دراسات وأبحاث سياسة مختارات مقالات

دراسة: الدور الدبلوماسي الأمريكي في أزمة سد النهضة الإثيوبي

ورقة بحثية بعنوان:

الدور الدبلوماسي الأمريكي في أزمة سد النهضة الإثيوبي

 

إعداد الباحثة/ رزان السعافين

مقدمة:

تتبلور مصالح الدول وفقا لمصالحها وعلاقاتها مع الأطراف الدولية التي تتأثر بها تلقائيا وفق السياسة المقتضاة في مختلف المجالات.

ولأن الدول العربية منقسمة داخليا وتأخذ في حل أزماتها سنينا طويلة، فغدت مبادرة أو موافقة أحد أطراف النزاع في عرض قضية ما على الولايات المتحدة الأمريكية غاية تبرر وسيلة مطلب المصلحة، بغض النظر عن القواسم المشتركة من لغة ودين وجغرافيا وغيرها.

وهذا ما جعل مصر مؤخرا تتمسك بالموقف الأمريكي بغض النظر عن موافقة إثيوبيا في قضية سد النهضة الإثيوبي الذي أخذ عقودا من الزمان في أزمته، فتعتبره إثيوبيا المورد المالي الذي تتغنّى وتغتني به البلاد اقتصاديا وتراثيا، ومصر باعتباره السد ذي الأثر على الأمن القومي المصري.

تقول راوية توفيق، وهي أكاديمية مصرية تعمل في ألمانيا: “يجري حاليا تغيير قواعد اللعبة تماما، هناك نظام جديد يبدأ إرساؤه في المنطقة برمتها”.[1]

وبينما تعتزم إثيوبيا بدء سداد مستحقات استثماراتها في أقرب وقت ممكن، تخشى مصر من حدوث خلل خطير في النيل الأزرق، الذي يضخ 86% من المياه التي تصل إلى مصر، مما يؤدي إلى تفاقم البطالة والفقر، ويعد الموضوع أيضا بالنسبة للمصريين مسألة فخر وطني[2].

وإن الخلافات حول السد تهدد باندلاع صراع إقليمي، وتحاول إثيوبيا استمالة السودان، الذي يتسم موقفه بالتقلب؛ لأنه يمكن أن يستفيد ليس فقط من إمدادات الكهرباء، بل أيضا من تنظيم تدفق مياه النهر.[3]
وبهذا نستعرض لمحات عن ماهية هذا السد، وكيفية ظهور الأزمة وتداعياتها، ومراحل سريعة لتطورها إلى مطلع عام 2020م الذي انتهى بالموقف الدبلوماسي الأمريكي ودوره في حل أزمة سد النهضة الإثيوبي.
وتكمن أهمية الدراسة بلفت نظر الدارسين خاصة المهتمين في البحث حول هذه القضية إلى طبيعة تبدل مصالح بلد ما في التعاون مع الدول العظمى، من أجل تقوية شوكتها بأن تسعى للتحرر من أزمة لصالح أمنها القومي وازدهاره، وهنا نعرض دور الوساطة الدولية الأمريكية في قضية سد النهضة، وتمسك مصر بذلك.

ولعلها البداية لحل الموضوع من جذوره بشكل إيجابي من طرف واحد دون الآخر، أو تكون سلبية على الطرفين في العلاقات العربية بين الدولتين “مصر وإثيوبيا” وقواسمهما المشتركة.  وتأسيساَ على ما سبق تبرز مشكلة الدراسة في التساؤل التالي: إلى أي مدى يمكن التعويل على الوساطة الأمريكية بين مصر وأثيوبيا في حل أزمة سد النهضة الأثيوبي؟

حول سد النهضة:

يقع سد النهضة في نهاية النيل الأزرق، داخل الحدود الإثيوبية، في منطقة بنى شنقول جوموز، وعلى بعد 20-40 كم من الحدود السودانية، خط عرض 6´-511 جنوباً، و9´- 535 شمالاً، على ارتفاع نحو 500-600 م فوق سطح البحر، ويصل متوسط الأمطار في منطقة السد نحو 800 مم/ سنوياً.[4]
ويجب أن يبدأ هذا المشروع بإنتاج الكهرباء بحلول عام 2020، وأن يشغل بشكل كامل بحلول عام 2022م. وفي عام 1959، حصلت مصر بموجب اتفاق مع الخرطوم حول توزيع مياه النيل، على حصة بنسبة 66% من كمية التدفق السنوي للنيل، مقابل 22% للسودان. لكن في عام 2010، وقعت دول حوض النيل على اتفاق جديد رغم معارضة مصر والسودان، ينص على إلغاء حق النقض الذي تتمتع به مصر، ويسمح بإقامة مشاريع ري ومشاريع سدود لإنتاج الطاقة.[5]

يوجد لدى سد النهضة عدة مسميات منها: سد الألفية، سد الحدود، سد هيداسي، وبعد وضع حجر الأساس له في أبريل 2011 تغير اسمه ليصير “سد النهضة الأثيوبي الكبير”، حيث أعلنت الحكومة الأثيوبية في الثاني من أبريل 2012 تدشين مشروع سد النهضة وإسناده إلى  شركة “سالينى” الإيطالية، وأطلقت عليه مشروع  “إكس”، وذلك بهدف توليد الطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق بولاية جوبا.[6]

