ادارة و اقتصاد عروض كتب مقالات

قصة الاقتصاد المصري

كتاب كل يوم جمعة (41) تاريخ ضد التيار (2/4) قصة الاقتصاد المصري

كتب الدكتور وسام محمد:

سوف يقولون لك «لا تنمية دون قروض اقتصادية».

سوف يقولون لك «القروض الاقتصادية تجري على العالم كله، أنه طبيعة الاقتصاد الحديث».

سوف يعقدون المؤتمرات، ويلقون الخطب البليغة، ويسودون آلاف صفحات الكتب والمجلات والأبحاث، ليقنعوك أن القروض لا مناص منها.

إنهم يكذبون عليك.

وضد تيار النظام الاقتصادي الربوي العالمي وتاريخه الذي كتب بدقة حتى يقنع الكافة أن السم دواء، يضع عالم الاقتصاد والمفكر المصري (جلال أمين) مؤلفه (قصة الاقتصاد المصري في علاقته بالعالم من محمد علي إلى حسني مبارك) متتبعًا التاريخ الأسود لتقييد مصر بقيود المصارف الربوية الدولية.

في هذا الكتاب الصغير، يلقى جلال أمين خلف ظهره تلك الرواية التاريخية التي يروجها مثقفو النظام الاقتصادي الربوي عن ضرورة وحتمية القروض الربوية في عملية التنمية، ويتتبع تمويل التنمية في مصر من عصر محمد علي حتى تاريخ تأليف الكتاب، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن أمين، وبحكم كونه عالم اقتصاد، فإنما كان همه في هذا الكتاب التنمية الاقتصادية، وليست التنمية الشاملة التي تعتبر مجالات أخرى إلى جانب الاقتصاد، ومع ذلك فإن الاقتصاد لا يزال ركن ركينًا من أركان التنمية الشاملة، ولذلك فالكتاب بأي حال طرح قيمًا عن موضوع حيوي يهم كل مصري، ويهم كل إنسان يريد أن يتعلم من مرارات التاريخ حتى لا يتكرر هذا التاريخ المر.

الكتاب في مقدمة وثلاثة عشر فصلًا. المقدمة فيطرح فيه المؤلف مسحًا لأهم ما كتب في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث، ويبين دوافعه من تأليف الكتاب الذي نعرضه اليوم. أما الفصل الأول، وعنوانه (عصر محمد علي، تنمية بلا ديون)، وفي هذا الفصل يستكشف المؤلف سياسة محمد علي الاقتصادية؛ ويقر أمين بأن تجربة محمد علي الاقتصادية لم تكن مستقلة بمعنى استقلال الاقتصاد المصري عن الاقتصاد العالمي، بل أنه يصرح أن الاقتصاد المصري في عصر محمد علي كان أكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي في أي عصر مضى، ولكنها كانت تجربة في (الاعتماد على النفس) بعبارة أمين، أو قل تجربة استقلال القرار الاقتصادي بعبارة أخرى، وهو الأمر الذي تحقق من خلال ثلاثة مقاربات؛ الاكتفاء الذاتي في الغذاء، والندية في التعامل مع الشريك التجاري، والتمويل الداخلي للمشروعات ودون الاستدانة من المصارف الربوية. ثم ينتقل المؤلف في الفصل الثاني المعنون (سعيد باشا، ديون بلا تنمية)، وفي هذا الفصل يحاول أن يتتبع كيف بدأت القصة المحزنة للاستدانة من المصارف الربوية، دون أن تستخدم هذه الديون بطريقة منتجة، ويعرض أمين وجهة نظره في سبب بدأ هذه المحنة من حيث أن الدين في النظام الربوي العالمي سلعة، جيب الترويج لها وفتح أسواق جديدة لها باستمرار، وفي عصر سعيد باشا كانت مصر السوق الجديدة المستهدفة.

