورويل، فهناك تدمير للحريات، وتحطيم للحقيقة، والغاء للتاريخ، وانكار للطبيعة ونشر للكراهية وسيعود الى هذا الموضوع اثناء ازمة كورونا ليكتب: “إن أيديولوجية أوروبا آخذة في الانهيار، وذلك نتيجة السياسة الليبرالية التي تبرر وضع كبار السن في ممرات المستشفيات وتركهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، كما أن الإلقاء بالفريق الطبي في ساحة الحرب، والعجز عن توفير أقنعة لهم أو حتى معقم كحولي، لا تنذر بالسقوط ولا تعجل به فقط، بل تظهر بشكل كامل الطرق التي يسلكها هذا السقوط”.
لا يحب ميشيل أونفري الحديث عن حياته التي يرى انها كادت أن تنسل منه اكثر من مرة، في الثامنة والعشرين من عمره اصيب بسكتة قلبية نجى منها باعجوبة، وبعد سنوات سيتعرض الى جلطة دماغية تقعده في السرير لعدة شهور، وتمنعه من الكتابة لأكثر من عام.
ولد ميشيل أونفري في الاول من كانون الثاني عام 1959 لعائلة ارجنتية، الأب يعمل في الزراعة، والام قضت حياتها في خدمة البيوت، وقد توفيا وهو صبي حيث ينتقل للعيش في دار للايتام، ويتذكر في تلك السنوات كيف سيطرت عليه رواية الغريب لالبير كامو، فقد ظل يردد ولسنوات الجملة التي جاءت في بداية الرواية على لسان ميرسو: “اليوم، ماتت أمي”، وسترافقه كتب كامو في مسيرته الفلسفية لينشر عام 2012 مجلدا ضخما بعنوان “النظام الفوضوي .. حياة البير كامو”، يحاول ان يعيد فيه الاعتبار لصاحب “الطاعون” أمام الهجمات التي تشن عليه بين فترة واخرى باعتباره مواليا للاستعمار، ومناهضا للافكار الاشتراكية، وفي الكتاب يتحدث اونفري عن كامو كأنما يتحدث عن نفسه، فالاثنان عاشا طفولة اتسمت بالفقر وباليتم، والاثنان عانا من المرض بوقت مبكر، كامو اصيب بالسل، واونفري ظلت الجلطات القلبية والدماغية تلاحقه، لكنهما كامو وأونفري، احبا الحياة وعشقا ملذاتها الصغيرة .. ومثل كامو لم ينس أونفري جذوره، قال انه صمم ان يقتلع نفسه من الفقر والحرمان .. يكتب إلى احد اصدقائه: “في كل مساء، اشعر بسعادة وانا التهم كتب كامو”.
وسيدله البير كامو على كتب نيتشه، والتي سيصفها بانها ثورة فكرية على درجة كبيرة من الاهمية. يتناول فلسفة نيتشه وافكاره في اربعة كتب ابرزها “كيف تصبح بريئا .. حياة فريدريك نيتشه “وفيه يصف نيتشه بانه كان يطمح إلى تشييد طائفة فلسفية، ومن اجل الفلسفة كان نيتشه يطمح الى الاستقلال في الحياة. كان يسعى إلى الزهد في المأكل، يطمح إلى حياة عزلة للعقول الحرة، يصبح فيها الخير الأعظم راحة ضمير، وغياب للمعاناة، والآلام، وهذه الفلسفة يصفها أونفري بانها أعلى مراتب السعادة.
قال ان غاية طموحه في الحياة، كان الحصول على عمل في محطة القطار، إلا ان الكتب التي كان يقرأها في مكتبة المدينة منذ ان كان في الثانية عشر من عمره غيرت حياته، فقرر ان يصبح روائيا بعد ان قضى اشهرا يحل الغاز رواية مارسيل بروست “البحث عن الزمن المفقود” ويتمتع بقوة روايات سيلين، لكنه اليوم ينظر الى رفوف الكتب التي تحتوي الروايات، ويعتبرها ذكرى جميلة من الماضي، قرأ ماركس وهو في الرابعة عشر من عمره، وسيتركه ليغرم بسيرة الفوضوي الفرنسي بيير برودون، يعترف ان حياته لا تمت بصلة الى الفوضوية، فهو يؤمن بالثورة التي يمكنها ان توفر مناخا يتساوى فيه الجميع دون ان يسيطر اصحاب الشركات الكبرى او رجال الأيديولوجيات على الاقتصاد، يناهض الحتمية الاجتماعية والعائلية والتاريخية، ويؤمن بقدرة الفرد على التحرر وتشكيل نفسه بنفسه.
عام 1986 ينهي دراسته الجامعية بعد ان قدم اطروحة بعنوان “الآثار الأخلاقية والسياسة للأفكار السلبية لشوبنهور”، بعدها يبدأ بالكتابة حيث تتوالى كتبه بشكل غزير، قرر الاستقالة من وظيفة مدرس فلسفة، لان تدريس الفلسفة في فرنسا قد تم تحريفه وأدلجته ولم يعد يؤدي الوظيفة المنوطة به أساسا، ألا وهي تنمية الروح النقدية وتقديم الفكر الفلسفي الحقيقي المغيب للطلبة بدل إلهاء عقولهم بفلسفة رسمية غبية ورجعية على حد قوله.
عام 2002 يؤسس كلية للفلسفة يطلق عليها اسم “جامعة كاين الشعبية” وقد وضع لها منهاجا خاصا، حيث يمكن لأي شخص مهما كان عمره أن يدرس فيها، من دون شروط كالشهادة، وفيها يقدم مع عدد من الاساتذة دروسا مجانية في الفلسفة.