وعليه تعتزم الحكومة الإثيوبية تمويله بشكل كامل بنفسها من قبل البنوك، شاملة التوربينات والمعدات الكهربائية المتعلقة بمحطات الطاقة الكهرومائية التي تكلف حوالي 2 مليون دولار.
ولإنشاء المشروع فلقد تم عام 2013م انتهاء 20% من المشروع في موقعه ليبدأ بعد اكتماله بشكل كامل بإنتاج الطاقة الكهرومائية، والكهرباء التي يتم إنتاجها بواسطة تلك المحطة ومن ثم بيعها للدول المجاورة، تتطلب بناء خطوط تقل ضخمة، وستتكون مراكز استهلاك وفقد للطاقة مثل عاصمة إثيوبيا “أديس ابابا”، وعاصة السودان “الخرطوم” اللاتي تقعان قرب السد ب400 كم.

استدراكاً لما سبق ذكره؛ تسعى مصر لتأمين مصادر الطاقة لديها والتنسيق مع دول حوض النيل من أجل مستقبل استقرارها وأمنها رغم كل التنافرات والتجاذبات السياسية أو عوامل الطبيعة كالفيضانات التي تؤثر على كل من إثيوبيا ومصر في الأجزاء المطلة على النيل الأزرق؛ إذن حماية البلاد وحسن استثمار للموارد الطبيعية وعلى رأسها المياه كمورد استراتيجي لدى البلاد هو الهم الشاغل للبلدين وخاصة مصر لكثرة التوترات التي حصلت منذ أواخر القرن الماضي وحتى اللحظة مع دول حوض النيل.

ظهور الأزمة في حوض النيل/ تمهيد:

ترجع قضية مياه النيل إلى ستينيات القرن العشرين عندما بدأت الدول الأفريقية بالاستقلال، حيث طالبت دول حوض النيل فور استقلالها بالتحلل من الاتفاقيات التي وقعها الاستعمار نيابةً عنها فيما يخص مياه النيل، منذ ذلك الوقت ثار الخلاف حول هذه الاتفاقيات ومدى مشروعيتها. وقد بدأت أزمة مياه النيل مع استقلال دول منابع النيل؛ حيث أعلنت كلٌ من إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا عقب استقلالها عدم اعترافها بالاتفاقيات المنظمة لتقاسم مياه النيل خاصة اتفاقيتيْ 1929 و1959، وعللت هذه الدول رفضها لهذه الاتفاقيات التاريخية بأن هذه الاتفاقيات تم توقيعها بين مصر والسودان من جهة والدول الأوروبية الاستعمارية من جهةٍ أخرى نيابةً عن دول منابع النيل، والتي كانت تقع تحت احتلال الدول الاستعمارية وبالتالي بحسب زعمها، كانت دول المنابع دولاً غير مكتملة السيادة.[7]

وتعاقبت الخلافات حول المنطقة، واستغلت إسرائيل الأمر لصالحها لتحاصر مصر على المستوى الإقليمي والسيطرة على حصة من مياه نهر النيل وذلك بالسيطرة بشكل غير مباشر، واستغلال شبكة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول حوض النيل.

وكل ذلك يمكن تفسيره بوجود قوى وأيدٍ خارجية في منطقة حوض النيل وظهور لاعبين جدد، ويُقصد بها الدول الخارجية غير الأفريقية والتي بدأت تتغلغل وتتوغل في هذه المنطقة، وأن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تمثلان قوتيْن خارجيتيْن تعملان لشد أطراف الدولة المصرية في نطاق محيطها النيلي بما يقود إلى تحفيز الصراع المائي بينها وبين دول حوض النيل.[8]

وهذا أحد الأسباب التي عززت تواجد الأزمة بشكل مباشر بين كل من إثيوبيا ومصر، رغم نفي إٍسرائيل في أبواق الإعلام صحة الأخبار خاصة المنشورة حول نصب نظم دفاعية لحماية ما يعرف بسد النهضة الإثيوبي.

تكمن معارضة مصر؛ الواقعة على مصب النهر، إقامة سد النهضة الإثيوبي، باعتبارها أن إقامة هذا السد يقلل من كمية المياه التي تحصل عليها من النيل، وهو تهديد للأمن القومي المصري؛ نظرا للتحكم الاستراتيجي الكامل لإثيوبيا في مياه النيل الأزرق، والإضرار بحوالي 2 مليون فدان وبالتالي يفقد الكثير من الفلاحين دخولهم، وأيضا المشاكل التي تنجم عن انهيار السد وهي غرق الكتل السكانية في دلتا مصر والصعيد، ونقص مخزون المياه خلف السد العالي الذي سيؤثر على الطاقة الكهربية المتولدة، وأيضا تدهور الأرض الزراعية لزيادة نسبة الملوحة، ونقل تخزين المياه من بحيرة السد العالي إلى الهضبة الإثيوبية، وتأثر برامج استصلاح الأراضي في مصر.[9]

أما إثيوبيا فبالنسبة لها أن السد لن يقلل توافر المياه للمصب، وأنه أيضا ينظم المياه لأغراض الري، وأنه يتم تمويل السد من السندات الحكومية والتبرعات الخاصة. فهو بالنسبة لإثيوبيا عماد ونمو اقتصادي يظهر بالتدريج على مستوى الدول الإفريقية للنهضة على أكثر من صعيد.

