قادة وأعلام مقالات

نوري جعفر العالم الحالم

الأستاذ الدكتور علي المرهج يكتب:

نوري جعفر العالم الحالم (القسم الأول)

سلسلة مفكرون عراقيون/5

إنه القادم الحالم من أقاصي جنوب العراق الدكتور نوري جعفر (1914ـ 1991) ابن البصرة والميناء ونخيلها الباسق، فتمكن من أن يكون نخلة عراقية باسقة ومثمرة.

كتب عنه الأستاذ باسم عبدالحميد حمودي مقالاً بعنوان (بورتريت: نوري جعفر) المنشور في ملحق المدى الخاص باستذكار نوري جعفر (العدد 2001، لسنة 2010)، وهو بظني من أفضل المقالات التفصيلية عن حياته وإبداعاته، ولا أريد هنا تكرار ما كتبه حمودي، ولكن لا يُمكن الاستغناء عن ثراء ما في المقال من معلومات.

في مقال لأستاذنا مدني صالح بعنوان (تاريخ أول شبعة وأول جواريب) كتبه عن الكبير نوري جعفر، قصد منه تاريخ توثيق لأهم مفكر عصامي في العراق، ومعروفة قصة نوري جعفر للمهتمين، فهو الذي تخرج من الإعدادية بتميز في بدايات الحكم الملكي، وكان يأمل أن يُكمل دراسته في كلية الطب، ولأنه لمن عائلة فقيرة، لم يتسن له القبول في كلية الطب التي كان يحلم بالدراسة فيها، فذهب إلى بغداد قادماً من البصرة على مركب نهري بعد أن قبل صاحب المركب أن يقلّه مجاناً، فلم تكن عنده آنذاك أجرة النقل إلى بغداد.

كان يعد المدن والمسافات بين بغداد والبصرة مندهشاً، فلم ير سو القرنة وقريته منقبل!!.

هو ابن عائلة فلاحية فقيرة الحال، أبية النفس، وبعد أن ذهب إلى كلية الطب لتقديم أوراقه، نصحه عميد كلية الطب أو المشرف عليها آنذاك سندرسن باشا بالذهاب للدراسة في دار المعلمين العالية، لعدم قدرته وعائلته على دفع تكاليف الدراسة في كلية الطب، فذهب إلى كلية دار المعلمين العالية، وكان عميدها (د.متي عقراوي)، فدخل إلى مكتب العميد كما يروي نور جعفر بنفسه، بالقول:”أنا رجل قروي، جاء ببنطلون لا أعرف شكله و (الدشداشة) داخلة فيه، يمكن فكر أنني عامل..كذا قال: ماذا تُريد؟ قُلت سيدي: جئت لأقدم أوراقي إلى الكلية. قال ما اسمك؟ ذكرت له إسمي، قال: انتهى القبول..وأخذنا الملفات..تراجعت..لكنه حين نظر إلى درجاتي.. قبلني الرجل، ورعاني رعاية كبيرة. تخرجت من الكلية، فكنت الأول على الدورة، كُنا ستة، خمسة طلاب وطالبة واحدة” (حوار أجراه معه د.عبدالكريم راضي جعفر).

فيروي أستاذنا أن عميد كلية الطب حينما شاهد حال نوري جعفر طلب من أحد العاملين في مكتبه وأعطاه مبلغاً بسيطاً من المال، ليشتري لنوري جعفر ملابساً جديدة، ويدخله لمطعم جيد من مطاعم بغداد، وقد حصل ذلك مع توصية لعميد دار المعلمين العالي بقبوله والاهتمام به، فكانت هذه بحسب ما يرى مدني صالح في مقاله هي بالنسبة لنوري جعفر “تاريخ أول شبعة وأول جواريب) ليكون فيما بعد نوري جعفر من أهم علماء العراق في التربية وعلم النفس، ومثلما ختم مقاله عنه مدني صالح بالقول “خسرت كلية الطب عالماً وكسبته دار المعلمين العالية)!.

حصل على الماجستير في الفلسفة وعلم النفس من جامعة أوهايو عام 1948، وأكمل دراسته للدكتوراه في ذات الجامعة بأمريكا، وتتلمذ على يد الفيلسوف الأمريكي جون دوي عام 1949، ولا يحتاج جون دوي إلى تعريف، فهو فيلسوف التربية الأهم في أمريكا، وطكانت أطروحته للدكتوراه بعنوان: (فلسفة جون دوي التربوية وتطبيقاتها في العراق) على الرغم من أن نوري جعفر لم يكتف بما قدمه له جون دوي من معرفة، فذهب لتطوير رؤاه وأفكاره بالافادة من مدارس التربية الروسية والألمانية، لا سيما تقديمه لنظرية بافلوف في ما يُسمى بـ “الاقتران الشرطي”.