في الجامعة سيلقي محاضرات بعنوان “التاريخ المضاد للفلسفة” والتي صدر منها اكثر من عشرة اجزاء تناول فيها تاريخ الفلسفة قبل سقراط وصولا الى العصر الحديث، وهو يشير الى انه كتب هذه الموسوعة للرد على الذين يريدون افساد الفلسفة. يعد من اكثر الفلاسفة رواجا في سوق النشر حيث تصل مبيعات بعض كتبه الى 250 الف نسخة، يبتكر طريقة حديثة لنشر الفلسفة، لا تؤمن بالمصطلحات المعقدة، وتمزج بين الادب والفكر وعلم الاجتماع.
في الاشهر الاخيرة يستعيد ميشيل اونفري فيلسوفه المفضل “نيتشه”، وسيلهمه صاحب “هكذا تكلم زرادشت” رؤيته عن مصير اوربا وامريكا بعد جائحة كورونا، ونيتشه الذي يستعيده اونفري هو نسخة مهذبة من فيلسوف إرادة القوة، اما النموذج الآخر فكان ازولد شبنجلر صاحب كتاب “تدهور الحضارة الغربية” الذي قال اونفري انه التهم كتابه وهو طالب في المدرسة الثانوية، ولهذا نجده وهو يناقش ازمة فيروس كورونا يؤكد ان اوروبا التي تحولت الى وحش اقتصادي، سيكون مصيرها مثل الامبراطوريات الكبرى التي سقطت عبر التاريخ، وكان اونفري قد اصدر كتاب بعنوان “الاندحار .. حياة وموت المسيحية – اليهودية” الذي يقول فيه إن الحضارة الغربية، مقبلة على الأفول، وفي واحد من فصول الكتاب يؤكد أن امريكا لن تستطيع أن تحافظ على ريادتها. ويسخر أونفري من نظرية فوكوياما التي تقول ان الاقتصاد أفق لايمكن تجاوزه، مؤكدا ان الاقتصاد عجز عن صناعة شيء في مواجهة فايروس كورونا فـ “الاقتصاد لا يصنع شيئاً، لأنه هو نفسه صنيعة”، ويرى أونفري ان مشكلة الغرب أنه غيب القيم الروحية، ليعبد “عجل الذهب الذي وهو الاقتصاد”.
يرد ميشيل اونفري على الذين ينتقدون نظريته في المتعة، حتى اطلقوا عليه لقب فيلسوف المتع الزائفة، مؤكدا انه يدعو للاستمتاع بأبسط الأشياء في الحياة كالسير بين الاشجار، اوالاستمتاع بالهواء النقي. فالفلسفة كما يراها انوفري هي فن عيش الحياة بطريقة افضل وتخليص الانسان من أوهامه المتراكمة منذ آلاف السنين. وهو يرى ان لا فائدة من الفلسفة ما لم تدعو الى التمرد على التعصب والجمود الفكري، يقول اونفري ان الحضارة الغربية التي قامت على تحرير العقل، فشلت في ايجاد تناغم
ما بين الإنسان والطبيعة، ويرى ان مقولة ديكارت “الإنسان مالك للطبيعية وسيدها”، ادت في النهاية ان يتعامل الانسان الغربي مع الطبيعة من خلال الربح الذي ادى الى استنزاف مواردها، والتاثير على التوازن الطبيعي، ولهذا وجدنا الحضارة الغربية تعمل على ان ترهن الطبيعة لمصالحها اقتصادية .. وهذا ما حصل في فضيحة فايروس كورونا.
ويتابع ساخرا من اوروبا التي يقدمها البعض على انها وحش كاسر قادر على الاطاحة باشرس الاعداء، فاذا بها مثل النعامة التي تضع راسها في الرمل، وتبدو عاجزة عن توفير كمامات بأعداد كافية من أجل حماية مواطنيها من الفيروس الفتاك. وهو يرى ان الصحة تحوّلت الى بيزنس حيث تفرض السوق قوانينهاعلى الجميع: “ونحن نلمس الآن فعلياً ما يحدث عندما تتحكم السوق بمسار الأمور في مجال الرعاية الصحية. لم تعد هناك مراعاة للصحة العامة والمصلحة العامة وخير الجميع. نظراً إلى النقص في المعدات. نحن في حالة حرب إنما لا أموال لشراء الأقنعة من أجل تزويد الطواقم الطبية بها! يا له من عار. عندما شُنَّت الحرب في العراق، وفي ليبيا، وعندما قرر ماكرون قصف سوريا لإظهار ولائه للولايات المتحدة، ما هو عدد المستشفيات التي حُرِمنا منها مفضّلين القنابل عليها؟”.
وردا على سؤال مراسل مجلة “لوبون”: هل الرأسمالية هي من تسبب في هذا الوباء؟ يجيب اونفري بأن الرأسمالية لم تكن ترغب في الأزمة لكنها تحاول تدبيرها من خلال وسائلها الخاصة، وهذه الوسائل حولت رئيس الولايات المتحدة هو دائماً في أيدي اللوبيات والكتلة العسكرية الصناعيّة وتجّار السلاح ووول ستريت. لا يوجد أيّ دليل على أن ترامب سيتخلّى عن هذه القوى الحقيقية. في النظام الرأسماليّ الليبراليّ، المال هو الذي يصنع القانون”.
يناقش ميشيل اونفري مصير اوروبا التي توهمت انها تحولت الى عملاق اقتصادي، فاذا بها وجها لوجه امام حقيقتها “نمر من ورق” أوروبا التي صوّروها لنا بأنها عملاق اقتصادي في المصاف نفسه مع الصين أو الولايات المتحدة، انكشفت على حقيقتها: نمر من ورق. “الاتحاد الاوروبي لم يعد له وجود، وقد نكون على موعد مع ازدهار النزعة الشعبوية”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.