أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

الثقة المتبادلة مع طفلك المراهق

من كتاب “المراهق” 

للدكتور عبد الكريم بكار 

  • علاقة أساسها الثقة المتبادلة:

الثقة بين الناس عامة وبين الآباء والأبناء خاصة شيء مهم للغاية، وعلى مدار التاريخ كان الناس ينظرون إلى الثقة بينهم على أنها جزء غزيز من رأس مالهم الاجتماعي، وينظرون لفقدها على أنه موحش ومؤذٍ ، كما أن الناس تعلموا من تجاربهم الخاصة أن الأشخاص الموثوقين جداً، هم قليلون جداً، وتعلم الآباء من خلال تجاربهم مع أبنائهم المراهقين أن الثقة المطلقة بهم لا تكون عاقبتها سوى المفاجآت المحزنة والصدمات المزعجة وأحياناً المدمرة!

ليس المطلوب من الأبناء وحدهم أن يكونوا أهلاً للثقة؛ بل لابد  أن يكون الآباء والأمهات كذلك؛ لأنهم يقدمون القدوة لهم، ولا أدري كيف يمكن لمراهق أن يتصرف تصرفات مسؤولة، وكيف يمكن أن يكون عند حسن ظن أبيه، إذا كان أبوه لا يلتزم الصدق فيما يقول، ولا يفي بالوعود التي يقطعها على نفسه لأبنائه، ويحجب عنهم كل المعلومات المتعلقة بعمله وعلاقاته خارج المنزل؟

الشيء الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال هو أن الإنسان لا يكون موثوقاً إلا إذا كان يملك قدراً عالياً من الشعور بالمسؤولية، ومن هنا فإن الحديث عن بناء الثقة بين الآباء والأبناء، هو في الحقيقة حديث عن الشعور بالمسؤولية لدى الطرفين.

ولعلي أشير بإيجاز إلى ما هو مطلوب لهذا وذاك عبر المفردات الآتية:

من المهم قبل أن نعلم المراهق كيف يكون موثوقاً أن نكون نحن موضع ثقته؛ وهذا يكون من خلال الآتي:

  • الصدق في التعامل، وتنفيذ الوعود التي نقطعها له.
  • حفظ أسراره، وعدم افشائها لا تصريحاً ولا تلميحاً.
  • اعتماد المصارحة مبدا ثابتاً، في مناقشته في شؤون الأسرة.
  • بُعد الأب عن الادعاء، والمبالغة في الفضائل والإنجازات الشخصية.
  • الاعتذار للمراهق عند الوقوع في خطأ لا يقبل الجدل.
  • الاستقامة الأخلاقية العامة تجعل الشخص ذا مصداقية حسنة، ومن المصداقية تولد الثقة.
  • يتم بناء ثقة الآباء بالأبناء على نحو تدريجي، فابن السابعة – مثلاُ- لا يكون اهلاً لثقة الأهل بسبب ضالة إمكاناته، وبسبب قصوره في فهم مسؤولياته، وضعفه في التفريق بين الخطأ والصواب، والايجابي والسلبي، ومع الأيام ينمو كل ذك ويتحسن، وتتحسن معه ثقة الأبوين به.

والحقيقة أن ثقة الآباء بأبنائهم المراهقين كثيراً ما تكون مهزوزة، بسبب الكذب، أو السرقة، أو الاستغلال للآخرين، أو النقص في تحمل المسؤولية، أو النقص في التدين والاستقامة السلوكية، ويعبر عن هذه المشاعر أحد الآباء الذين يعانون في تربية أبنائهم إذ يقول: تطلب زوجتي مني أن أعامل ابني بثقة، فهو بالغ وعاقل وقادر على انجاز الكثير من الأمور، لكنني لا أرى ذلك لأسباب كثيرة، فابني مع أنه في الخامسة عشرة سريع الغضب، وإذا رفضتُ له طلباً بكى وصاح وانفعل؛ ولهذا فأنا لا أسمح له بأن يقود سيارة الأسرة؛ لأنه إذا غضب وهو خلف مقود السيارة، فقد يتسبب في حادث مروع، ابني برغم اجتهاده في المدرسة وتفوقه إلا أنه يعتمد عليه في قضاء حاجاته الشخصية، فضلاً عن قضاء حاجات البيت، تصوروا أنه لا ينف أسنانه إلا إذا قمت أنا أو أمه بتذكيره. ويقول أيضاً: في مرات كثيرة قال لي ابني: أنا ذاهب إلى صديقي فلان حتى اذاكر معه للامتحان، وحين أسال صديقه يقول: لم أره اليوم، ويتبين أنه ذهب مع صديق آخر إلى السوق، فكيف اثق به؟!

