أدب و تراث سياسة مختارات مقالات

اليف شافاك.. كورونا من “صدام الحضارات” إلى “صدام الثقافات”

اليف شافاك.. كورونا من “صدام الحضارات” إلى “صدام الثقافات”

بقلم/ علي حسين

زادت مبيعت كتبها بعد ما شن عليها اعضاء في حزب الحرية والتنمية الحاكم ، متهمينها باشاعة مفاهيم عن الجنس والدعارة في رواياتها، قالت ان الشعبوية أصبحت هي الثقافة السائدة في تركيا، في الوقت الذي تتلاشى فيه مفاهيم العلمانية والدولة المدنية، واتهمت السلطات بانها تحاول اعادة تشكيل التعليم على اسس دينية وقومية.
أغزر الكتاب الجدد في تركيا ، منذ ان نشرت روايتها الاولى في نهاية التسعينيات ، وبعد اكثر من عشرين عاما كتبت اكثر من عشرين كتابا، لا تزال تَغضب من اجل الحقوق المدنية، تتساءل من منزلها في لندن في حوار عبر النت مع محطة بي بي سي : هل كان العالم طبيعيًا حقًا قبل هذا وباء كورونا ؟ هل كان مجتمعا مثاليًا حقًا ؟”.
اليف شافاك التي لا تزال روايتها “10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب “على قائمة الكتب الاكثر مبيعا، تروي فيها حكاية امرأة تركية تسمى “ليلى” تبلع من العمر 40 عاما، تعمل فى الدعارة في اسطنبول، تُقتل بوحشية وتلقى جثتها فى صندوق خشبى فى الضواحى المظلمة للمدينة، لكن فى غضون 10 دقائق و38 ثانية بعد توقف قلبها عن الخفقان يستمر عقلها فى العمل لتعيد رواية مأساتها . صحيفة التايمز اللندنية أنها رواية تثير الجمال والألم من خلال قصة قاتمة جدا”.
قالت في حوارها مع البي بي سي أن كورونا اعلنت بداية النهاية للعولمة ، فالتكامل الاقتصادي الذي تتباهى به اوربا وامريكا ، نشاهد اليوم يتدمر اماما أعيننا بشكل كامل ، وتحذر شافاك من الانعزالية التي اكتسبت في السنوات الاخيرة زخما كبيرا :” نحتاج بشدة إلى التعاون والتضامن العالميين”. وتبدي شافاك خوفا على صورة العالم المستقر التي بدأت تضمحل :” ذهب منذ فترة طويلة التفاؤل في أواخر التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لقد دخلنا وجهاً لوجه في عصر التشاؤم. لا شيء يبدو صلبًا بعد الآن ” .وبالنسبة لصاحبة ” قواعد الشق الاربعون” فأن التداعيات التي يمكن ان يحدثها هذا الوباء تتعلق بالدرجة الاولى في صعود الجماعات الشعبوية ، وفي الاختلالات التي ستحدث في المجتمع والاقتصاد، والتي ستوفر أرضية خصبة للشعبويين وللاشكال القديمة والجديدة من الدول القومية.
وتناقش شافاك وجوه الاستبداد التي ظهرت تحت شعار مواجهة الوباء وتحذر من أشكال الاستبداد الذي يجد هذه الايام ارضا خصبة داخل أوروبا ، فالكثير من الحكومات تستخدم الوباء كذريعة لفرض سلطتها، وتشير الى ما يفعله الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي يسعى الى اسكات معارضيه شافاك التي تعيش في بريطانيا منذ سنوات حذرت قبل فترة من موجة صعود اليمين المتطرف في دول أوروبا ، وأشارت في مقال نشرته في صحيفة الغارديان الى ان العالم لا يخوض “حرب حضارات”، كما يصر صموئيل هنتنغتون في كتابه الشهير ” صدام الحضارات ” ، وانما يخوض حرب اكثر تعقيدا وتفاوتا اسمتها ” صدام الثقافات ” وهذا الصدام كما نبهت في مقالها يمزق المجتمعات لأن الثقافة كما تقول شافاك أمر بالغ الأهمية ، لا يلتفت له علماء السياسة واضافت :” لقد افترض علماء السياسة بعجرفة ذات مرة أن ثمة بلدان حيث لن تستطيع الفاشية أن ترفع رأسها القبيح مجددا. وبعد أن مرت ألمانيا وإسبانيا، بأهوالها، كان يعتقد أنها محصنة ضد الوعود الكاذبة لليمين المتطرف، ولكن بعد ذلك، جاءت احزاب يمينية ، لتثبت لنا مدى خطأ تلك الافتراضات ” .
