فكر مختارات مقالات

الباحث مريض الغرب

الباحث مريض الغرب

بقلم/ د. كرايس الجيلالي

مفهوم مريض الغرب استعرته من داريوش شايغان من خلال كتابه اوهام الهوية، الصادر في ترجمته العربية سنة 1993، وشايغان نفسه نقل المفهوم عن مفكر فذ، لا نكاد نسمع به، هو  جلال الاحمد، حيث صدر له كتاب بعنوان مريض الغرب سنة 1962، لخص فيه حالة الحداثي المزيف، الذي رافق حركة التنوير في العالم الاسلامي، وبدل ان ينقل الينا لب الحضارة الغربية، نقل الينا هذ المريض قشور الحضارة الغربية، وكل اسباب تعاستها، حيث لخص الحداثة في محاربة كل ما هو محلي، والترويج لكل ما هو غربي بعقلية استهلاكية، حيث يقول الاحمد واصفا مريض الغرب بانه اوفى مستهلكي السلع الغربية، كما يقدم له وصفا ممتعا، تكاد وانت تقرئه، ترى كل متصنع للحداثة يمشي امامك، حيث يقول: مريض الغرب مقطوع من ماضيه ولا يملك اي صورة ذهنية عن المستقبل.

اليوم لا يهمني هذه الانسان بالضبط، بقدر ما يهمني احدى تجلياته اليوم، داخل الجامعة عندنا، وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث تأسست لدينا نسخة من مريض الغرب، وهي عبارة عن باحث لا يبحث، والسبب انه لا يعجبه لا المجتمع، ولا الظاهرة، ولا الدراسة، ولا كيفية دراستها، ولا اي شيء، فهو يريد مجتمعا غربيا لكي يدرسه، اما مجتمعه المحلي فلا يستحق الدراسة، ولذلك تجد هذه الباحث مريض الغرب، لا يفعل شيء ولا يقدم اي شيء للجامعة ولا للحياة العلمية، وهو ايضا ليس بعالم كبير، ولا يملك في كثير من الاحيان حتى شهادة الدكتوراه، فقط يملك مرضه بالغرب الذي لن يشفى منه.

الباحث مريض الغرب، ليس لديه مقال منشور، ولم يكتب بحثا ابدا، ولم يشارك في اي ملتقى ولا يوم دراسي، فمنذ تسجيله في الدراسات العليا، وهو  ناقم على كل ما يحدث، في الجامعة، فهو لا يقرأ ما كتبه العرب لانهم من وجهة نظره غير علمي، ولا يثق فيما ترجمه العرب، لان كل ترجمة خيانة، هو ايضا يقرا باللغات الاجنبية، وهنا اللغة الاجنبية تعني الفرنسية لا اكثر ولا اقل، فأحيانا يكون فذا فيها وحاذق يتقنها قراءة ونطقا وكتابة، واحيانا يقرا منها ولا يفهم، المهم انه لا يقرا ما يكتبه العرب ولا ما كتب بالعربية، والمشكلة عندما يعجز عن تحرير نصوص بالغة الفرنسية، فهنا يعتزل البحث العلمي، بحجة انه لا فائدة مما يحدث في جامعاتنا، فتراه يسخر من كل شيء، من المجلات، التي لم ينشر فيها مقالا، وينكت حول الملتقيات، التي لم يشارك في نصف يوم دراسي منها، فهو  خليط من الفردانية بلا شخصية، ومن شخصية بلا خصوية، بينه وبين البحث العلمي ما بين السماء والارض، فبسبب مرضه بالغرب، خسر الشرق والغرب والشمال والجنوب معا.

الباحث مريض الغرب، لا يشارك في الملتقيات، بحجة انها ليست علمية، ولا تعقد مثل ما تعقد في الغرب، لكنه يسمح لنفسه بالحضور، فتجده اما جالسا في اول القاعة او في اخرها، راسما على وجهها ابتسامة بائسة، ومستهزئة بكل ما يحدث، لا يتفاعل مع الحضور ولا يعلق ولا يطرح الاسئلة، لكن تجده مثل المجنون يحاور نفسه ويلعن ويسب، كل المشاركين، ويرفض كل ما قيل وما سيقال، لأنه ببساطة لم يقال، مثل ما يقال في الغرب، يفرح كل ما استدل باحث بمفكر غربي، ويبدي قبولا ونوعا من الرضا، لكن سرعان ما يسخط هذه المسخوط، اذ تحدث احدهم عن الدين، وعن الاسلام بالخصوص، فتنتفخ اوداج مريض الغرب، ويحمر وجهه، ويقرر التعليق على طريقة الهجوم ومهاجمة الاسلام، فهذا يا يتقنه مريض الغرب، فيطلب الحديث، واذا سمح له، قال كلاما غربيا عجيبا، يستعمل فيه مصطلحات محددة، (العقل، الحداثة، النهضة، القطيعة، التراث، العلمانية ) المهم ان يقحم هذه المفاهيم ويعجنها، وينفجر بها في وجه المتداخل، كما انه لا يجلس ليستمع للرد، بل يلقي تلك الكلمات على عجل، ثم يخرج منصرفا.