ويتمحور الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول فترة ملئ وكيفية تشغيل سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل منذ سنوات. وتطالب مصر أن تمتد فترة ملء السد إلى عشرة سنوات مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف، بينما تتمسك إثيوبيا بأربع إلى سبع سنوات وذلك بدلاً من سنتين إلى ثلاث، حسب مصادر حكومية إثيوبية.

يبدو واضحاً أن إصرار الجانب الإثيوبي على المضي في بناء مشروع سد الألفية بالمواصفات الحالية، سيقود حتماً إلى نتائج خطيرة تمس الأمن القومي لكل من مصر والسودان، وتؤكد هذه المعلومات والدراسات المتوفرة لدى جهات مصرية عدم قدرة السد على تحمل ضغط المياه الضخمة التي سوف تحتجز خلفه، والتي تصل إلى نحو 74 مليار م3 من المياه، كما أنه مشيد من الأسمنت. ومن ثم فقد ينهار في أي وقت، وعندها ستحدث الكارثة، حيث سيغرق شمال السودان وجنوب مصر، وستشرَّد ملايين الأسر حيث تدمر منازلهم وزراعاتهم.[10]

وتنوعت محاولات مصر بين تقديم مقترحات لمحاولة وقف ملء السد من قبل إثيوبيا، ومنعها البدء في ذلك دون موافقة مصر، رغبة في منع إثيوبيا من أي محاولة للنهوض به لتجنب الجفاف؛ وقوبلت المقترحات المصرية بالرفض من قبل الجانب الإثيوبي، موضحة أن مقترح كهذا يعكس قوانين الحقبة الاستعمارية التي لا تأخذ في الحسبان حقوق دول المنشأ بالنسبة للأنهار العابرة للحدود.
وعليه وقالت وزارة الخارجية الاثيوبية في مذكرة دبلوماسية نشرتها رويترز “تلبية هذا الطلب تعد بمثابة موافقة اثيوبيا على جعل ملء سد النهضة الاثيوبي خاضعا لموافقة مصر في أي مرحلة”. [11]
وبناء على مما سبق، فإن تعثر المفاوضات حول أزمة السد الإثيوبي يؤثر على استقرار المنطقة، خاصة بعدم التزام الطرفين أو أحدهما في الاتفاقيات المطروحة.

أزمة السد الأثيوبي: من البداية حتى 2010م

مارست مصر نفوذا سياسيا على نهر النيل من المنبع الى المصب. لكن طموح إثيوبيا غير كل ذلك. لقد كان هناك حديث حول بناء سد على النيل الأزرق منذ سنوات عديدة، لكن حينما بدأت إثيوبيا ببناء السد، كانت ثورات الربيع العربي قد انطلقت، وكانت مصر حينها منشغلة بأمورها الداخلية.[12]

تضاربت الأقوال حول سد النهضة، فالحقائق العلمية من خلال الدراسة الأمريكية، عام 1964، وما تلاها من أبحاث تؤكد على أن سعة الخزان تراوح بين (11.1، 13.3، 16.5، 24.3) مليار م٣، إلا أن تصريحات المسؤولين الإثيوبيين ذكرت 62 مليار م٣، ثم 67 مليار م٣، ثم 74 مليار م3، وكل هذه الأرقام لا يوجد ما يؤيدها علمياً.[13] وهذا السد هو أحد السدود الأربعة التي اقترحتها الدراسة الأمريكية، عام 1963.[14]

بدأت فكرة بناء سد النهضة عام 1953، عندما اعتزمت إثيوبيا إنشاء سد كبير على النيل لتوليد الكهرباء؛ لذا استعان الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي بمكتب الاستصلاح الزراعي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، الذي قدم دراسة مسحية على امتداد النيل الأزرق، تقترح 26 موقعا صالحا لإنشاء السدود، بينها الموقع الحالي لسد النهضة. وحين شرعت إثيوبيا في بناء السد، أرسل الرئيس المصري جمال عبد الناصر رسالة تهديد لصديقه الإثيوبي الإمبراطور هيلا سيسي، جاء فيه: “نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركا مصريا غير مسبوق”. [15]

فامتثلت إثيوبيا، وقللت ارتفاعه من 112مترا إلى 11 مترا فقط، وفي عام 1959، حصلت مصر بموجب اتفاق مع الخرطوم حول توزيع مياه النيل، على حصة بنسبة 66% من كمية التدفق السنوي للنيل، مقابل 22% للسودان[16].

