فكر مختارات مقالات

غاليانو وشرايين التاريخ المفتوحة

غاليانو وشرايين التاريخ المفتوحة

بقلم/ علي حسين

تقوّس في القدم منعه من ان يحقق حلمه الأثير، ويصبح احد ابطال منتخب الاورغواي، لكنه مع مرور السنين اكتشف ان العالم لا يختلف عن ملعب كرة القدم، فقرر ان يصبح صحفيا في محاولة للبحث عن اجابة على سؤال يؤرقه:”لماذا نرى السياسيين يتحدثون لكنهم لا يقولون شيئاً؟ والمدارس تعلم الجهل، والقضاة يعاقبون الضحايا، ورجال الشرطة لا يكافحون الجريمة لأنهم مشغولون بارتكابها.. والإفلاسات تصبح مجتمعية بينما الأرباح تكون خاصة جدا”.

ادواردو غاليانو الذي مرت قبل اكثر من شهر الذكرى الخامسة لرحيله تروى طرائف كثيرة عن عشقه لكرة القدم، حتى ان بعض معارفه يقولون أنه كل أربعة سنوات يعلق لافتة على بابه “مغلق من أجل كرة القدم”، ويحبس نفسه في البيت لا يخرج منه طوال مدة كاس العالم، وهذا العشق جعله يكتب كتابا بعنوان “كرة القدم بين الشمس والظل” يرسم فيه صورة لنفسه: “كنت سأفعل بيدي ما لم أتمكن من تحقيقه أبداً بقدمي”.

ولد إدواردو هيوس غاليانو في الثالث من أيلول عام 1940 في الأوروغواي لعائلة غنية من أصول إسبانية من جهة أمه وألمانية من جهة الأب. قبل أن يصير اسمه مكرسا في عالم الصحافة والأدب، وخلال مرحلة الشباب، عمل في عدة مهن ، الى ان قرر عام 1960 ان يكرس حياته للصحافة والكتابة ، فاصدر صحيفة أسبوعية اطلق عليها اسم “مارشا ” وقد حظيت هذه الصحيفة باهتمام عدد من الأسماء البارزة في عالم الأدب في أمريكا اللاتينية مثل ماريو بارغاس يوسا ، وماريو بينديتي ، وروبيرتو فيرنانديث ، و مانويل مالدونادو دينيس، بعدها سيصدر صحيفة يومية بعنوان “إيبو” وستترك الصحافة تاثيرا كبيرا عليه ، يقول في احدى حواراته: “‫لقد تركتْ الصحافة تأثيراً عميقاً عليَّ. فأنا طفل الصحافة رغم أنني أكرس معظم وقتي الآن لتأليف الكتب لا المقالات. يجب أن أعترف أنني لا أستطيع أن أقرأ مقالة أو كتاباً على الشاشة. أفضل أن أقرأ على الورق الذي ألمسه ويلمسني”.

يصف حياته بانها محطات للفشل، المرة الأولى مع كرة القدم، والمرة الثانية عندما أراد ان يصبح قسيسا، لكنه اكتشف ان لديه ميل واضح الى الخطيئة، والمرة الثالثة عندما حاول ان يصبح رساما، فوجد ان الرسم بالكلمات أفضل.

قال ان طفولته كانت كاثوليكية، لكن مراهقته كانت ماركسية بامتياز: “كنت أحد القلائل الذين تربّوا على قراءة “التوراة” و”رأس المال”. يجب أن يعرضوني في متحف للأنثربولوجيا. أنا متأثر بالكتابين ومتحرر منهما في آن واحد.”

في الحادية والثلاثين من عمره، اصدر كتابه الشهير الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية “الذي قالت إيزابيل الليندي عنه: “قبل عدة سنوات، عندما كنت ما زلت أعتقد أن العالم يمكن أن يتشكل وفقا لأفضل رغباتنا وآمالنا، أعطاني أحدهم كتابًا ذو غلاف أصفر، التهمته خلال يومين مع رغبة جامحة بأن أعيد قراءته ثانية بضعة مرات، لكي استوعب جميع معانيه. كان ذلك الكتاب بعنوان: الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية، من تأليف أدورا غاليانو”. عام 2009 سيهدي الرئيس الفنزويلي تشافيز الى اوباما نسخة من كتاب غاليانو “الشرايين المفتوحة لاميركا اللاتينية”كانت العبارة الواضحة على الغلاف تقول: “كانت هزيمتنا دوما مضمرة في انتصار الآخرين، ولقد أنتجت ثروتنا دوما فقرنا من خلال تغذيتها ازدهار الآخرين” تعلم غاليانو وهو في الصحافة، كيف يكتب رواية تاريخ هذا العالم، وشيئا فشيئا اصبح شهيرا في معظم ارجاء اميركا اللاتينية، التي طارده جنرلاتها لاكثر من اربعة عقود، لقد بدأ حياته كما بدأها عشرات من الادباء، في مدينة نائية، ثم في اضواء الصحافة ثم في المنافي، لكن اليأس لم يدب فيه، وعندما سئل قبل سنوات ما الذي يخشاه اليوم بعد رحيل الجنرالات؟ اجاب:”أكثر ما أخافه هو أن نعاني جميعاً من فقدان الذاكرة، لذلك فأنا مهووس بالتذكر”.