لم يهتم نوري جعفر فقط بنظريات التربية وعلم النفس ببعدها النظري التأملي، فقد عمل على دراسة فسلجة الدماغ، وطبيعة الفكر في ضوء العلم الحديث، بل ودراسة الجهاز العصبي المركزي وعلم الفسلجة وعلوم البايلوجيا، ليعرف مقدار العلاقة بين العواطف الإنسانية الفطرية، ورد الفعل المنعكس من الجهاز العصبي، فقدم لنا مجموعة من المؤلفات التي تُعرفنا بهذه النظريات المعاصرة في وقته، ولم يطلع عليها العرب من قبل.

ذكر لي دكتور عبدالإله كمال الدين في تعليقه على هذا المنشور أن الحرس القومي اعتقل نوري جعفر في عام 1963.

الغريب ان الدكتور عبدالإله يذكر أيضاً أن سائق تكسي في ليبيا اغتاله!!، فهل كان اغتياله صدفة؟!.

من أهم ما كتب:

ـ الفكرـ طبيعته وتطوره 1970. ــ الجهاز العصبي المركزي 1970. ــ طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف 1971. ــ جذور الإبداع لكل الناس 1986…وغيرها من الكتب ما يربو على 36 كتباً ومئات الأبحاث في تى تنوعات الفكر والأدب، حتى في الخيال العلمي وأدب الطفل.

له كتب في الفكر الديني مثل كتاب: علي ومناوئوه 1956، وكتب: فلسفة الحكم عند الإمام، 1957، وله كتاب خطير بعنوان: الصراع الأموي ومبادئ الإسلام، 1952.

ألف كتباً في الأدب والشعر، من بينها كتاب: الأصالة في شعر أبي الطيب المتنبي، أصولها الدماغية وجذورها الاجتماعية في ضوء فسلجة بافلوف 1976.

من كتبه المهمة على صغر حجمها هو كتاب: الثورة ــ مقدماتها ونتائجها، عام 1958، وهي في منضمونه تعريف ودفاع عن الثورة وتبني لثورة عبدالكريم قاسم 1958.

أصدر كتاباً عن أستاذه الفيلسوف جون دوي، جون دوي، حياته وفلسفته، 1954،عرفاناً منه بجميله واكبار له على ما قدمه من رؤى معرفية في الفلسفة والتربية، وقد أخذ عنه مفهوم “التواصل” أو علاقة الفرد بالبيئة، لا سيما الطفل، فهو كأستاذه لا يؤمن بقدرات العقل التجريدية، إنما يؤمن بأن قدرات الإنسان تنمو عبر اتصال الإنسان بالعالم والطبيعة والمجتمع، على قاعدة أستاذه جون دوي في كتابه “الفن خبرة”، لذا هو أميل لربط الرياضيات رغم بعدها النظري بعوالم الوجود الطبيعي، وهذا ما تنبه له د.جمال العتاب عنه في مقاله (مشروع نوري جعفر الوطني) المنشور في ملحق المدى الخاص باستذكار نوري جعفر (العدد 2001، لسنة 2010).

من لطيف ما يذكره عن علاقته بجون دوي أنه صار صديقاً عائلياً له، وأهداه بعض من كتبه، وضيفه في شقة عنده في نيويورك لمدة شهر كامل، وكان يحفظ ل جملاً من كتبه ويقرأها لجون دوي، وكأن ما يكتبه جون دوي هي أقوال نوري جعفر، أو أن جون دوي يتحدث بما يرغبي بقوله جون دوي!.

من كثر شغفه بفلسفة دوي ألف كتاب: فلسفة التربية 1959. (يُنظر: عبدالمهدي عبدالرضا وماهر خضير هاشم: تنظير الدكتور نوري جعفر في تفسير نشأة اللغة فسلجياً ونفسياً).

 

في كتابه: التاريخ، مجاله وفلسفته 1959، يعرض نوري جعفر رؤيته لأسس التاريخ وصعوبات تدوينه المرتبطة في نزوع المؤرخ الأيديولوجي أو في نشأته الاجتماعية، أو في ظروف الزمن السياسي الذي يكتب به المؤرخ تاريخه، لتجد المؤرخ ينتقي من التاريخ وما يوافق نظرته ويحميه من خطر يُهدده سياسي، ربما، أو عقائدي (أيديولوجي) وقل ديني يصح قولك.

انتقد بجرأة أهم فلسفات التريخ، ألا وهي التفسير الجغرافي للتاريخ، والتفسير الروحي للتاريخ، والتفسير المادي للتاريخ، والتفسير الدوري للتاريخ، (ينظر ياسر جاسم قاسم: نوري جعفر وقراءة التاريخ، ملف جريدة المدى سابق الذكر).

ما تستغرب له وتندهش هو قدرة هذا الرجل (العالم) على ولوج أكثر من مجال، فتجده به بحاراً يُجيد الإبحار ولا يخشى صعود الأمواج وهبوطها ولا مدها ولا جزرها، لا يهاب خطر تنوعها!!.

(واثق الخطوة يمشي ملكاً).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.