وتقول شافاك إنه على الرغم من انتشار الديمقراطية في العالم ، فان ما فعله الفيروس ، أنه كشف عن اكذوبة الحرية وعن أوجه عدم المساواة القائمة في مجتماعتنا :” من الآن فصاعدًا ، نحتاج جميعًا إلى أن نصبح مدافعين أكثر حماسًا لحقوق الإنسان ” .
شافاك المدافعة عن حرية التعبير، اختيرت عام 2017 كواحدة من بين اثني عشر شخصًا بامكانهم ان يجعلوا العالم أفضل ، تجد اليوم اننا بحاجة الى بناء “عالم أفضل” بعد الوباء ، وتؤكد الكاتبة المدافعة عن حقوق النساء والاقليات ، ان ما نحتاجه اليوم هو ” المزيد من المعرفة والمزيد من الحكمة”.
ولدت في مدينة ستراسبورغ الواقعة شرق فرنسا عام 1971 لأبوين تركيين ، وانتقلت في سنتها الاولى الى أنقرة. فضّل والدها الذي كان يعشق الفلسفة العيش في فرنسا ، عمل دبلوماسيا ، تولت امها وجدتها تربيتها ، تقول أان نشأتها في بيئة غير أبوية كان له تأثير إيجابي عليها، اضافت اسم والدتها ” شافاك ” الى اسمها كرد فعل على تخلي والدها عنها وهي في سنتها الاولى ، أمضت سنوات المراهقة في أنقرة ومدريد وعمان واسطنبول، وبوسطن ، قبل الاستقرار في بريطانيا ، لكنها ظلت “تحمل اسطنبول في روحها”.
قرأت بنهم الكتب التي كانت تجدها في بيت جدها، كانت ثمة انواع من المجلدات قرب سرير جدتها، في المدرسة تكتشف تشارلز ديكنز، فتنتها روايته قصة مدينتين: “ظللت اقرأ مؤلفات ديكنز فصار هذا المؤلف الانكليزي من القرن التاسع عشر قرينا لطفلة من انقرة تعيش اواخر السبعينيات”، بعد ذلك تتعرف على اعمال غابريل غارسيا ماركيز الذي جعلها تصدق حكايات جدتها الخرافية، فصاحب “مئة عام من العزلة” مثل جدتها جعل الماء يتحدث والأنهار تغير مجراها، والاحلام تلعب دورا في حياة الناس .. شغفت بالتصوف، إلا ان موضوع النساء ظل يشغلها فقررت ان تكون رسالتها عن الإسلام، والنساء، والتصوف.
بين 1997 و2009 ، أصدرت عشرة كتب ، تسعة روايات وكتاب اشبه باليوميات والمراجعات “حليب اسود” .. كتب روايتها الشهيرة “لقيطة اسطنبول “عن الماضي الذي يطارد الانسان. بطلة الرواية “زليخة” تفشل في محاولة قامت بها لاجهاض نفسها، بعد ان اكتشف انها حامل من علاقة خارج الزواج ، تنجب طفلة تسميها آسيا، ترفض الكشف عن هوية والد طفلتها، تعيش في بيت تسيطر عليه نسوة غريبات، الرجل الوحيد في العائلة شقيقها الذي يدرس في اميركا، وعندما يعود يصطحب معه زوجته الارمنية ، في الرواية تضع شافاك مقارنات بين أرمن أميركا وأتراك تركيا وهوس الطرفين بنقاء الدم. تقول بطلة الرواية آسيا: “يتحدثون دائماً عن الماضي بنسخته النظيفة فقط ، ويبتلعون كل يوم كبسولة جديدة من الكذب”. ترى شافاك ان مشكلة الاتراك انهم ينظرون الى الماضي بجهل، ويصرون ان لااخطاء فيه، ويرفضون الاعتذار، تُذكر الرواية التي صدرت في 2006 بما تعرض له الارمن من مأسي، تربعت لقيطة أسطنبول” على قائمة الاكثر مبيعا بنسختيها الانكليزية والتركية ، لكنها لن تمر بسلام ، في صيف 2006 اقام عدد من من المحامين المتعصبين قوميا في تركيا دعوى قضائية ضد شافاك لورود كلمة”إبادة”في روايتها .