  • من المهم أن نتذاكر في الأمور التي تقوي صلتنا بأبنائنا المراهقين، ومن المهم أن نشرح لهم ما الذي عليهم أن يفعلوه حتى نعاملهم على أنهم موثوقون، ومع أن كثيراً من الشكوك والظنون السيئة، وكثيراً من المشاكسات سوف ينتهي مع الأيام، إلا أنه ليس هناك أي مسوغ لأن يعيش الإنسان عشرين سنة من عمره في عراك مع لك واحد من أبنائه الخمسة من وقت دخولهم في طور المراهقة إلى أن يصبحوا شباباً. ما الذي – يا ترى- علينا أن نشرحه للمراهقين حتى ننمي لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه تصرفاتهم، وحتى يصبحوا بالتالي في نظر الكبار موثوقين؟

الحقيقة أن ما يمكن أن يقال كثير، لكن حسبي أن أشير إلى الأمور التالية:

  • العشوائية مؤذية جداً في التعامل مع المراهق، فمن المهم أن تكون العلاقة معه واضحة ومنظمة، ولا سيما ما يتعلق بالثواب والعقاب، أن من المهم أن يعرف المراهق بالضبط المكافاة التي تنتظره إذا أنجز ما هو مطلوب منه على نحو جيد، وأن يعرف بالضبط العقوبة التي ستناله حين يقع فيما هو محظور عليه، يجب أن يعرف المراهق أن الحياة ليست سهلة، وأنه ليس هناك حياة أسرية صحيحة خالية من كل القيود والشروط، المهم ألا نقرر العقوبة بعد وقوع الخطأ مباشرة؛ لأنه هذا يجعل الفتى يشعر بأن معاقبته ليست سوى انتقام منه، لكن حين تكون الأمور واضحة من قبل، فإنه يتلقى العقوبة، وهو يوبخ نفسه؛ لأنه حين اخطأ كان يعرف أنه سينال جزاء خطئه.

 

  • المبالغة في تدليل المراهق وتلبية كل طلباته تجعل منه شخصاً اتكالياً، وتنمي لديه الشعور باللامبالاة، وهذا يجعل شعوره بالمسؤولية ضعيفاً، ولذا من المهم أن يسهم في تنظيف المنزل، وأن يساعد أباه في بعض الأعمال، وأن يقوم بخدمة نفسه في كثير من الأمور، وهذا هو الذي يجعل منه شخصاً مسؤولاً، ويمكن الاعتماد عليه.

إن إبداء الملاحظات الكثيرة على سلوك المراهق، والاكثار من طلب الخدمات منه، يسبب له ازعاجاً بالغاً وقد يحمله على الكذب من أجل الدفاع عن نفسه، وهذا كله لا يساعد على تنمية شعور أبيه نحوه بالثقة، ومن هنا كانت علاقة المحبة والمودة مع الإشارة بطريقة غير مباشرة- ما أمكن- إلى أخطاء المراهق.. من الأمور التي تساعد على بناء الثقة به.

  • اكرام أصدقائه:

الكرم واللطف والاهتمام أمور جميلة في عيون كل الناس، لكن المراهقين ينظرون إليها بحفاوة أكبر، ولا سيما حين توجه إلى أصدقائهم من قبل أسرهم؛ وما ذلك إلا لأن للصداقة لدى المراهقين معنى أعمق بكثير مما هو موجود لدى الكبار، المراهق حين يرى أبيه يعود صديقه في المستشفى، أو يرسل له بهدية بمناسبة نجاحه، أو حين يسمع أبيه يثني على أحد أصدقائه، أو يطلب منه أن يدعوه إلى منزل العائلة.. المراهق في كل هذه الأحوال يشعر بمشاعر جميلة وعزيزة على نفسه، منها الشعور بأنه أحسن في اختيار أصدقائه، ولا سيما حين يتذكر أن من المراهقين من يتكتم على ذكر أسماء أصدقائه أمام أهله؛ لأنهم ليسوا ممن يتشرف المرء بصحبتهم، والحديث عنهم… ومنها الشعور بالزهو على أصدقائه، حيث يعد ذلك برهاناً جيداً على ما يدعيه من أنه ينتسب إلى أسرة محترمة ولطيفة ومهتمة.

