مقالات

الطاهر بن جلون .. يبث أحزان كورونا إلى صديق بعيد

الطاهر بن جلون .. يبث أحزان كورونا إلى صديق بعيد

بقلم: علي حسين

كان على فراش المرض ، حين تذكر ما كان يردده السجان على مسامعهم قبل اكثر من خمسين عاما : ” لن تخرجوا من هنا أحياء” ، ويسأل نفسه : هل سيخرج حيا في معركته مع فايروس كورونا ؟ .. يسترجع صورة امه على فراش المرض وكيف تحولت الى كائن نحيل صغير ، تنكفيء الى طفولتها .. تتبعثر ذاكرته بسبب الحمى ، يشعر بالموت يطوف حول السرير. لكنه يقرر مقاومته ، بأن لا يترك طقوس حياته اليوميه ، ينهض بصعوبة ، يتحسس ذقنه الذي حلقه بالأمس ، ينظر في المرآة وهو يحدث نفسه : لامانع من أن أحلق اليوم ايضا . يذهب باتجاه دولاب ملابسه ، يرتدي ثيابا مزكرشة .. يتذكر المرة الاولى التي التقى بها حبيبته وكيف انها ضحكت من الألوان التي يرتديها .
قال له الضابط في السجن :هل انت ثوري ؟ .
فاجاب من دون ارتباك : انا حالم .. شاركت في التظاهرة لأنني كنت حزينا بسبب مخاصمتي لحبيبتي ، فقررت ان اتلقى الضربات
يجلس الى منضدة الكتابه بعد ان يسحب مجلدا من احد الرفوف ، كان كتاب عن هنري ماتيس ، سيطيل التمعن في اللوحات التي رسمها الرسام الفرنسي الشهير اثناء اقامته في مدينة طنجة المغربية عام 1912 وسيتذكر ما كتبه ماتيس لصديقه الفنان ماركيت : “إن الضوء هنا ناعم للغاية ” .
في سنواته الاخيرة اقعد المرض ماتيس، وجعله يتنقل على كرسي متحرك حتى اليوم الاخير من حياته ، لكنه بقي متفائلا، ومبتهجا، ومحتفيا بالحياة .. يسترجع مع ماتيس ذكرياته في المغرب ، سيكتشف ان الفن والجمال والصداقة كلها مضادات حيوية في مواجهة المرض والموت .
الطاهر بن جلون الذي يبلغ السادسة والسبعين من عمره ، يكتب عن المرض وما يشكله في حياة الانسان ، فبعد ان قضى فترة طويله من الحجر المنزلي قرر ان يوجه رسالة وضع لها عنوان ” إلى الصديق البعيد ” ، ليجعل القراء تتساءلون : ترى من يكون الصديق البعيد هذا ؟ وتزداد حيرة القراء حين يذكر بن جلون صديقه البعيد بحياتهما المشتركة التي اتسمت بالفرح والبحث عن المعرفة والجمال بين الكتب وفي قاعات المعارض التشكيلية والشغف بأفلام جون فورد ، وأورسون ويلز ، في الرسالة يحاول بن جلون الهرب من ايام الحجر المملة ، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن محاسن المرض الذي يجعل الانسان يكتشف قيمة الحياة . يصف لنا المرض الذي بدأ بألم في الرأس ، وفقدان لحاستي الشم والتذوق .. وفي الليل سيحل التعب المضن .. يقرر ان يعزل نفسه في غرفته ، لا يخرج منها ، لاول مرة يشعر انه يريد ان يعود ذلك الصبي الذي يتمنى ان يقضي ليلة من ” ليل تونس ” ، ستساعده مخيلته المليئة بالحكايات التي كنت امه تقصها عليه وهي تجرجره ورائها في ارجاء البيت من مكان الى آخر :” لم تكن تروي لي الحكايات ، بل تبوح ببعض اسرار حياتها ” .