مريض الغرب أيضا لا يحسن كتابة فقرة، فتجده منتسبا لكل المجموعات التواصلية التي تهتم بالبحث العلمي، لكنه في كل تلك المجموعات لا يتجاوز ما كتبه العشرين سطرا، حيث انه لا ينشر شيئا، ولا يتعب نفسه في تحليل شيء، فلا ظواهر غربية، ولا المجتمع غربي، ولا هو يثق في نفسه فيحلل مثل الغرب، ولا يستطيع ان ينحدر بنفسه فيحلل كما يحلل أهل الشرق، ولذلك تجده مثل أرواح الأسلاف، يجوب كل المنشورات، مدافعا عن الحداثة وعن العقل، كما يتخيل هذه المريض، الذي تجده على حد تعبير الاحمد في كل مكان وليس في اي مكان، فيترصد اي منشور يذكر فيه الدين، او كلمة الاسلام، دون هجوم عليها، او اي منشور يقدح في الحداثة الغربية، وهنا يستجمع الباحث مريض الغرب كل قواه، ليكتب نصف سطر، تعليقا، يهاجم فيه الكاتب، ويسخر من منشوره ومن طريقة تحليله، وفي لمح البصر يختفي هذه الكائن الزئبقي، وهو يعتقد انه قد انتصر للحداثة، فهو يهاجم كل من يكتب، لان صديقنا ببساطة لا يعرف ان يكتب، بسبب مرض الغرب الذي اصابه، وذلك التعالي الذي افرغه من كل قيمة، فنسي الكتابة والبحث ونسي كل شيء، واحتفظ فقط بعبادة الغرب.

الباحث مريض الغرب طول حياته العلمية لا يقدم اي شيء للعلم، فلا مقال منشور، ولا ملتقى ولا مداخلة، ولا حتى مقالة رأي، فهو مهوس بالمفكرين الغربيين، حتى اصبح يعتقد انه لا يمكن ان يقال او يكتب افضل مما كتبوا وقالوا، فدمر البحث العلمي، وساهم مساهمة جلية في الجمود الفكري، فهو ليس ناقما فقط عن مستوى الدارسات البحثية في بلاده، بل هو ناقم حتى على المجتمع، فهو يريد مجتمعا بمعايير غربية، حتى يتسنى له هو دراستها كما قرأ في الكتب الفرنسية، والمشكلة انه قد انتج مسوخا اخرى اشد والعن منه، وهم مرضى الباحث مريض الغرب، وهي طفيليات ادنى درجة منه، وتتخذ منه الها في الحداثة والمنهجية العلمية، والصرامة، فتجدهم يتبعونه من منشور لأخر، فلا يعقلون اذا علق، بل المسموح لهم فقط، هو اظهار اعجابهم بتعليق كبيرهم الذي علمهم الكسل، وفي احسن الاحول يقلون صدقت، جميل ما كتبت، وغيرها من الالفاظ التي يتم انتقاؤها بعناية من طرف الباحث مريض الغرب، واتباعه من مرضى مريض الغرب.

نعم هي حقيقة نعيشها ونلمسها في كل يوم، من طرف كائنات لا ندري من اين تأتي، لتفسد اي شيء، لأنها لا تعرف القيام باي شيء، فلا يكتبون ولا يحللون ولا يكلفون انفسهم عناء القيام باي شيء، فقط التطاول بطريقة فجة، ثم الاختفاء بنفس طريقة الظهور، فلا تعرف له توجها، ولا اسلوبا، ولا طريقة في تناول الظواهر، ولا يكف يحلل، ولا كيف يعلل، فهو ايضا على حد تعبير الاحمد، ليس نقطة على سطر، بل نقطة افتراضية تطفو  على سطح ما، وتفسد كل شيء بسبب زئبقيتها، ونكرنها لذاتها ولذات غيرها، وتعلقها بالغرب ليس كمقتبس لما ينفع وتارك ما لا ينفع، بل كمستهلك شره لا يهتم حتى لتاريخ الانتاج ولتاريخ نهاية الصلاحية، حيث ان بين مريض الغرب والغرب، حفرة سحيقة تتسع كل يوم، فالغرب يصنع الالة، والمريض يستخدمها ويستهلكها، والمشكلة عندما يستهلك الافكار، والنماذج، ويغرق في الاستيراد، حتى  ينكر واقعه، فيهاجم كل من لم يثني على الغرب، ويهز ذيله لكل من ذكر الغرب بخير.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.