أسرة وطفل تربية مختارات مقالات

علاقة الأبوين بالمراهق ج1

من كتاب: المراهق 
كيف نفهمه؟ وكيف نوجهه ؟
للمؤلف/ أ. د. عبد الكريم بكار

 

علاقة الأبوين بالمراهق “الجزء الأول”

خلق الله- تعالى- للأشياء وجودين: وجوداً ذاتياً شخصياً، يتجسد في تلك الصلات والعلاقات التبادلية التي تقوم بين الشيء وغيره من الأشياء المشابهة والمخالفة.

للماء- مثلاً- وجود مستقل، وحين نضيفه إلى التراب يصبح له وجود جديد مكون منه ومن التراب، وهو الطين، وحين نضيف السكر إلى الماء يصبح السكر جزءاً من كيان جديد، كما يصبح للماء كيان جديد، يحمل اسماً مركباً، هو ( الماء المحلّى).
وهكذا الطفل حين يختلط بأبويه وإخوته الكبار يصبح له وجود جديد بما يكتسبه من أفكار ومبادئ وأخلاق وعادات ومهارات.

من المؤسف أن معظم الناس لا يلقي بالاً للوجود العلائقي، ولا يرصد ملامحه لا صعيد النفع، ولا على صعيد الضرر، إن الطالب حين يبدأ حياته الدراسية يكون عاجزاً عن كتابة أي شيء حتى اسمه، ومن خلال صحبته للمعلمين والأساتذة في المدرسة والجامعة على مدى ستة عشر عاماً يتحول من جاهل بكتابة اسمه إلى مدرس في الثانوية، وهكذا فإن لنوعية العلاقة التي يقيمها الأبوان مع المراهق تأثيراً كبيراً في تصرفاته في مرحلة المراهقة، كما أن لها تأثيراً جوهرياً في تشكيل اتجاهاته في الحياة، وفي نظرته لنفسه ولمن حوله، بل للعالم أجمع.

وقد دلت دراسة حديثة، أجريت على اثني عشر ألف مراهق على أن العامل الأكثر أهمية وتأثيراً في رفاهية المراهقين وفي احساسهم بالسعادة، هو جودة علاقتهم بإبائهم بغض النظر عن نوعية الأسرة التي ينتمون إليها، كما أظهر بعض البحوث أن المراهقين الذين يتمتعون بعلاقات قوية مع آبائهم يقل احتمال تورطهم في مشكلات خطيرة وهذا شيء منطقي، فالعلاقة الحسنة والمتينة بالأبوين تشكل بالنسبة إلى المراهق الدرع الحصين الذي يقيه بعد حف الله- تعالى- من الدخول في مغامرات وتجارب خطرة، كما يقيه من وساوس قرناء السوء الذين قد تتوثق علاقته بأحدهم بشكل سريع جداً دون علم أحد.

الآن أذكر مساهمات الآباء والأمهات في بناء علاقة جيدة وقوية مع أبنائهم المراهقين وبناتهم المراهقات مع إننا لا نختلف في أن للمراهقين دوراً في تشكيل تلك العلاقة ورسم ملامحها النهائية، إننا لنعتقد أنه سيظل للكبار الدور الأساسي في ذلك بما لديهم من رشد وعاطفة صادقة تجاه أبنائهم، وبما لديهم من معرفة بمصالحهم:

* علاقة صعبة:

يجب أن نعترف بأن إقامة علاقة جيدة ومستمرة بين الأب وابنه وبين البنت وأمها ليست بالشيء السهل، فالمراهقون يمرون بأزمة حادة، فإنهم كثيراً ما يجدون حرجاً في مفاتحة آبائهم وأمهاتهم، ولهذا فإن على الواحد منا إذا وجد صعوبة في التواصل مع ابنه المراهق، ألا يظن أنه وحده الذي يعاني من ذلك، فالحقيقة إن الجميع يعاني، حتى التربويون والأطباء النفسانيون والمرشدون الاجتماعيون يواجهون مشكلات في إقامة علاقات ممتازة مع أبنائهم المراهقين، وعلينا أن نكون مستعدين في بعض الأحيان لسماع ما لم نكن نتوقع سماعه، ورفض ما لم نكن نتوقع رفضه، والأجر على ذلك كبير إن شاء الله تعالي.

* توفير وقت للمشاركة:

لدى كل واحد منا من المشاغل والهموم ما يمكن أن يستغرق كل وقته وكل اهتماماته، ومن هنا فإن الأب الجيد  هو الذي يجعل أولاده من بين أولوياته، ويفكر دائماً في إيجاد وقت كافٍ للتواصل معهم ومشاركتهم في بعض أنشطتهم.

إن من مهام المربي أن ينقل القيم التي يؤمن بها إلى من يربيهم، وهذا لا يتم إلا عبر صلة روحية قوية بهم، وهذه الصلة تتوثق بالمخالطة والمشاركة في الاهتمامات.

أحد الآباء لا ينفصل بينه وبين ابنه المراهق سوى ثلاثة وعشرين عاماً، ولهذا فإنه كثيراً ما يشاركه اللعب، وكثيراً ما يأخذه معه للتسوق وشراء بعض حاجات المنزل، ويمشي معه إلى الصلاة، وحتى يطول الطريق فإنهما يصليان بعض الصلوات في مسجد بعيد نسبياً عن المنزل.. وخلال ذلك يدير مع ولده الكثير من الأحاديث حول وضع الأسرة، وحول دراسته، وأهدافه المستقبلية، وهو يدير الأحاديث مع ابنه بعفوية كاملة، وكثيراً ما يسوق بعض الطرف والنكات الجميلة التي تجعل ابنه يضحك والسرور يلمع في عينيه، ومع هذا فقد كان الأب يعرف ما يريد، وكان يحاول اسقاط الحواجز بينه وبين ابنه، وقد أحسَّ  أنه نجح في ذك حين رأي ابنه يشاوره في أمور حساسة يستحي الأبناء عادة مفاتحة آبائهم فيها، وصار الابن حريصاً على أن يكون في صحبة والده في زيارة بعض الأرحام، وهذا ما لا يرغب فيه كثير من المراهقين العاديين.