ينهض ساخطا وفريسة لقلق السبعين عاما التي تجاوزها ، ذاكرته تعاند المرض يفكر بمدينته ” فاس ” كمن يفكر بصديق له رحل عن هذا العالم ..ينتظر ان تفتح الحدود كي يلتقيا معاً ، يشعر ان تجربة المرض منحته طاقة جديدة :” أنني أحب الحياة. أنظر إلى السماء والشمس بطريقة أخرى، إنني أشد انتباهاً إلى زقزقة العصافير، وإلى صحة الآخرين، إلى أقاربي وإلى جيراني أيضاً. سأضع كفوفاً وكمامة قبل أن أذهب لشراء حاجياتي الصغيرة، وسأمر على جارتي في الطابق الثاني، المسنّة جداً، التي تحيا وحيدة، وآخذ منها لائحة مشترياتها ” .
ابن العائلة المحافظة الذي يقول انه ما كان يغير شيئاً من مسار حياته لو أعطي الفرصة ان يبدأ من جديد ، يتذكر المجتمع الهاديء الذي تركه الى فرنسا قبل نصف قرن ، :” كيف انسى طغيان حبه الاعمى ” ، ستبقى تلك البلدة الفقيرة من مدينة فاس تثير فيه الحنين كأنها مشاهد من فيلم سينمائي يبدو فيه الصبي الصغير ممسكا بيد ابيه الذي اصر ان يدخله المدرسة بعد أن تلاعب في سنين عمره ليزيدها ثلاث سنوات .. الطاهر بن جلون الذي تقرأ اوراقه الرسمية انه من مواليد الاول من كانون الاول عام 1944 ، يخبرنا انه ولدا مريضا :” اكثر من ثلاث سنوات مستلقيا على ظهري في ( سّبّت ) ” ، اسماه والده ” طاهر ” ، اعتزاز باسم عمه الذي توفي شابا ، حيث ولد بعد وفاته مباشرة .
كانت العائلة الصغيرة تضم ثلاثة اولاد وفتاة ،تعيش في بيت صغير في زاوية من المدينة التي يصفها بانها اجمل مدن الدنيا .. الأب تنقل في عدة مهن ، مرة يفتتح دكانا صغير لبيع التوابل ، ومرة خياط ، عاش طفولة بسيطة ولكنها سعيدة: “كنا فقراء للغاية ، لكننا عانينا من لا شيء. لم نكن نغار من أي شخص ، ولم نفتقر إلى أي شيء ، ربما ساعدني ذلك على أن أكون ما أنا عليه اليوم” .
أسرة فقيرة لكنها تحترم التعليم ، ولهذا قرر الأب ان يلحق ابنه البالغ من العمر اربعة سنوات بمدرسة لتعليم حفظ وتلاوة القرأن .. بعد ذلك بعامين يدخل مدرسة فرنسية عربية ، يدرس الفرنسية في الصباح والعربية عصرا ، كان الاب حريصا على متابعة ابنه الذي وصفه الاساتذة في المدرسة الابتدائية بانه ” تلميذًا جادًا وجادًا ” ..في الخامسة من عمره تقرر العائلة الانتقال الى مدينة طنجة ، سيتابع دراسته ليحصل على الشهادة الاعدادية عام 1963 ، بعدها يشد الرحال الى الرباط لدراسة الفلسفة ، إلا ان مشواره الدراسي سيتوقف في نصف الطريق ، بعد ان يتم اعتقاله لمدة سنة ونصف ، بتهمة تحريض الطلبة على التظاهر ، يطلق سراحه عام 1968، ليكمل دراسته ، يقول ان تجربة السجن ساعدته في تنمية مهارات الكتابة ، حيث كتب عددا من القصائد في معسكر الاعتقال ، تجربة السجن التي يرويها الطاهر بن جلون في روايته ” العقاب ” نجده فيها وقد تحول إلى شخص آخر يواجه عبث قائد السجن الذي كان يصر على إذلال الطلاب .
نشر أول ديوانٍ له ” رجال بكفن الصمت”” عام 1971 و في العام ذاته يسافر الى فرنسا ليستقر في عاصمتها باريس ، حيث يمارس مهنة كاتب مقالات في مجلة اللومند ، في الوقت الذي يواصل اكمال دراسته ليحصل عام 1975 على الدكتوراه بعلم نفس الاجتماع ، . كان ينوي العيش في باريس ثلاث سنوات فقط ، لكن الرحلة ستستمر ،ليصبح فيما بعد مواطنا فرنسيا ، وواحد من ابرز كتابها .
