فكر مختارات مقالات

البلادة اللافلسفية

في البلادة والتبعية

بقلم: ا.د. علي المرهج

في البلادة والتبعية

 

أن تكون بليداً في طبيعتك فذلك أمر مقبول، ولك أن تنتمي للفلسفة وتدعي أنك من أهلها وأساتذتها، أنت في جل ما كتبت تتغني بتاريخ بطولة لبطل من ورق، فذلك من عجائب الاندهاش الذي تمنحه السخرية من شخصك، على ما في الدهشة من تشخيص لها بأنها من أسس التفكير الفلسفي.

 

سأقبل بالدهشة عنصراً لتنمية الوعي الفلسفي (العقلاني) لا فضل مني، إنما هو تاريخ الفلسفة يذكر الدهشة بوصفها أصل للتفكير الفلسفي.

لكن ان تكون البلادة والصفنة الحميرية مقابلة للدهشة الفلسفية، فذلك ما أستغربه.

يكتب بعض اساتذة الفلسفة دروساً في الذلة متبرعين لم يطلب منه الدكتاتور كتابة حرف، ولكنهم يبيعون كل تاريخ الفلسفة ليشترون بها لفتة من الدكتاتور لهم!!.

 

أقول لكم أنني وجدت في الدرس الفلسفي أساتذة مُدْعون أنهم يتفكرون بعقل نقدي، ولكنهم في مراجعة لتاريخ سجل كتاباتهم نجدهم ليسوا سوى اتباعيين، ولا أقول متملقين، وإن كان الوصف يليق بهم وينطبق.

 

الذي عرفته في قراءاتي للفلسفة وتاريخها أن ما يميزها نزعتها النقدية، ولا أعرف كيف يكون هناك أستاذ نُسميه أستاذ فلسفة (مُتحيز) وأيديولوجي ومتحزب أو عقائدي يُنظّر لبطولة قائد أو يكتب لصالح تفوق طائفة على أخرى أو دين على آخر؟!.

راجعوا تاريخ التنظير في الفكر العراقي القريب، ومع صدام الذي رغم اختلاف البعض حوله، لكن لا أحد يختلف حول نزوعه الدكتاتوري في الحكم، وقلب صُحف الجرائد والمجلات، بل والأطاريح الجامعية، لتجد الكثير ممن يدعون أنهم أكاديميون صاروا أبواقاً بالمجان وناطقين باسمه ومدافعين عن سلطته الغاشمة، رغم درايتهم أن مهمة الفيلسوف التشخيص لأخطاء السلطة لا الدفاع عن هذه الأخطاء.

 

كتب أحدهم كتاباً عن ما أسماه (نظرية العمل البعثية)، فزاد عليه بمقال له نشره في مجلة آفاق عربية بعنوان: (القائد والبعث..ومشروع نظرية عربية في فلسفة التاريخ)، وأكمل مشروعه لنشر مقال في المجلة ذاتها بعنوان: (البعد الإنساني في فلسفة البعث)، وهو كعادته متبرع بالتنظير ليكسب ود (القائد الضرورة) ليكتب عن (فلسفة الميلاد)، ويقصد ميلاد القائد (الدكتاتور)، فكتب أطروحته للدكتوراه ليؤكد أنه ولائي بامتياز للحزب والقائد.

 

تذكرت الفنان عادل إمام في فيلم مرجان أحمد مرجان حينما سرق قصيدة لشاعر مغمور بعنوان (أبيع نفسي)، وأهداها بعد فوزه للسيد الرئيس!!.

في إحدى مناقشات أستاذي الكبير (مدني صالح) لأحد طلابه، ذكر عبارة مكتنزة المعنى: (أعطني دولاراً..أعطيك فيلسوفاً)!، وكنت في حينها أظن أن المفكر أو الفيلسوف قيمة عليا، ولكنني بعد قولة أستاذي راجعت نفسي وقراءاتي، فاكتشفت أنني أنظر للمتفلسفين نظرة على وفق ما ينبغي لا على وفق ما هو كائن!.

فتأملت قولة أستاذي فوجدت أن في استطاعة التاجر والسياسي (المرابي) شراء الشاعر والفيلسوف والروائي، على قاعدة يستمدها من قراءة سايكولوجية لأحوالهم وطبيعتهم النفسية في قبولهم لأن يكون نتاجهم معروضاً للبيع في سوق النخاسة، ولكم أن تُراجعوا كم من المثقفين قبل بمقولة أستاذي (أعطني دولاراً أعطيك فيلسوفاً)، أو وفق ما ذكره عادل إمام (أبيع نفسي).

لا مشكلة عندي في من قبل البيع لنفسه ولفلسفته أو شعره، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في تنكر هؤلاء (من باعوا أنفسهم) في سوق نخاسة التعبير عن محبة مدفوعة الثمن للدكتاتور الذي اشتراهم كما يشتري أحدنا الأنعام.

أن تعتذر بما ألم بك من ضعف وفقر وحاجة في زمن العوز، فذلك ما يُقبل عند الجميع ممن يدعون تسامحاً، ولكن أن تتبجح وتتنصل عما كتبته لصالح دكتاتور غبي أشر، فهذا يعني أنك لازلت تستلذ بكونك ذنباً تليق بك الذلة التي لا أرتضيها لكل من شارف على تكون أرجله على حافة القبر!!.

 

لأخبركم أنني لا زلت أحترم كل من دافع عن الدكتاتور الغبي واستمر في الدفاع عنه ولم يتنكر لكتاباته عنه، فهذا من بقايا الفروسية عنده، ولكن من كتب فتنصل وتنكر، وصار يحلم بأن لا يكشف عن ما كتب فهذا (متملق) أسميته (المثقف اللاحوك).

ما نستعيذ به من الرحمن إنما هم (المتحولون) الذي نجدهم اليوم وبالأمس هم أكثر الناس دفاعاً عن مظلومية الشيعة التي كانوا يتغافلون ويستغفلون ويستهجنون من يتبناها!.

 

إنهم الأنذال، لازلوا يهددون الوجود ويشككون الآخرين بمعنى الوطن!.

هؤلاء الأغبياء (اللواحيك) يكتبون تاريخهم في (التملق) خارج تدوين التأصيل الفلسفي النقدي، ليدونوا في سجل الفلسفة عن (البلادة والحميربة) ليكونوا هم مثالها الصريح، وإن بدى لنا أن في كتابتهم ما يشي أنها فلسفة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.