عام 1979، وحين علمت مصر بعزم إثيوبيا على بناء سدود على مجرى النيل، أرسلت القاهرة رسالة رسمية عبر وزير خارجيتها: “إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شيء يعوق وصول حقنا في الماء كاملًا، فلا سبيل إلا استخدام القوة”.[17]
وبهذا يكون ظهور أول بوادر للتوتر بين مصر وإثيوبيا عندما أعلن الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، تحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدان بشبه جزيرة سيناء، وهو ما دفع الرئيس الإثيوبي، منجستو، آنذاك، إلى التهديد بتحويل مجرى النهر.[18]

وفي عام 1986، تم إبرام معاهدة لتسوية المنازعات بين مصر وإثيوبيا، على رأسها المياه، وفي الأول من تموز 1993م، تم توقيع وثيقة تفاهم بين الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، ورئيس الوزراء الإثيوبي آنذاك، ميليس زيناوي، حول عدة مبادئ، أهمها عدم قيام أي من الدولتين بأي نشاط يتعلق بمياه النيل من شأنه إلحاق الضرر بمصالح الدولة الأخرى.[19]

سقط النظام الإثيوبي الحاكم في عام 1991، صعد إلى سُدة الحُكم عبر انقلابٍ عسكري، رئيس الوزراء الراحل مليس زيناوي ، الذي قاد بلاده لنهضة اقتصادية وزراعية، ودخل في تحالفٍ مع الولايات المتحدة، دفعه عام 2009 لإجراء دراساتٍ مسحية للمواقع التي حددتها سلفًا الخارجية الأمريكية على النيل الأزرق، والتي انتهت باختيار موقع سد النهضة الحالي.[20]
ومع العلم أنه عام 2001 أعلنت إثيوبيا عن نيتها إنشاء عدد من المشروعات على أنهارها الدولية، وذلك في استراتيجية وطنية للمياه كشفتها حكومتها حينذاك.[21]
وبعد ذلك وفي 26 مايو 2010 انتشر خبر في وكالات أنباء طلب الرئيس مبارك من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا واستمرت في بناء السد، وهذا وفقا لوثيقة مسربة من موقع “ويكيليكس” عام 2013م.
وبهذا بالفعل انتهت إثيوبيا عام 2010 من عملية مسح موقع سد النهض، وتصميمه، وإعلان البدء بتنفيذه.

تطورات الملف في 2010 إلى 2015م:

وقعت دول حوض النيل على اتفاق جديد رغم معارضة مصر والسودان في عام 2010، ينص على إلغاء حق النقض الذي تتمتع به مصر، ويسمح بإقامة مشاريع ري ومشاريع سدود لإنتاج الطاقة.[22]

أعلنت إثيوبيا عن نيتها ببناء السد في مايو 2010، ثم قامت في نوفمبر من العام نفسه بإعلان الانتهاء من تصميمه، مستغلةً حالة السيولة السياسية التي مرت بها مصر بعد ثورة 25 يناير 2011، وتم وضع حجر الأساس للسد في الثاني من أبريل 2011، ثم اضطرت أثيوبيا للموافقة على استئناف المفاوضات مع مصر والسودان حول سد النهضة في 18 يوليو 2014 بعد صدور قرار رسمي من الاتحاد الأوروبي بوقف تمويله، وتجميد قروض دولية لإثيوبيا بقيمة 3.7 مليار دولار، وعُقدت الجلسة الأولى للأطراف الثلاثة مصر وإثيوبيا والسودان لتحديد اللجوء إلى مكتب استشاري لتقييم الدراسات الأثيوبية التي أُجريت على السد، والتي أدانها تقرير اللجنة الدولية السابق في مايو 2013. [23]

ونتيجة لما سبق؛ بدأ التحرك الفعلي لمناقشة مشكلة سد النهضة في 29 نوفمبر 2011 حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة الخبراء الفنية الثلاثية والتي تضم خبراء من مصر والسودان وإثيوبيا لبحث آثار مشروع السد على دولتي المصب مصر والسودان. وجاء تشكيل هذه اللجنة وفقا لاقتراح ومبادرة من رئيس الوزراء الإثيوبي الذي دعا وزراء المياه في الدول الثلاث إلى الالتقاء ودراسة جميع جوانب السد. وبناء على هذا الاتفاق انعقد في ديسمبر 2011 بأديس بابا اجتماع لجنة الخبراء الفنية الثلاثية، والذي تضمن الشروط المرجعية وآليات عمل لجنة الخبراء، والذي يعد خطوة إيجابية مهمة في إطار الأجواء الإيجابية المتنامية في العلاقات المصرية الإثيوبية وفي إطار التفاهم والتعاون بين الدول الثلاث.[24]

حرصت الدبلوماسية المصرية خلال مفاوضات سد النهضة في ظل مآلات ثورة 25 يناير 2011 على استمرار نهج تفاوضي مستندا إلى مجموعة من الثوابت الحاكمة والتي تنم عن رغبة في توسيع أطر التعاون وتكامل الأهداف مع التعبير في نفس الوقت عن المخاوف بشأن التأثيرات السلبية للسد على الأمن المائي.[25]

وفي شهريْ أكتوبر ونوفمبر من عام 2014، عُقدت جلستان في أديس أبابا ثم في القاهرة، وتم الإعلان فيهما عن طرح مبادرة عالمية للمكاتب الاستشارية للتقدم لعمل الدراسة المطلوبة، ورشحت كل دولة 3 مكاتب استشارية، بإجمالي 9 مكاتب تم استبعاد اثنين منها.[26] واتفقت مصر وإثيوبيا والسودان على اختيار مكتبين استشاريين أحدهما هولني والثاني فرنسي لعمل الدراسات المطلوبة بشأن السد.[27]

وعن الموقف الأمريكي الذي ظهربعدما أعلنت إثيوبيا في عام 2011 وضع حجر الأساس لبناء السد، الذي تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار، كشفت وكالة “بلومبيرج” الأمريكية أن الشركة العسكرية الإثيوبية التي أسندت إليها مهام تنفيذ المشروع تعمل بالشراكة مع شركة أخرى أمريكية، تتولى توفير التوربينات والمولدات وجميع المعدات الكهربائية التي يحتاجها السد، وبحسب الصفقة، فإن الشركة مسئولة عن توريد ثمانية توربينات ومولدات لوضعها في السد بقيمة 250 مليون يورو للشركة الإثيوبية، وبحسب تصميم المشروع، فأديس أبابا صممت بوابة للسد، وجميعها أيضا صناعة أمريكية من ماركة “فرانسيس”[28].