إحدى الأمهات كانت مثقفة ثقافة عالية، وكانت تكتب بعض الروايات الناجحة جداً وصار لها شهرة واسعة، لكنها مع هذا كانت تدرك أن نجاحها في تربية بناتها كان يتوقف على معايشتها لهنَّ على النحو الذي تفعله المرأة الريفية العادية؛ ولهذا فإنها كانت تقول لابنتها الكبرى: ما رأيك أن نقوم ونصنع النوع الفلاني من الحلوى حتى نفاجئ أباك في المساء، وكانت تتذاكر بين الفينة والفينة مع ابنتها الوسطى في إعادة ترتيب اثاث المنزل، كما كانت تجلس مع ابنتها الصغرى، وتحكي لها بعض الحكايات الجميلة والمسلية.

هذه الأم قالت يوماً لجارتها: أنا في تربيتي لبناتي أرفع شعار: نعم للمشاركة، ولا للمصارحة، إنني أحب أن اندمج مع بناتي في الكثير من المهمات والأعمال؛ لأن هذا هو الذي يجعل منهن ربات بيوت ناجحات في المستقبل، وفي الوقت ذاته لا أصرُّ عليهن أن يحدثنني عن كل شيء، ولا أقول لهنَّ كل ملاحظاتي عليهن؛ وذلك حتى لا يشعرون بأي فجوة تفصل بيني وبينهن.

كثير من الآباء والأمهات فوجئوا بوقوع أولادهم في أخطاء فاحشة، السبب أنهم كانوا لا يعرفون  أن المراهق إذا احتاج إلى أبيه، ولم يجده، فإنه سيعثر على شخص آخر، وهذا آخر قد يكون هو السبب في انحرافه!

* الاحترام المتبادل:

ليس من المألوف في أساليب التربية لدى معظم الشرقيين الحديث عن احترام الكبار للصغار، فنحن في الغالب نتحدث عن العطف على الصغارـ وحين نتحدث عن الاحترام، فإننا نتحدث عنه في سياق توبيخ الأطفال لأنهم لا يعاملوننا باحترام!

الاحترام هو: جو من التقدير والاهتمام ورؤية الإيجابيات والمراعاة المتبادلة…

الإنسان الذي يعامل غيره باحترام انسان تعود تلقي الاحترام من الآخرين، وهذا يدفعه إلى أن يحترم ذاته، واحترامه لذاته، يجعله يندفع في اتجاه احترام غيره، ولهذا فإننا نقول لمن يسئ إلينا: احترم نفسك، ولا نقول له: احترمنا؛ لأننا نعرف أن احترام الانسان لغيره فرع من احترامه لنفسه. نحن الكبار- بحكم وعينا واستشعارنا للمسؤولية- مطالبون بأن نؤسس لعلاقة الاحترام داخل أسرنا، ومن سلوكنا المحترم يتعلم الصغار كيف يحترمون أنفسهم، وكيف يحترموننا.

لو أحببنا نتخيل ما يفعله الأب المحترم والمهتم ببناء نفسية الاحترام لدى ولده، فما الذي يمكن أن نتصور يا ترى؟

في امكاننا أن نتخيل الآتي:

  • يخبر ولده في كل مناسبة بأنه يقدره، ويحترمه ويحبه، وهذا يدفع ابنه أن يقوم لأبيه وللآخرين: أنه يحترمهم ويقدرهم.
  • يعتقد أن احترامنا للشخص يعني أن نحترم مشاعره وآراءه ورغباته، فلا نقوم بتصرف يؤذي مشاعر الطفل، ويكدره، وحين نناقش قضية أسرية، فإن من حق المراهقين والمراهقات في الأسرة المشاركة في تلك المناقشة، وأخذ وجهات نظرهم بعين الاعتبار، وحين تستخرج الآراء ويجرى تصويت لاتخاذ قرار، فإن آراءهم وأصواتهم تعامل كما تعامل أصوات الكبار.
  • يعرف الأب الذي يعامل ابنه باحترام أن من السهل عليه أن يصرخ في وجهه، وأن يتجاهله ويتهكم به، لكنه يمتنع عن كل ذلك؛ لأنه يعرف أن استمرارنا في ارتكاب الخطأ مع المراهق، سوف يدفعه في النهاية إلى معاملتنا بالمثل: صراخ بصراخ، وتهديد بتهديد، وتجاهل بتجاهل..
  • يتذكر ما لدى ابنه من فضائل: مداومة على الصلاة، مثابرة في المذاكرة، تسامح، كرم، أمانة… هذا التذكر يجعل موقفه من خطأ ابنه منصفاً ومتوازناً، ويمكن لكل واحد من الأبوين أن يذكر الآخر بتلك الفضائل حين يغفل عنها، ويقسو على الابن في محاسبته على زلته.
  • يهتم بما يعده ابنه مهماً، فهو يهتم بيوم تخرجه، ويحاول حضور حفل التخرج، وإذا كان لديه معرض أو مشروع أو حدث يعده مهماً، فإنه يهتم به، ويشاركه فيه، ويعرب له عن سروره وإعجابه.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.