أدب و تراث مختارات مقالات

أنا والجامعة: تجديد عقود العمل لمن بلغوا سن التقاعد 

أنا والجامعة: تجديد عقود العمل لمن بلغوا سن التقاعد

بقلم/ أ.د عادل الأسطه

مرة كتبت مقالة عنوانها “مثل غريغوري ، هكذا أنا في الخامسة والستين” استوحيتها من مآل زميل لي بلغ الخامسة والستين من عمره ، وأنهت الجامعة عمله فيها ولم تجدد له عقده ، واتفق أن كان مريضا ، فتذكرت قصة (فرانز كافكا ) ” المسخ / التحول” وبطلها (جريجوري).
كان ( جريجوري ) قويا فاحترمه صاحب العمل ووالده ووالدته ولما تحول إلى حشرة ، وهذا له مدلول رمزي ، فقد تخلى عنه الجميع ؛ صاحب العمل ووالده ووالدته ، فأنت بمقدار ما تعطي تأخذ وحين تعجز عن العطاء لا يلتفت إليك.
طبعا من حق إدارة الجامعة أن تتعامل بقانون الأخذ والعطاء ، ولكن السن وحدها ليست المحدد الرئيس ، فهناك القدرة على العطاء وعدمها ، وكم من شخص بلغ الخامسة والستين وهو في قمة عطائه، وكم من شخص لا يعطي أبدا وإن كان في الثلاثين من العمر . هنا لا أقلل شخصيا من عامل السن وأن الشباب هم الأكثر قدرة على العمل والانتباه وربما قوة الذاكرة والتركيز ، وإن كان ثمة من حقل يمكن أن يشذ عن القاعدة فهو الحقل الأكاديمي ، ولهذا فإن الجامعات تسمح لأعضاء هيئة التدريس بمواصلة عملهم حتى السبعين، وأحيانا حتى سن الخامسة والسبعين، إن كانت صحتهم جيدة.
في الجانب الأكاديمي هناك الخبرة والتأليف والكفاءة – هكذا يفترض – وهناك برامج الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه، وهذه البرامج تحتاج إلى من هم برتبة أستاذ دكتور ليدرسوا وليشرفوا على الرسائل العلمية وليناقشوها.
في الأسبوع الأخير تناقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده أن الجامعة الأردنية فصلت ٢١ عضو هيئة التدريس ممن لم يكتبوا خلال السنوات الأخيرة أبحاثا ، وإن صح الخبر فإن الجامعة تسير في الطريق الصحيح ، لأن عضو هيئة تدريس لا يكتب أبحاثا لا يستحق أن يظل على رأس عمله في جامعة، ولا أظن أن جامعة من جامعات الأرض المحتلة قامت بفصل أحد أعضاء هيئة تدريسها لهذا السبب، لأنها لو فعلت هذا فإنها ستفصل العديدين وأولهم بعض رؤساء الجامعات.
في جامعة النجاح الوطنية لا أعرف معيارا علميا صارما اعتمد عليه في التعامل مع من بلغوا سن الخامسة والستين، فهناك من بلغه ومدد عقد عمله ، وهناك من بلغه ولم يجدد له ما جعلني مرارا أكتب “محمد يرث ومحمد لا يرث” وكنت أصغي إلى حكايات التمديد والتجديد التي لا تصب في صالح إدارة الجامعة.
لكي يكون كلامي السابق مقنعا فإنني هنا سأتحدث عن تجربتي وتجربة قسمي وقسم اللغة الإنجليزية.
ليس هناك برنامج دكتوراه في قسم اللغة الإنجليزية ، ومع ذلك فقد مدد مرة عقد عمل أستاذة تمديدا كاملا لسنوات ، وكانت الحجة أن القسم بحاجة إلى تخصصها ، وهذا سبب مقنع ، وفيما بعد صارت الجامعة تمدد لأعضاء هيئة التدريس في القسم ، علما بأن قسما منهم لم يكتب خلال عقود أي بحث ، وظل يدرس ما يقارب ال ١٨ ساعة أسبوعيا. كان حملة الدكتوراه في القسم قليلين عددا، وكانت بعض المساقات تتطلب أن يدرسها حملة الدكتوراه، ومع مرور الأيام كثر حملة الدكتوراه ، ومع ذلك فإن الجيل المؤسس ظل يدرس ويدرس ونادرا ما كتب أبحاثا. لقد تعين برتبة أستاذ مساعد ونادرا ما بلغ رتبة أستاذ مشارك ، وحين بلغ الخامسة والستين مددت له إدارة الجامعة عقد عمله.