الدعم الأمريكي المباشر لإثيوبيا كشفه نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، الذي أعلن لوسائل إعلام مصرية أن الولايات المتحدة تشوش على الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية لسد النهضة الإثيوبي، من خلال القمر الأمريكي المتاح لالتقاط الصور للسد، وأضاف أن واشنطن كانت تضع قناعا أبيض على الصور؛ كي لا تتمكن مصر من متابعة مراحل بناء السد وتفاصيله. لكن الرغبة الأمريكية في تغطية السد الإثيوبي عن الأنظار سرعان ما تلاشت، عقب الصور التي نشرها القمر الصناعي “جانسون2″، المتخصص في تجميع منسوب مياه البحيرات والأنهار في العالم، والذي أعلن عام 2015 عن انخفاض منسوب بحيرة ناصر بنحو أربعة أمتار، وهو الخبر الذي تكتمت عليه السلطات المصرية، وأكد أن واشنطن تساعد أديس أبابا في مشروعها المائي. ويبدو الحشد الأمريكي لدعم اثيوبيا فيما نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها الرسمي الخاص بأفريقيا، ففي الوقت الذي واجهت فيها أديس أبابا أزمة تمويل، طالب الموقع الدول الكبرى بدعم مشروع سد النهضة، الذي وصفته بأنه مشروع شجاع في دولة من أفقر الدول في العالم، وهو الذي سيحولها لأقوى دولة في القارة.[29]
وعليه يتضح الموقف الأمريكي ودعمه للجانب الإثيوبي في بناء سد النهضة بكل إمكانياته وقواه، بغض النظر عما تأمله مصر أو تنتظره في هذه الأزمة وسنواتها المتتالية، وبالتالي فإن السياسة الخارجية لمصر قد تتأرجح تباعا إن لم تدرك الأمر وتداعياته، على الأقل لاستمرار التفاوض.

من عام 2015 إلى عام 2020 الآن:

وقع الرئيسان السوداني عمر البشير، والمصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين يوم الاثنين 23 مارس 2015م في الخرطوم وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة الإثيوبي.
النص الكامل للوثيقة: “اتفاق حول إعلان مبادئ” بين جمهورية مصر العربية وجمهورية إثيوبيا الفدرالية الديمقراطية وجمهورية السودان حول سد النهضة الإثيوبي العظيم تم الاتفاق فيه على عشرة مبادئ مختلفة على النحو الموضع في الملحق.[30]

واستمرت سسلسلة من المفاوضات عام 2015م، بعد الاتفاقية في كل من يوليو، سبتمبر، نوفمبر، وديسمبر، الذي كان آخر ذاك العام المليء بتلك المفاوضات وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي آنذاك “إن المياه مسألة حياة أو موت”؛ معربا عن التفاهم الحاصل مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة.

وبعد أقل من 6 أشهر على توقيع الاتفاقية انسحب المكتبان الهولندي والفرنسي من إجراء الدراسات الفنية لسد النهضة الإثيوبي بدعوى عدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات في حيادية، ومن جهة أخرى منحت الوثيقة إثيوبيا سُلطة كاملة في بناء السد بدون ضمانات أو أية رقابة. [31]

وفي فبراير 2016، إثيوبيا تؤكد أنها لن تتوقف عن بناء سد النهضة، وفي مايو تعلن أنها على وشك إكمال في المئة من بناء السد. [32]

وفي عام 2017م ، تم الانتهاء من التقرير المبدئي حول سد النهضة، واندلاع خلاف بين الدول الثلاث على التقرير. وزار وزير الخارجية المصري إثيوبيا، ودعاها لضرورة إتمام المسار الفني الخاص بدراسات السد وتأثيره على مصر، وفي أكتوبر تعلن الأخيرة عن موافقتها على التقرير المبدئي، وفي نوفمبر يعلن وزير الري المصري عدم التوصل لاتفاق بعد رفض إثيوبيا والسودان للتقرير المبدئي، وتعلن الحكومة المصرية أنها ستتخذ ما يلزم لحفظ “حقوق مصر المائية”، ويحذر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من المساس بحصة بلاده من المياه، وتقترح مصر على إثيوبيا مشاركة البنك الدولي في أعمال اللجنة الثلاثية التي تبحث في تأثير إنشاء سد النهضة الإثيوبي على دولتي المصب، مصر والسودان، وذلك في زيارة لوزير الخارجية المصري، سامح شكري.[33]

وفي 18 يناير 2018، يقول رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلي مريام ديسالين، إنه لن يعرض مصلحة الشعب المصري للخطر بأي شكل من الأشكال، في إشارة إلى حصة مصر من مياه النيل بعد بناء سد النهضة.[34]