العام 1973 ينشر اولى رواياته ” حرودة ” ، بعدها يواصل اصدار اعمال شعرية وروائية ليتوجها بعمله الكبير ” ليلة القدر ” عام 1987 وقد كان هذا العمل اشبه بليلة القدر بالنسبة للطاهر بن جلون حيث حصل من خلالها جائزة الغونكور للرواية والتي هي ارفع جائزة ادبية في فرنسا ، لاقى كتابه ” العنصرية كما اشرحها لابنتي ” نجاحاً كبيرا بيع منه اكثر من نصف مليون نسخة ، وترجم الى اكثر من ثلاثين لغة .. في هذا الكتاب الصغير والذي هو اشبه بمحاورة سقراطية ، يقول بن جلون لابنته إن الحل في القضاء على الإرهاب إنما يكمن في التربية. إذا كنا نعرف أن التعليم منحط في الدول العربية، أفلا يمكن القول إن ذلك مقصود من قبل الأنظمة حتى لا يتحقق ويتخلق وعي داخل مجتمعاتنا؟ .
يحصل على جائزة إيمباك الأدبية سنة 2000، وجائزة دبلن للآداب سنة 2004، وجائزة إيريك ماريا ريمارك للسلام سنة 2011، وتترجم أعماله إلى 47 لغة.
في روايته الشهيرة ” ليلة القدر ” يستعيد الطاهر بن جلون شغفه بكتاب الف ليلة وليلة ، ويتذكر ان والده كان يقرأ لهم في بعض الاماسي بعض صفحات من الف ليلة وليلة ، حيث يبدو فيها حريصا على ان يتجاوز الصفحات التي تروي قصص الجنس والعشق .في ليلة القدر نتابع حكاية الفتاة التي اصر والدها ان يلبسها قناع ذكوري ، لانه كان يشعر ان حياته ناقصه فزوجته لا تنجب سوى البنات ، وبسبب اصرار الأب ظلت هذه الفتاة تمثل على المجتمع دور الذكر حتى بلغت العشرين من عمرها ، ليتوفى والدها ، فتجد نفسها وقد اصبحت حرة ، انها ليلة القدر ، كما تقول ، إلا ان المجتمع لن يرحمها فتجد نفسها وحيدة تتعرض للاغتصاب والسجن ، وتظل تتقلب في حياتها ، وفي النهاية تقرر ان تعتزل الواقع القاسي ، لتعيش مع الاحلام .
يتخذ طاهر بن جلون موقفا حازما من قضايا المراة ، وقد وجه قبل سنوات رسالة الى المجتمع المغربي قال فيها :” أنتم يا حماة الفضيلة، علماء بالفراغ ومنافقين محلفين، مغتصبي الحشمة والنزاهة الجسدية و الأخلاقية لدى النساء، تصرخون بأعلى صوت وسط الساحات العامة. افتحوا أعينكم, افتحوا أعينكم جيداً و انظروا إلى المجتمع الذي تنحدرون منه و راقبوا ما يحدث يومياً في الخفاء بل و أحياناً بالعلن. لا داعي للتظاهر بالعار و الصراخ و النواح. هذه هي الحياة ” .
في مقال نشرته عدد من الصحف الفرنسية والايطالية ، كتب الطاهر بن جلون أن الحجر افسد عليه متعة الكتابة ، لكنه قرر ان يقطع صمته ليتحدث عن عدم المساواة التي افرزها فايروس كورونا ، مؤكدا أن أزمة كورونا لم تكشف عن عجز الدول الكبرى وضعف استبصارها فحسب، بل سلطت الضوء على الجزء المخجل حين تخلت بعض البلدان ومنها فرنسا وامريكا عن الضعفاء ، واشار الى فرنسا التي قررت التخلي عن سكان الضواحي والمناطق الفقيرة : “لقد أدى الوباء إلى تضخيم التفاوتات الإقليمية والاجتماعية”. مضيفا إنه في الوقت الذي تحصي فيه فرنسا موتاها نتيجة الوباء ، فان الاحصائيات تؤكد ان أغلبية الضحايا هم من الضواحي الفقيرة حيث ارتفع معدل الوفيات بنسبة 63% في هذه المنطقة التي لا تحظى باهتمام كبير من اصحاب القرار في العاصمة باريس .