الفصل الثالث، وعنوانه (عصر إسماعيل، الاستدانة في عصر الرخاء)، وهو الفصل الأهم في نظري، لأنه يشرح التقنيات التي استخدمتها المؤسسات الربوية في إغراق مصر بالديون، وهذه التقنيات تنقسم إلى مجموعتين من التقنيات، الأولى الترويج لمشروعات غير ذات مردود اللهم إلا تلميع صورة إسماعيل كحاكم على النسق الأوروبي، والثانية إدارة الدين بصورة تعمل فقط في مصلحة الدائن دون المدين، كأن يتم احتساب مصاريف خدمة الدين المبدئية من قيمة الدين نفسه، فبالتالي تصبح القيمة المستلمة واقعًا من الدين أقل من القيمة الإسمية؛ إلى جانب مناقشة تقنيات الاستعباد الربوي، يناقش أمين الفشل الكامل لإسماعيل ورجاله في الاستفادة من الرخاء الناتج عن انتعاش سوق القطن المصري

الفصل الرابع، وعنوانه (عصر الاحتلال، الاقتصاد المصري في خدمة الدائنين)، وفيه يتناول كيف تحول الاستعباد الاقتصادي إلى احتلال عسكري وهيمنة اقتصادية، ومن ثم كيف تم توظيف هذا الاحتلال العسكري لخدمة مصالح المصارف الربوية، وكيف تم إعادة هيكلة اقتصاد البلاد دون أدنى اعتبار لمصالح المصريين من أجل تعظيم أرباح هذا الاقتصاد والتي يتم حلبها عن طريق الدين والفوائد الربوية لحساب المصارف الربوية؛ ويجب الإشارة إلى نهايات هذا الفصل، والتي يبين فيها المؤلف كيف نجحت مصر بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية في سداد ديونها، لتعود من جديد وتسقط في دوامة الديون، بسبب ارتباط متخذ القرار بالنظام الربوي العالمي.

الفصل الخامس، وعنوانه (ديون عبد الناصر)، ويؤرخ فيه لحقبة اقتصادية تمتد من 1956 وحتى 1967، ويقارن فيه عناصر النظام الاقتصادي لهذه الحقبة مع حقبة محمد علي التي ناقشها في الفصل الأول؛ ومن ثم يعرض الجوانب السلبية والايجابية في هذه الفترة، فمن الإيجابيات ارتفاع نسبة نصيب الصناعة الوطنية من الدخل العام، وتحسن الأوضاع الاجتماعية والثقافية للعمال؛ أما السلبيات فتخبط السياسيات وزيادة الانفاق العسكري، ولما كانت السلبيات أكبر من الإيجابيات، أنتهى الحال للوقوع في فخ الديون من جديد، وإن كان أمين يرى أن هذه الديون كان لها ما يبررها، وأن عقودها أبرمت بما لا يضير مصلحة مصر؛ ولكن هذا الحال سرعان ما ينقلب، ونتيجة الهزيمة العسكرية في عام 1967، يبدأ الانكماش في الاقتصاد المصري في التسارع، ويزيد الاعتماد على القروض على النحو الذي يناقشه أمين في الفصل السادس المسمى (نكسة الاقتصاد المصري).

الفصل السابع، وعنوانه (ديون السادات في السنوات العجاف)، وفيه يتناول المرحلة الأولى من حكم السادات التي تميزت بضعف الأداء الاقتصادي عامة بسبب توجهه بالكامل إلى الحرب، وهو ما أدى إلى التوسع في الديون؛ ويعتبر الفصل الثامن امتداد زمني وموضوعي لهذا الفصل، وهو الفصل الذي يسميه المؤلف (ديون السادات في سنوات الرخاء) وفيه يبحث في أسباب الديون التي اقترضها السادات، والتي يعتبرها غير مبررة وأنفقت في غير محلها، وقد تسببت مع السياسات الاقتصادية التي تبنتها حكومات السادات في تركيع الاقتصاد المصري على نحو لم يحدث من قبل.
الفصل التاسع، وعنوانه (ديون مبارك)، والذي يبدأه بأن مبارك على الرغم أنه كان المسئول الأول عن الملف الاقتصادي في سنوات حكم السادات الأخيرة، إلا أنه حاول في 1982 إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية، إلا أن الارتباط الذي نشأ بين أليات اتخاذ القرار الاقتصادي في مصر في عصر السادات، والمؤسسات الاقتصادية العالمية جعل عملية إعادة الهيكلة مجرد عملية شكلية، ولم ينخفض الاعتماد على الديون الخارجية، وتم تمويل الانفاق الحكومي المتزايد من الديون الخارجية التي تضاعفت بسرعة على النحو الذي يرصده المؤلف رقميًا، وهو ما أدى إلى حالة من جمود النمو الاقتصادي وتراجعه، وهو ما هدد الاستقرار الاجتماعي المصري على النحو الذي يؤرخ له المؤلف في الفصل العاشر المسمى (يوم الحساب).