وعن تقوية العلاقة بين أمريكا وإثيوبيا، في الثاني من أبريل (نيسان) عام 2018، تولى آبى أحمد، رئاسة الوزراء في إثيوبيا، ليصبح أصغر رؤساء حكومات أفريقيا الذين قادوا مجموعة من الإصلاحات التي أنقذت بلاده من الحرب الأهلية، عبر إطلاق سراح آلاف السجناء السياسيين، وإيقاف الرقابة المفروضة على مئات المواقع، وإنهاء حالة الحرب التي استمرت 20 عامًا مع إريتريا، ورفع حالة الطوارئ، كما خطط لفتح قطاعات اقتصادية رئيسية أمام مستثمرين من القطاع الخاص، بما في ذلك الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.[35]

منذ انقلاب 1991، أصبحت إثيوبيا الحليف الاستراتيجي الأول في أفريقيا للولايات المتحدة، فأديس أبابا هي التي تحتضن مقر الاتحاد الأفريقي، والجبهة الديمقرطية الشعبية التي تولت الحُكم انتهجت برنامجا اقتصاديا لإخراجها من طور الدول الأقل نموا، لذا أصبحت عاصمة أفريقيا ساحة للتنافس الصيني الأمريكي، عزز من حدته النفوذ الإثيوبي الذي تمتلكه إثيوبيا على دول الجوار، وداخل دول حوض النيل، كونها المتحكم الأول في النيل الأزرق، المُغذي الرئيس لنهر النيل. وخلال 10 أشهرٍ من حُكم آبي، أصبحت إثيوبيا الدولة الأسرع نموًّا في القارة اقتصاديًّا، وبفضل موقعها الاستراتيجي المُتاخم للقرن الأفريقي، فإنها تسعى لتصبح مركزًا للاقتصاد في المنطقة، بفضل الطرق الدولية والسكك الحديدية التي تصلها مع دول الجوار، وهو ما دفع الشريك الأمريكي الذي تدخل بقوة في دعم مشروع سد النهضة، إلى تحذير رئيس الوزراء الإثيوبي من التوغل في الأنشطة التجارية الصينية؛ خوفًا من الغرق في الديون.[36]

توجت مسيرة الصعود التي صنعها آبي بزيارة طويلة إلى واشنطن في أغسطس العام الماضي، امتدت ستة ايام، حصل فيها رجل واشنطن الجديد في إفريقيا على مهام حل النزاعات الإقليمية في القرن الأفريقي – شرقي القارة – وتعزيز التجارة بما يكسر الاحتكار الصيني، وتمثلت الصفقة في تقديم الولايات المتحدة وعودا لتوفير دعم دولي لإثيوبيا عبر ضخ أموال تدعم إصلاحاتها الاقتصادية من جهة، وتقديم التسهيلات الخاصة بمشروع سد النهضة من جهة أخرى.[37]

حلول لمواجهة الأزمة وصولا للدور الأمريكي:

وبالنسبة لاستراتيجيات مواجهة أزمة سد النهضة، أتت لمقاومة التغلغل الإسرائيلي في دول حوض النيل وتنمية العلاقات مع هذه الدول، وتعديل السعة الحالية لسد النهضة، مع إعداد بدائل تتيح إنتاج نفس كميات الطاقة الكهربائية المستهدفة، إضافة إلى عمل مشروعات مشتركة مع أثيوبيا تخدم الدولتين مثل شراء وزراعة آراضي، واللجوء إلى التحكيم الدولي للنظر في القضية والحفاظ على حق مصر التاريخي في مياه النيل مع ضرورة التواصل مع القارة الأفريقية باعتبارها المستقبل بالنسبة لمصر، فضلا عن إقامة مشروعات مشتركة للتنمية المائية، وضرورة الاستفادة من المساقط المائية الطبيعية في دولة الكونغو، أو اللجوء إلى الخيار العسكري وانهاء مشكلة السد تماما. [38]
وبالنسبة للحلول المقترحة لحل مشكلة سد النهضة داخليًا، فتتمحور في إصلاح نظم الري، واستخدام أنظمة الري الحديثة مما يوفر الكثير من المياه، وتوسيع روافد النيل المغطاة للحفاظ على المياه، واستخدام الطاقة النووية في توليد الطاقة الكهربية وتنقية المياه، إضافة إلى تقليل كمية المياه المهدرة في البحر المتوسط، ووضع سياسة لترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف فيها.[39]

وبشكل عام متداول، ووفقا لأبحاث أوروبية أن البحث عن حلول للمشكلة متذبذبة حيث يصدر سد النهضة معظم الكهرباء إلى السودان ومصر ومنها لأوروبا، مما يجعل هذا الأمر نقطة هامة في أي مفاوضات مستقبلية تقوم بها القاهرة لصالحها.

