أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

بيت سيء السمعة

قراءة في رواية “بيت سيء السمعة”
للأاديب الراحل “نجيب محفوظ”

بقلم: نجوى الجزائري

لا أدري لما ذكرني نجيب محفوظ في سلسلته القصصية هذه برأي العقاد في “شجرته” حيث لم يترك آفة من آفات المكر، الغواية و الخداع ووو إلا و علقها قلادات و أوسمة على صدر المرأة حيث يقول ( فالمرأة مزودة بوسائل الغواية، موكَّلة بالمخالفة والامتناع …و هي تغوي لأنها ينبغي أن تُرادْ ولا ينبغي أن تريد وهي تشتهي المخالفة لأنها تُؤمَر وتُنهى، أو لأنها رهينة بإرادة الآخرين) ، فاقترنت صورة المرأة لدى كل من محفوظ و العقاد بالغواية و المكر و الخضوع.

 

بيت سيئ السمعة هي مجموعة قصصية لنجيب محفوظ تختزل المجتمع المصري في فترة معينة بأقنعة لشخصيات تحكمها العادات، التقاليد و العرف المصري و تدخل أيضاً في عمق التأريخ ، علم النفس و البيئة المصرية من خلال أبطالها و ازقتها ، في ثماني عشرة قصة قصيرة تعددت العناوين قبيل الرحيل، حلم نصف الليل، قوس قزح ، الصمت، بيت سيئ السمعة، القهوة الخالية ، الخوف، الرماد، الهارب من الإعدام ، سائق القطار، عابرو السبيل، يوم حافل … و عناوين أخرى حملت من الرمزية ما ثَقُل به قلمُ محفوظ.

نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006)، والمعروف باسمه الأدبي نجيب محفوظ، روائي وكاتب مصري ، يُعد أول أديب عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب، كتب نجيب محفوظ منذ الثلاثينات، واستمر حتي 2004 ، تدور أحداث جميع رواياته في مصر، وتظهر فيها سمة متكررة هي الحارة التي تعادل العالم ، من أشهر أعماله: الثلاثية، وأولاد حارتنا، والتي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها وحتي وقتٍ قريب ، بينما يُصنف أدب محفوظ باعتباره أدباً واقعياً، فإن مواضيعاً وجودية تظهر فيه ، محفوظ هو أكثر أديب عربي نُقلت أعماله إلي السينما والتلفزيون.

 

بيت سيئ السمعة (القصة الخامسة من السلسلة و هي العنوان الذي إختاره محفوظ لها)

(…في بيئة مصرية محافظة جداً حيث كل بيتٍ ينطوي علي نفسه كالسر ، النساء عورة الحب حرام، الزواج إجراء من اختصاص الرجال و العروس آخر من يعلم… هناك بيت واحد كسر العرف، العادات و العقل ، بيت (آل حلاوة ) بيت سيئ السمعة ، تخرج الزوجة الأم سافرة الوجه مع بناتها لدور السينما و المسرح و هن في كامل زينتهن ، يقمن السهرات و الحفلات المختلطة نهاية كل أسبوع …) يتعرف أحمد على ميمي (بنت من البيت سيء السمعة) يعجبا ببعضهما البعض ، يتفقان سراً على اللقاء في حقيقة الحيوانات ، توافيه ميمي إلى هناك ، يتحدثان عن مصير حبهما ، ميمي الجريئة (كل كلمة جادت بها كانت كشفاً جديداً و جرأة مذهلة ) تريد علاقة حب في العلن تقترح أن يأتي أحمد لخطبتها ، يتلكأ أحمد و يفكر (تخيل طلبه الارتباط ببنت من البيت السيئ السمعة بتعاسة و رعب !!) فلم يملك الشجاهة لذلك بينما تواجهه ميمي بحقيقة أخيه المتزوج من ثلاث نساء في وقت واحد في السر !! ، المفارقة أن نجيب محفوظ جعلَ من بنات البيت سيئ يتزوجن الواحدة تلو الأخرى (رغم ما شاع عن سمعتهن و أنهن لم يخلقن للزواج )و كن موفقات في زواجهن ، بينما نجد باقي نساء قصصه في هذه المجموعة نساء عاهرات مخادعات و ماكرات !!!