الفصول الثلاثة التالية، والتي تمثل عدد صفحاتها ما يزيد عن ثلث الكتاب، ضمتها طبعة 2012، وتتعلق كلها بالسياسات الاقتصادية في عصر مبارك والمتعلقة بالاقتراض، في الفترة من 1986 وحتى 2009. الفصل الحادي عشر، وعنوانه (عقدان من الانكماش الاقتصادي)، ويناقش فيه تصاعد الاعتماد على القروض الأجنبية في تسيير الدولة نفسها، وتحول الاقتراض إلى سياسة عامة، وهو ما اخضع الاقتصاد المصري لشروط المؤسسات الدولية الربوية وهو ما أدى إلى سياسة الخصخصة وفتح الأبواب للاستثمارات الأجنبية مع أقل قيود ممكنة وهو ما أدى في واقع الحال إلى خروج قسم كبير من الأصول الاقتصادية المصرية من مصر، وهو الأمر الذي يناقشه في الفصل الثاني عشر والذي عنونه (الاستثمارات الأجنبية والأزمة العالمية).

أما الفصل الأخير، الفصل الثالث عشر، والمعنون (محاولة لتفسير تطور الاقتصاد المصري في مائتي عام)، فيحاول فيه المؤلف أن يضع نظرية يبحث من خلالها عن الخلل الذي أدى للوضع الاقتصادي الذي يناقشه، والخصائص الموضوعية للاقتصاد المصري التي ينبغي استغلالها لقيادة الاقتصاد المصري على الطريق الصحيح.

لست أزعم أن الكتاب فريد في موضوعه، التاريخ الاقتصادي لمصر، بل أن هناك كتب لمتخصصين هي أوسع وأعمق تناولًا منه، ولكن (قصة الاقتصاد المصري)، وبعكس هذه الكتب، لم يكتب للمتخصصين، بل كتب لكل من يقرأ ويريد أن يعرف ما الذي حدث، ولعله جلال أمين يوم أن كتبه كان يرجو أن يكون كتابه هذا دليل لشباب يسعون للتغيير، ولكن الكتاب ينشر عام 1987 في مناخ ثقافي راكد، ورغم احتفاء المثقفين التقليديين بالكتاب، إلا أنه ظل حبيس مجتمع النخبة؛ وقد خبرني أحد العاملين في حقل النشر، أن الناشر أراد إصدار طبعة جديدة للكتاب تحتوي على تعديلات على الطبعة الأولى، وأن الكتاب كان جاهز للنشر في منتصف عام 2010، ولكن ظروف حالت دون هذا المشروع، لتخرج هذه الطبعة في ربيع 2012، ليتلقاها الجمهور الذي كتبت من أجله قبولًا حسنًا، وتصبح موضوع نقاشاتهم في منتدياتهم، تساعدهم على فهم ما الذي حدث.

جلال أمين (1965-2018)، مفكر اقتصادي مصري، وهو الابن الأصغر للأديب أحمد أمين، وأخو الكاتب والمفكر حسين أمين؛ وقد عمل جلال أمين في الحقل الأكاديمي منذ تخرجه من جامعة القاهرة عام 1955، وله العديد من المؤلفات المهمة منها (عصر الجماهير الغفيرة) و(عصر التشهير بالعرب والمسلمين).
مودتي.
#كتاب_كل_يوم_جمعة

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.