تؤكد إثيوبيا، القوة الإقليمية الصاعدة، على أن مشروع سد النهضة أساسي من أجل نموها، وأنه لن يؤثر على مستوى تدفق المياه. وتخشى مصر من جهتها من وتيرة امتلاء الخزان الضخم لسد النهضة الذي يتسع لـ 74 مليار متر مكعب من المياه. وإذا امتلأ هذا الخزان خلال فترة قصيرة، فإن جريان مياه النيل على امتداد مصر سينخفض بشكل كبير. [40]

في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر، وصلت مفاوضات بين الخرطوم ومصر وإثيوبيا إلى حائط مسدود، وفق القاهرة، التي تحاول منذ ذلك الحين إدخال وساطة دولية في المفاوضات. واجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر في واشنطن، واتفقوا على التوصل لاتفاق بحلول كانون الثاني/ يناير 2020م.[41]

أشار الدكتور هاني رسلان، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية، إلى أن الإعلان عن التعثر تأخر كثيرا، وإن مصر اتبعت سياسة النفس الطويل في هذا المجال في ظل مرواغة حقيقية من جانب إثيوبيا. وأضاف إن ما فعلته مصر طوال السنوات الماضية يحسب لها ومن حقها الآن المضي قدما في المسار القانوني لتدويل القضية. وفي ذات السياق أن إثيوبيا كانت تتعمد إخفاء المعلومات، وكانت لا تعطي أي بيانات عن السد إلا عبر اللجنة الدولية وهو ما يوضح البعد السياسي في بناء السد مع التجاهل التام للقانون الدولي، والاندفاع بشكل انتهازي مستغلة الظروف المترتبة على ما يسمى بالربيع العربي، على حد تعبيره عبر المباشرة بأعمال البناء والانتهاء من جسم السد، وهو ما يحتم على القاهرة استخدام كل الوسائل وبسرعة للدفاع عن حقوقها المائية.[42]

في عام 2020م، برزت مساعي الولايات المتحدة الأمريكية لتواصل جهودها الدبلوماسية معتمدة الوساطة الدولية مع كل من مصر وإثيوبيا والسودان لتجعل تلك الدول توقع على اتفاق نهائي لحل الأزمة.

وبسبب تأزم الأمر حول هذا السد في سلسلة متعاقبة من السنوات، تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بمواصلة جهود وساطتها مع مصر وإثيوبيا والسودان حتى توقع الدول الثلاث على اتفاق ينهي سنوات من الخلافات بشأن سد النهضة الإثيوبي، أعلنت مصر التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق النهائي بشأن ملء سد النهضة الإثيوبي، الذي تم برعاية أمريكية. وقد أعلنت مصر أنها وقعت بالأحرف الأولى على اتفاق سد النهضة المطروح تأكيدا لجديتها، معربة على تطلعها أن تحذو السودان وإثيوبيا حذوها في القبول بالاتفاق. [43]

وفقا لتداول نبأ عدد من وكالات الأنباء العالمية، أن إثيوبيا اعتذرت مشاركة الاجتماعات المقررة في العاصمة الأمريكية واشنطن بين كل من السودان وإثيوبيا ومصر برعاية وزارة الخزانة الأمريكية لمناقشة وتوقيع المسودة الأمريكية الخاصة باتفاقية ملء وتشغيل سد النهضة مع مطلع عام 2020م.
وصرح الموقف الإثيوبي بعد التوقيع على اتفاقية دولية وصفتها بغير المجازة من قبل البرلمان المنتخب، حيث يرتبط هذا التوقيع بالأوضاع الداخلية في البلاد المنتظرة لانتخابات برلمانية ورئاسية في صيف  2020، وكل هذا من أجل تجنب تأثير التوقيع بالسلب أو الإيجاب على حملة الرئيس أبي أحمد الانتخابية.

لقد أسهم الدور البناء الذي اضطلعت به الولايات المتحدة والبنك الدولي ورعايتهما لجولات المفاوضات المكثفة التي أجريت في بلورة الصيغة النهائية للاتفاق، والتي تشمل قواعد محددة لملء وتشغيل سد النهضة، وإجراءات لمجابهة حالات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات الشحيحة، وآلية التنسيق، وآلية ملزمة لفض النزاعات، وتناول أمان سد النهضة والانتهاء من الدراسات البيئية.[44]

نظرة تحليلية:

من الملاحظ أن أزمة سد النهضة قد بدأت في وقت مبكر جداً، وهذا يعني بالتأكيد أن أثيوبيا وخلافها قد أدركوا أهمية منابع نهر النيل بالنسبة للأمن القومي العربي، لذلك أرادوا محاصرة مصر والدول العربية، كما بذلت أثيوبيا جهوداً كبيرةً في ذلك رغم ضعفها وهشاشتها وفقرها. وهنا نستطيع القول بأن دولاً مختلفة كانت تقف بجانب أثيوبيا في إجراءاتها في منابل النيل، ولذلك وجدنا كيف أن مصر لم تتدخل لانهاء هذه الإجراءات رغم قوة مصر الكبيرة بالمقارنة مع أثيوبيا.

كانت الولايات المتحدة أشبه بشاهد الزور على الحراك المصري الأثيوبي، بل كانت الولايات المتحدة تقف مع أثيوبيا بشكل مباشر او غير مباشر، كما قدَّمت لأثيوبيا دعماً مختلفاً، وعملت الشركات الأمريكية في أثيوبيا بشكل واضح، لذلك وجدنا أن أمريكا التي تدعم مصر من جهة كانت تدعم أثيوبيا من جهة أخرى، بمعنى أنها كانت تلعب على الحبلين كما فعلت من قبل مع إيران عندما قامت بتزويدها بالسلاح فيما عرف بفضيحة إيران-كاونترا.