كان درس التاريخ في المدرسة والذي وصفه بالكئبب هو الذي الهم غاليانو فكرة كتابة تاريخ امريكا اللاتينية فقد وجد ان “الماضي الميت الأجوف الأخرس الذي علمونا عنه بطريقةٍ، جعلتنا نستكين للحاضر، بضمائر جافة، لنقبل التاريخ الذي صُنع سابقا، لقد توقف التاريخ المسكين عن التنفس، تمت خيانته في النصوص الأكاديمية، كُذِب عليه في المدارس، أُغرق بالتواريخ، سجنوه في المتاحف، ودفنوه تحت أكاليل الزهر ووراء تماثيل برونزية ورخام تذكاري”.

في كتابه اصوات الصمت يكتب غاليانو:بعد ان سلّحوه بتلك البرمجة، سكبوا خريطة العراق في دمه، رمت الطائرات من القنابل ما يوازي خمس قنابل ذرية من حجم قنبلة هيروشيما وكانت الدبابات تدفن الجرحى وهم احياء، وقد سحق الكابتن ماك ڤاي عددا منهم في كثبان الرمال. علموه ان يقول عن الاعداء انهم”اضرار جانبية”، نال ماك النجمة البرونزية. لدى عودته، لم يقدم احد على نزع برمجته، في اوكلاهوما قتل ١٦٨ شخصا بينهم نساء واطفال “انهم اضرار جانبية” قال، لم يعلقوا ميدالية جديدة على صدره، حقنوه بحقنة مميتة!”

عام 1973 يقوم العسكر بانقلاب في الاوروغواي، وبعد أيام من الانقلاب يلقى القبض على غاليانو ليودع في السجن، ثم يصدر قرارا بنفيه الى الأرجنتين، ومنع نشر وتوزيع كتابة “الشرايين المفتوحة” في كل من الاوروغواي والأرجنتين وشيلي، وفي منفاه يصدر مجلة ثقافية بعنوان “أزمة”. عام 1976 يقرر الرحيل الى اسبانيا بعد ان قررت السلطة في الأرجنتين وضعه تحت الرقابة، وفي اسبانيا سيتفرغ لكتابة ثلاثيته الشهيرة “ذاكرة النار”. بدايات عام 1985 يعود إدواردو غاليانو إلى الورغواي الى ان توفي عام 2015 متأثرا بسرطان الرئة.

عاش غاليانو حياته مدافعا عن قضايا الشعوب، وقد اهتم بقضية فلسطين وشغل عضوية لجنة الرعاية في “محكمة برتراند راسل عن فلسطين”، التي تطالب الأمم المتحدة والدول الأعضاء بإنهاء استثناء اسرائيل من المحاسبة الدولية واتخاذ الاجراءات التي تمليها تجاوزاتها والتوصل الى حل عادل للقضية الفلسطينية.

ادان الحروب التي قامت بها امريكا في العراق وأفغانستان :” قالوا ان الحروب تقوم من أجل غاياتٍ نبيلة، كالأمان والكرامة الوطنية، القانون والحرية والديمقرطية والحكم المدني، أو لأسباب حضارية أو بمشيئة من الله. لم تمتلك أيٌّ منها الشجاعة للاعتراف: يتجشم انها تقوم من احل السرقة “

في كتابه الأخير “نساء يحتفي غاليانو بتجارب النساء اللاتي لم يتنازلن أبداً. يكتب في مقدمة الكتاب: “لا أستطيع النوم، ثمة امرأة محشورة بين جفوني، لو كنت أستطيع لقلت لها أن تمضي، ولكن ثمة امرأة محشورة في الحنجرة “.

يصف غاليانو نفسه بانه “قناص للحكايات” يقول ان الكتابة متعبة لكنها تواسي.

في شبابه اغرم غاليانو بشخصية الثائر تشي غيفار، يسافر الى كوبا من اجل اللقاء به، بعد وفاة غيفارا يكتب عنه “لقد استمر غيفارا في كونه غيفارا. إنه رجل عصي، يُبعث دائمًا من جديد، ويرفض أن يموت. لقد كان إنسانًا استثنائيًا فعل ما قال إنه سيفعل، وقال ما كان يؤمن به، وهذا أمر غير مألوف“.

لعلنا في هذه البلاد بأمس الحاجة الى نموذج غاليانو الكاتب والمثقف الذي يستطيع ان يقدم لنا كتاب” شرايين العراق المفتوحة “.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.