ويرى بن جلون أن هذه الضواحي بسبب انها بيئة غير صحية وملوثة ، فان قرارات الاغلاق الشامل اثرت فيها ، حيث دمر الفيروس العائلات في هذه المناطق المحرومة من الخدمات الصحية والاجتماعية :” مع وجود عائلات كبيرة مكتظة في مساحات ضيقة، من الواضح أن الإغلاق التام معقّد، إن لم يكن مستحيلا، بحسب تقديره.
وأورد بن جلون التقارير الطبية التي تعترف ، بأن هذه المناطق بها “عددًا أقل من الأطباء وأَسِرّة الإنعاش”، مقارنة بالمناطق الأخرى في البلاد ، مشيرا الى ان عدم المساواة هذا قد ادى إلى سقوط ضحايا أكثر ، برغم وعود الحكومة ، ويعتبر بن جلون أن أزمة كورونا لم تسفر إلا عن زيادة عدم المساواة وعدم الاستقرار .
وسخر بن جلون من قرارات الحجر الصحي على فئة عمرية من السكان واعتبره مهين لان هذه الفئة العمرية والتي حددتها الحكمة بما فوق الخمسين عاما ليست عاجزة عن تنفيذ الارشادات الصحية واتخاذ التدابير اللازمة .
وبالرغم من عمق المأساة التي تعرض لها العالم ، يؤكد بن جلون ان الانسان سيتغير حتما بعد انتهاء هذه الازمة ، ليبدأ في مواجهة الظلم والقسوة والتفرقة العنصرية ويعمل على تكريس “ثقافة القيم الديمقراطية” وخصوصا في البلدان العربية التي ، ويرى مؤلف “العنصرية كما شرحتها لابنتي” أن “اغتيال” الأمريكي جورج فلويد ” عبارة عن افعال وخطب عنصرية تجري يوميا في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم الذي يتغنى بالديمقراطية ،ويكتب بن جلون ان الديمقراطية ليسل في التخلي عن البسطاء وتركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم ، بل هي تدريب على المسلواة والمحبة واشاعة مفاهيم الخير والعدالة الاجتماعية ، ويلاحظ بن جلون ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يثيرحفيظة العالم بتغريداته وتصريحاته التي “تشجع على العنصرية والفوضى “، بشكل من الأشكال. متهما ترامب بانه يستغل ازمة كورونا ليهدم ويحطم القيم الانسانية والروحانية في العالم :” للاسف هذا هو عصر الهراء والتعصب ، ولهذا يجب ان نظل يقظين ، لان الحدود بين الخير والشر ضيقة في هذا العالم ”
في شقته الواقعة في سان جيرمان ، يجلس الطاهر بن جلون وراء مكتب كبير مليء بالأوراق ينظر بحنان الى صورة والديه الموجودة على مكتبه. ياخذه حنين الى الطفولة يقول: “كان لدي طفولة سعيدة في بيئة متواضعة وبسيطة كنت راضيا بما كان هناك” . ويشير الى والديه قائلا : “أحلم بهم في كثير من الأحيان”.
اكد ان الحجر الصحي ليس قادرا على إحداث قطيعة مع الإبداع، فهو قد استفاد منه لإعادة قراءة الكلاسيكيات ، مثل دونكيشوت أو الانغماس في في مراجعة جديدة للاعمال الشاعر الاسباني لوركا ، “الذي يسعدني في كل مرة أقرأه فيها”.

وبرأي بن جلون فان فايروس كورونا برغم قسوته إلا أنه جعل البشرية تكتشف شيئاً جديداً، وهو أن الانسان في الحياة يجب أن يكون قوياً، قوياً فكرياً وثقافياً، مشيرا الى تجربته مع المرض :” لقد تجاوزت تلك التجربة وأنا أحسن بكثير مما كنت عليه من قبل، لأنني خرجت منها وسابدأ بالكتابة من جديد ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.