تابعت شافاك رحلتها مع الرواية ، ولشغفها بالتصوف اصدرت عام 2009 روايتها الشهيرة ” قواعد العشق الاربعون ” ، حيث تستدعي شخصية جلال الدين الرومي وصديقه شمس التبريزي ، من خلال بطلة الرواية إيلا روبنشتاين ، ربة منزل عادية غير سعيدة ولديها ثلاثة أطفال وزوج غير مخلص ، لكن حياتها تبدأ في التغير بشكل كبير عندما تتولى وظيفة قارئ في دار نشر . اول مهمة لها كانت مهمتها فحص رواية ، عن الشاعر جلال الدين الرومي ومعلمه شمس التبريزي ، مؤلف الرواية اسم مجهول في عالم الادب ، يكتب لأول مرة ، يعيش في تركيا اسمه عزيز زهار ، سرعان ما تجد إيلا نفسها مفتونة بالرواية والرجل الذي كتبها ، حيث بدأت بمراسلته عبر بريده الالكتروني ، تسأله عن الحياة التقليدية الخالية من العاطفة والحب الحقيقي..لتنشأ بينهما قصة حب ، قالت انها وجدت نفسها امام تحدي وهي تستحضر شخصية جلال الدين الرومي الذي قرأت عنه في طفولتها بواحد من مجلدات جدتها ، وظلت تسمع اسمه يتردد في البيت ، لذلك ارادت بعد سنوات ان تستعيد هذه الاصوات التي كانت تسمعها ، تؤمن أن النساء في الغرب يتحررن بينما النساء في الشرق يتعرضن للاضطهاد طوال الوقت:” عندما كنت أكتب رواية ، أريد ان اوصل صوت هذه المرأة التي لايزال ينظر اليها بريبة ” .
تنتصر في معظم كتاباتها ومقالاتها لقضية المرأة ، شعرت بانها مطالبة ان تؤدي واجبها تجاه امها التي كان اسمها يرمز الى الفجر ” شافاك ” تؤمن ان النساء أعظم من يروي القصص :” لم أنشأ في أسرة تقليدية ذات نظام أبوي، وذلك جعلني أكثر استقلالية وأتاح لي فرصة القيام بأشياء كثيرة ربما منعت منها مثيلاتي ممن عاشوا تحت سلطة الأب”
من وجهة نظر شافاك فأن الهجوم على المرأة إذا تحدثت او كتبت عن الجنس جعل كثير من الأديبات يشعرن بالخوف من نظرة المجتمع . يعكس أدبها حياتها وروح الثقافات التي تعيش فيها ابطال رواياتها ، لا تكتب الروايات من اجل ان تصبح بطلة لقضية المرأة :” أنا مسرورة لأنني امتلكت الحس السليم لأرى ذلك ، لا أوصي الأخريات بالاقتداء بي، فما فعلته يخص حياتي وحدها “. طالب المدعي العام التركي بالتحقيق معها بعد ان نشرا روايتها “بنات حواء الثلاث” عام 2016.
قالت ان كورونا جعلتها تفقد اشياء مهمة في حياتها ، أبرزها حضور الحفلات الموسيقية والتجول في معارض الكتب ، لكنها لم تقطع علاقتها بالكتب :” احتفل بالكتاب كل يوم ، لكني أفتقد توقيع الكتابات ” ، تقول انها تمارس حياتها بشكل طبيعي رغم حالة الحجر المنزلي ، فهي تجلس كل يوم امام الكومبيوتر ، تكتب او تتحدث إلى القراء ، اثار اهتمامها ان الناس يقرأون المزيد من الكتب ، تشغلها الاحداث واخبار الاصابات والموتى بسبب انتشار الفيروس ، وتجد نفسها عاجزة امام هو الوباء : ” عندما تكون الحياة هشة للغاية ، وغير مؤكدة ، ما الفرق الذي يحدثه سواء قمت بوضع فاصلة هنا ، أو العثور على مرادف لهذه الكلمة ” .. لكنها في المقابل لم تفقد الثقة ، حيث ان القراءة عززت عندها الثقة بالامل ، تقرأ روايات وشعر وفلسفة ، وهي تؤمن ان الانسان بحاجة الى الروايات بصورة اكثر هذه الايام :” نحن بحاجة إلى قصص أكثر الآن ، نحن نحتاج إلى فن السرد مثلما نحتاج إلى الماء والخبز.”