 

المرأة في قصص نجيب محفوظ :

تعكس صورة المرأة في الأدب سواء العربي أو الغربي عادات، عرف، قيم وثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه و تعكس أيضاً وضعيتها، دورها و مكانتها الاجتماعية داخله، لكن السؤال الأهم هو: هل يعكس الأدب حقاً و صدقاً الصورة الحقيقة لها أم يعطي أحيانا صوراً مغلوطة تحمل جانباً واحداً (مظلم) عن عالمها الخاص ، أم يضفي بعض الحياد و الميول و المواقف الشخصية إتجاهها ؟؟

نجيب محفوظ في هذه المجموعة القصصية تحت عنوان :بيت سيء السمعة و في ثماني قصص من أصل ثمانية عشرة قصة قصيرة برزت صورة المرأة المصرية كما صورها لنا نجيب محفوظ فنجد : المرأة الساقطة بائعة الهوى ، الأرملة الفاتنة التي تتسكع بالشوارع تترصدها الأعين ، الجارة التي تغوي الرجل المتزوج ، زميلة فاتنة بالمكتب تسبب صراع بين الزملاء كما نجد امرأة من عائلة سيئة السمعة متحررة و خارجة عن العادات و التقاليد و العرف المصري .

 

– بالإضافة إلى قصة بيت سيئ السمعة و موضوعها المتمثل في عدم الحكم على الناس من خلال المظاهر الخارجية و عدم رمي الناس بالحجارة لأن كل بيوتنا من زجاج ، تنوعت موضوعات نجيب محفوظ في هذه السلسلة فرأينا أيضاً قصة (الرحيل)و كيف تتلاعب الدنيا بالإنسان تجعله يصرف ماله، وقته و دمه أحيانا لكن الدنيا خدعته في النهاية ، موضوع تعدد الحكام للبلاد الواحدة و الشعب يئن تحت وطأة حاكم ديكتاتوري ، صراع بين العقل و القلب و في قصة( الصمت) كيف يجدر بنا الصمت حين لا يفهمنا المجتمع و لكل منا صمته و مواضيع أخرى لا تقل براعة و بلاغة و تعمقاً أيضاً في النفس البشرية و تعقيداتها و أحلامها.

 

– تظهرُ جلياً الرؤية الخارجية (ذات الاتجاه الكلاسيكي) لرواية بيت سيء السمعة حيث يظهر فيها الراوي نجيب محفوظ ، المحيط علماً بالظاهر والباطن والذي يقدّم مادته دون إشارة لمصدر معلوماته ، أي خالق و عليم بشكل مطلق و كلّي بعالم قصصه و بأبطالها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، و يستطيع أن يعرف، يرى و يسمع ما يدور بخلد شخصياته الروائية بل و حتى بخلاجتهم و أحلامهم ، بالإضافة فهو ينتقل في الزمان والمكان دون معاناة ويرفع أسقف المنازل فيرى ما بداخلها وما في خارجها ويشق قلوب الشخصيات ويغوص فيها ويتعرف على أخفى الدوافع وأعمق الخلجات و الأحلام …إلخ ، كما تسلسلت أحداث القصص وفق زمن تصاعدي إحترم فيها نجيب محفوظ التسلسل الكرونولوجيكي للأحدات حيث تصعد جلها من بداية القصة إلى نهايتها في سرد رائع و مشوق و في صورة و مشاهد تشويقية و لقطات لسيناريو متقن الصنع لم يَحد عنه ممثلون نجيب محفوظ و أدوا دورهم ببراعة من بين سطور نجيب محفوظ.

 

كيف جعل نجيب محفوظ من بضع صفحات … سيناريوهات و قصصا مذهلة و رائعة كادت تكون روايات أو ربما كانت!

في ثماني عشرة قصة قصيرة، تقل أحيانا عن العشر صفحات ،تعددت فيها مواضيع نجيب محفوظ و تميزت أيضا بحضور عشرات الوجوه المتعبة الباحثة عن معنى للحياة للاستمرارية للمقاومة في ظل ظروف كالخوف، شبح الموت ، الحزن ، الأمل ، الحب السعادة ، الشهرة و المال ، جعل محفوظ من هذه القصص تأريخاً و سجلا اجتماعياً لمصر في زمن معين (تحديداً يعود في أغلب قصصه إلى سنة 1925 م وصولا لسنة 1930 م ) إذ نقل – بصدق و بفن من خلال قلمه – واقع الوعي المصري آنذاك وتفاصيل الحياة اليومية الاعتيادية في حواري وأزقة مصر الشعبية مع بروز شبح الحرب العالمية الثانية و ترقب الناس لاندلاع الحرب و دوي صفارات الإنذار ، كانت هذه القصص القصيرة ربما مشروع روايات أطول و أعمق مثل رواية الحرافيش التي تشبه إلى حدٍ ما القصة القصيرة هنا بعنوان الخوف.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.