يقول أحد المعلمين:

حين كنت في المرحلة الثانوية، كان لي صديقان عزيزان من أبناء حينا. أحدهما اسمه أحمد والأخر اسمه سعد، أما أحمد فقد رُزق بأم عظيمة بما تعنيه الكلمة، وكان أعظم ما فيها اهتمامها بأولادها وبأصدقائهم، كانت تؤمن بالعفوية المطلقة، ولهذا فإن كان لديها أكلة نادرة ومكلفة مادياً فإنها كانت تؤكد على ابنها بأن يدعوني مع سعد إلى بيته، وكان هذا يحدث مرتين في الشهر، وأحياناً ثلاث مرات، ولم تكتف باستضافتنا، بل كانت ترسل معنا شيئاً من الطعام إلى أهلنا، وقد كان كل من يسمع من الأصدقاء بما تصنعه معنا يُبدي اعجابه، ويغبط أحمد على أنه ابن لتلك المرأة العظيمة.

وأما سعد، فقد كانت أمه امرأة عادية، لكن كان أبوه متميزاً جداً، وكان عذب اللسان وصاحب روح مرحة، ولا أنسى ترحيبه بنا في بيته ومداعبته لنا، وكان يقول: أنا أعرف أن دخولي عليكم سيكون ثقيلاً على قلوبكم، لكن اسمحوا لي أن اجلس معكم دقيقتين، ليس أكثر وفعلاً بعد أن ينتهي من السؤال عنا وعن أهلينا، وبعد أن يشجعنا على التفوق ينصرف إلى شأنه، وقد أحببنا ذلك الرجل إلى درجة أنني طلبت منه أن يشفع لي عند أبي في ذنب اذنبته، وقد فعل، ومن ذلك اليوم صار صديقاً لأبي.

أما أنا فقد كان لي وضع مختلف، فأبي كان لديه انتقادات كثيرة لي ولأصدقائي، فنحن في نظره نضحك، ونلهو كثيراً، ولا نفكر في المستقبل كما ينبغي، وفي إحدى المرات أقام لنا نحن الثلاثة حفلة توبيخ؛ لأن صديقيَّ تأخرا في السهر عندي إلى قريب الساعة الواحدة. أما أمي فهي ليست ماهرة في الطبخ مثل أم أحمد، ولم تكن ترتاح لمجيء أصدقائي إلى المنزل بحجة أن بيتنا ضيق، كما أن لي أخوات في المنزل وليس من المناسب مجيء شياب إلينا… لهذا وذاك فقد اسقطني أصدقائي من الحساب، ولم يعد أحد منهم يطلب مني استضافته، وقد كنت احترق من الداخل ، وأشعر بالدونية؛ بل أن صديقي أحمد كان يعيرني أحياناً بهذا، المشكل أن أحداً من أسرتي لم يكن يشعر بما أشعر به!

هذه القصة تتكر الوف المرات مع كثير من الفتيان والفتيات ومن المهم التأمل فيها، وأخذ العبرة منها.

  • كل علاقات المسلمين فرع عن علاقتهم بخالقهم:

هذه نقطة مهمة للغاية، وقد أخرت الحديث عنها حتى تكون بمنزلة الإطار لكل المفردات السابقة، إنا معاشر المسلمين- كباراً وصغاراً، ذكوراً واناثاً- عبيد لله- تعال- وعبوديتنا سابقة على كل ما بيننا من علاقات، فالزوجة والأم والبنت والعمة والخالة هي أخت في الإسلام قبل أي شيء آخر، وإن استحضار هذا المعنى ضروري جداً لاستقامة علاقاتنا وبقائها دائماً معطرة بمعاني  العبودية والموافقة لمرادات الله- جل وعلا- والمفهوم بسيط للغاية، فإذا كان ابني المراهق أخي في الإسلام- مهما كانت درجة بره بي.. – فهذا يعني أن عليَّ أن أعامله بأخلاق الإخوة الإسلامية، وأن الله عز وجل من أسمائه: الودود والرحيم والغفور والشكور والصبور والكريم، فهو سبحانه يحب من عباده أن يكونوا شاكرين صابرين كرماء رحماء.. وهذه الصفات الكريمة تتجلى في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وأن ابناءنا وأهلينا هم أولى الناس برحمتنا وسترنا وعفونا وشكرنا؛ وذلك امتثالاُ لأمر الله.

في البيوت آباء قساة يجلدون أبناءهم كما تجلد الدواب؛ لأنهم لا يعرفون مقتضى اسم الله الرحيم ولا متقتضى اسمه اللطيف، وفي البيوت من إذا رأى من ابنه هفوة أو زلة عيَّره بها سنين طويلة؛ لأنه لا يعرف مقتضى اسم الله الغفور وهكذا..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.