قالت ، لجريدة الغارديان البريطانية، إنها انشغلت في الفترة الاخيرة بقراءة السير الذاتية واشارت الى كتاب ” انا رجلك ” وهو عن حياة الموسيقي الايطالي ليونارد كوهين الذي اشتهر بغناء القصائد مثل قصيدة :” خذ هذا الفالس ” للشاعر الاسباني لوركا ، تشير شافاك الى ذكرياتها منذ الصبا مع موسيقى ليونارد كوهين التي تصفها بانها : دافئة، حقيقية، مكثفة، راقية دون أي مجهود”.
تكتب ان العالم يجب يصبح ملجأ أمنا للمحرومين والمهمشين في جميع أنحاء العالم”.
تصف لنا شافاك هلع العالم بالايام الاولى من ظهور فايروس كورونا: “كانت أرفف السوبر ماركت فارغة، وكان الزبائن مذعورين ويصطدمون ببعضهم البعض عبر الممرات ، يملؤون عرباتهم بلفافات المرحاض، وصناديق الحبوب، ودقيق الشوفان والمعكرونة. كان الناس يقومون بتخزين الأشياء التي لم يكونوا بحاجة إليها”، تصف المشهد وكانه في مدينة تحت الحصار ، مدينة تستعد لحرب عسكرية ، ومواجهة طويلة الأمد مع عدو مجهول ..وهي ترى أن رد فعل المواطن كانت طبيعية جدا ، فيما تصف رد فعل الحكومات بالعبثية ، فها هو ترامب يتهم الصين ، والاخيرة تتهم الجيش الامريكي بانه كان حاملا للعدوى ، دون ان تفهم هذه الحكومات انها جميعا متورطة بالامر ، وانه لا يوجد فايروس غريب ، وتؤكد شافاك ان الفايروس الحقيقي هو الانظمة التي ساهمت على عدم بث قيم المساواة بين المواطنين ، واوجدت انظمة حكم تؤثر فقط على الفقراء .. وهي ترى ان الناس يجب ان يكونوا وطنيين وعالميين في نفس الوقت : “لا يمكننا التخلي عن الإنسانية ، فالتعاون بين الدول ، سيساعد على إعادة اكتشاف أممية جديدة وتضامن جديد”.
وتسأل شافاك هل المطلوب من كل دولة ان تحارب الوباء بمفردها وبشكل فردي ومنعزل ؟ وهي تقول انها تتفهم ان تعتني الدول بمواطنيها ، لكن مثل هذا الامر حسب رأيها لايكفي لمواجهة وباء عالمي :” يمكن للمرء أن يكون وطنياً وإنسانياً في نفس الوقت” .. وتدرك شافاك ان النظام النيوليبرالي العالمي حاول في البداية انكار او التقليل من ظاهرة فايروس كورنا ، لكنه في النهاية استسلم ، رغم اصراره على عدم مسؤوليته في انتشار الوباء ..
توضح اليف شافاك ان العالم لن يعود كما كان من قبل ، نحن في مفترق طرق ، بحسب الكاتبة التركية الشهيرة . والأمر متروك لنا في الاختيارات التي سنتخذها : سواء أكانت ستجعل القوى الظلامية والعزلة ، والخطاب الشعبوي هو السائد ، او اننا سنتعلم من هذه الأزمة أن نصبح أكثر عطفًا وأكثر انتباهًا في السعي لتحقيق المساواة ومساعدة الآخرين.
وصفت الصحافة البريطانية رواية شافاك الاخيرة ” 10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب ” “خاطفة ومؤثرة تمت كتابتها بعناية، فيما كتب الناقد الادبي لصحيفة النيويرك تايمز ان شافاك وهي تكتب روايتها ر، بما كانت تتنبأ بما سيحدث للعالم ، فهي تقدم لنا صورة مدهشة عن الحياة والموت والقسوة والعطف والحب والسياسة والإنسانية العميقة، فيما قالت شافاك انها تجد في الادب مضاد حيوي ضد الاوبئة بامكانه توسيع نظرتنا تجاه العالم ومساعدت الناس في مواساة بعضهم البعض والدفاع عن قضاياهم ، واضافت اننا بحاجة الى اممية جديدة تسعى الى التكاتف بين الشعوب ومواجهة الكوارث بوجهة نظر موحدة ، بعيدا عن الشعبوية والتعالي ونظرية التفوق التي اثبتت انها نظرية خرقاء وعنصرية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.