قصص قصيرة مختارات مرئيات مقالات

قصة قصيرة: صورة رقم 4

كتبت الأستاذة رشال صالح:

دخل إلى محطة القطار حاملا حقيبته الصغيرة وكان يرتدي بذته الكلاسيكية الأنيقة ،خصلات شعره الناعم تداعب جبينه ،كانت نظراته ثابته ليس من أولئك البشر الذين يلجؤون الي الخيال ولا يعقدون محادثات مع النفس ،كان جادا دائما أكثر ما يشغله هو عمله وهو بارع في الأرقام ومعرفة النتائج والاستنتاجات وكيفية الحوار والجدال واحراج الخصم وهو صاحب مظهر مبهر واثق  بنفسه وكلامه منمق دائما .

وجد أن القطار قد تأخر ومازال أمامه الكثير من الوقت ، ففضل احتساء فنجال من القهوة علي مقهي المحطة وقراءة بعض الأخبار في الجريدة التي اشتراها للتو ،جلس علي الكرسي ووضع قدم فوق قدم ورفع كم قميصه حتي تظهر ساعته باهظة الثمن وطالع الأخبار باهتمام وكأنه أول مرة يسمعها رغم أنه طالعها في نشرة أخبار الصباح علي التلفاز ولكنه يحب أن يشغل نفسه بالمشاكل العالمية ويقضي وقته في تحليل الأحداث ربما يملأ ذلك خواؤه الداخلي .

وعلي المقعد المقابل جلست فتاة شابة في العشرين من عمرها ضحوكة وبشوشة ، رقيقة الحس وعميقة العينين كانت تطالع كتابها في صمت وهو رآها ولكنه كان يتجاهلها عن عمد و كان يظهر عليها تفاعلها مع كتابها كانت تارة ًتبتسم وتارةً تعبس ..كانت تعابيرها تخطف القلوب وكان هو يتأملها من بعيد دون أن تراه ..

وجاء القطار وللصدفة كان مقعدهما بجانب بعضهمها البعض، شعرت بالخجل منه أما هو فحياها وبدأ في الحديث وهي ببراءة كانت تجيب عن أسئلته  وتتحدث ..

رأته جميلاً وبهرها حديثه ولكنها حين تأملت عيناه خافت منه ، رأت روحه باهته وعيناه جامدتان ولكنها استمرت في الحديث ورغم خوفها منه أحبته …

ومضت السنون وبعدها في نفس المحطة وفي نفس القطار جلسا بجانب بعضهما البعض ولكنها لم تكن بنفس البشاشة والسعاة وعيناها العميقتان أصبح يملؤهما الحزن ورغم ما كان حولهما من مظاهر الفرح إلا أن دمعة نزلت من عينيها علي خدها ببطء وحينما لاحظ أخذ حقيبته وهم بالرحيل وقال لها لا تبكي ..

قالت .. إني لا أبكيك ولكني أبكي نفسي .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.