اختلف الأمر في قسم اللغة العربية، فمع أن اكثر أعضاء هيئة التدريس فيه ترقوا وحصلوا على رتبة أستاذ دكتور ، إلا أن إدارة الجامعة لم تمدد لأي من حملة هذه الدرجة عقده، وخيرته بين إنهاء عمله أو التدريس الإضافي، وظل الأمر على هذا الحال حين افتتح برنامج الدكتوراه.
ثمة في الأمر مفارقة لا شك، إذ أن الذي يفترض أن تتمسك إدارة الجامعة بحملة درجة الأستاذية للتدريس والإشراف في برنامجي الماجستير والدكتوراه.
حسب ما أعرف فإن عدد طلاب برنامج الدكتوراه هو ٢٥ طالبا، وهؤلاء يحتاجون إلى مشرفين متمرسين أكفاء ، ولا أظن أن القسم بمن تبقى من أعضاء هيئة التدريس فيه قادر على القيام بهذه المهمة، ولطالما كتبت عن المستوى العلمي لبعض مدرسيه تحت عنوان “إعادة دكترة الدكاترة”، فلا ثقافتهم تمكنهم من التدريس والإشراف ولا منهجيتهم أيضا، بالإضافة إلى فقر نتاجهم العلمي.
ولكي أكون أكثر إقناعا فإنني أحيل إلى أبحاثهم ورسائل الماجستير التي أشرفوا عليها أو ناقشوها أو ناقشتها مع قسم منهم وإلى الأبحاث الكثيرة التي أرسلت إلي لتحكيمها. إنها تدل على هزال معرفي وفقر منهجي وتكرار في الكتابة أو الموضوعات.
الطريف طبعا أن إدارة الجامعة مددت عقد زميل لم يحصل على أية رتبة منذ عين – أي منذ سبعة وثلاثين عاما، وذهب ليدرس الأدب المقارن، وحين عاد لم يدرس المساق إلا مرات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
عندنا مثل شعبي يقول “لاقيني ولا تغديني” وأظن أن الإدارة عملت بمثل قريب منه يقول “قرد موالف ولا غزال مخالف”، فلكي ترضى عنك الإدارة وتمدد عقدك عليك أن تكون قردا موالفا ، وعليك ألا تنتقد سياستها، وعليك أن تصفق لرأيها السديد دائما وتمدح إنجازاتها مهما كانت وكيف كانت.
في الحلقة السابقة عقب قاريء على ما كتبته متسائلا:
– لماذا يا دكتور لم تكتب هذا قبل أن تنهي عملك ؟
وكنت استمعت إلى الرأي نفسه من الصديق المدير المالي رشيد الكخن وصرت كلما قرأت في ذاكرة الفيس بوك نقدا لإدارة الجامعة كتبته خلال السنوات السبع الأخيرة ، صرت أرسله إليه. وأما من عقب متسائلا فأجبته بأنني وأربعة من زملائي تجرأنا ورفعنا قضية ضد قرار رئيس الجامعة، حين كان الرئيس رئيس وزراء.
ما أود أن أخلص إليه في هذه الحلقة التي قد تكون الأخيرة هو أن إدارة الجامعة في سياسة تمديد العقود ما كانت تعتمد معايير علمية مقنعة . إن الولاء والولاء فقط هو المعيار ، وقد كتبت من قبل إن إدارة الجامعة لا تريد كفاءات قدر ما تريد ولاءات.
في العام الأخير – أي بعد تقاعدي – عرفت أن الجامعة لن تجدد عقد أي ممن بلغوا سن الخامسة والستين ، وأن هناك استثناء واحدا فقط ، ولست متأكدا من الاستثناء – فهل هي مصيبة في قرارها ؟
أنا واحد ممن كانوا ينادون بذلك لفسح المجال أمام الأجيال الجديدة حتى تأخذ فرصتها، علما بأنني كثيرا ما انتقدت ممن بلغ هذا السن، حيث كانوا ينادون بالعمل بمبدأ الكفاءة المهنية والخبرة وأن هناك مهنا يمكن أن يظل أصحابها يعملون بكفاءة حتى سن متأخرة.
هل كانت خربشاتي التي كنت أنتقد فيها ما أراه سلبيات أشبه بما نادى به غسان كنفاني في روايته “رجال في الشمس” على لسان بطله “أبو الخيزران” – أي الدق على جدران الخزان “لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.