لقد أقامت أثيوبيا مشروعات كبيرة على منابع النيل، وهذا يعني أنَّه ليس من السهل أن تلتزم أثيوبيا باتفاقيتها مع مصر، خاصة في ظل الدعم الإسرائيلي لأثيوبيا، وهذا يعني أيضاً أنه لا يمكن البتة التنبؤ بموعد محدد لالتزام أثيوبيا ببنود الاتفاقية.

من الواضح أنَّ مصر لا تتمتع بالقوة الكافية لإجبار أثيوبيا على التراجع عن بعض مشاريعها في سد النهضة، وربما استغلت أثيوبيا حالة الضعف في التمادي في ذلك، ولا نتوقع أن تحدث انفراجة طالما لم تقم مصر بالتصعيد مع اثيوبيا.

من الواضح اليوم أن مصر صارت محاصرة من جهة الجنوب، وقد تفقد في أحد الأيام أهمية قناة السويس، خاصة بعد التنازل عن تيران وصنافير للسعودية من ناحية، ومحاولة إسرائيل إنشاء اقناة المائية للربط بين البحرين المتوسط والأحمر من ناحية أخرى، عماً بأن مدينة نيوم التي يقيمها محمد بن سلمان على البحر الأحمر توفر لإسرائيل إمكانية استكمال القناة، وهذا يعني أن مصر صارت محاصرة أيضا من جهة الشرق.

يتضح مما سبق أن أزمة السد الإثيوبي وإن طال امتدادها ستبقى بين فكي كماشة إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى، إلا لو التزمت إثيوبيا بالتآخي القومي، وابتعدت قليلا عن تعنتها في الاستحواذ على السد، لأخذ نصيبها من إنتاجه، وترك ما يلزم لصالح الأمن القومي لكل من مصر والسودان؛ وهذا لأجل صالح المنطقة ككل، وليس بقعة إثيوبيا الجغرافية فقط.

لكن العصبية العمياء تجعل النفوذ والسيطرة من طرف واحد دون أي اعتبار لدول الجوار؛ لتحقيق مصالح داخلية في نهضة الاقتصاد الإثيوبي على مستوى القارة الإفريقية من جهة، وعلى مستوى دولي في السياسة الخارجية خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، كون الأخيرة معنية وبشكل غير مباشر لزيادة حجم الأزمة في المنطقة خاصة بين كل من مصر وإثيوبيا لتحقيق مصالحها مع الدول. ورغم أنها أسفرت أخيرا عن نيتها المتكررة بنشر السلام ومنع وصول الأطراف إلى نزاع مسلح، إلا أنها تلعب على حبل خفي لا يراه سوى المبصر، كما اتضح آنفا أنها تدعم إثيوبيا لبناء السد منذ عقد من الزمان بالخفاء، وتدعي حفاظها على الأمن القومي للمنطقة، وهي في واقع الأمر تؤخر مساعي الاتفاق، وتجعل أحد الطرفين تحت جناحها للإطاحة بالطرف الآخر، لتسيطر على مصالحها في المنطقة والاستحواذ على هذا المورد المائي من باب سياسة “فرق تسد”، وتفريق الطرفين دون دراية ووعي منهما، أو حتى في حال وجود وعي أناني بالرضا بمصادقة الجانب الأمريكي للنهوض باقتصاد دولة عن أخرى ضاربين بعرض الحائط الاعتبارات القومية ومصلحة الدول الحدودية من هذا السد، متمثلة في إثيوبيا مع الولايات المتحدة الأمريكية تجاه كل من مصر وإثيوبيا.

وإن لجوء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للتوقيع على الاتفاقية لحل الأزمة، دون انتظار موافقة إثيوبيا؛ تظنه مصر انتصارا لكنه تسرع حيث إثيوبيا تعتذر عن التوقيع بحجة الانشغال في انتخاباتها الداخلية، لكنها ماضية قُدما في تنفيذ تعبئة السد وملئه وتنفيذ المشروع حتى الرمق الأخير، وما تتضارب به مصر إعلاميا هو شيء يعود لتراكمات قديمة، وتأخذه إثيوبيا على محمل غير جاد، والولايات المتحدة تتعاطف إعلاميا أيضا لكن ما تبطنه تجاه مصر وتفتيت الأمن المائي في المنطقة، يكاد السد ذاته أن يسقط من هول ما يحيط به من مؤامرات.

المراجع:

  • سد النهضة الإثيوبي “قد يشعل أول حرب” على المياه في العالم، 24/2/2018، بي بي سي العربية.
  • إلبابيس: الصراع يحتدم حول سد النهضة.. السودان ومصر في خندق واحد ضد إثيوبيا، 14/5/2020، الجزيرة نت.
  • المبحث 14 “مشروعات إثيوبيا وبناء سد النهضة”، إدارة مياه النيل كمحدد للتعاون والصراع بين دول الحوض، موسوعة المقاتل، 2019.
  • مشروع سد النهضة الاثيوبي مصدر توتر إقليمي، 29/5/2019، صحيفة رأي اليوم.
  • اللبان، شريف، دراسة ميدانية: المصريون وسد النهضة، المركز العربي للبحوث والدراسات، 29/9/2019م.
  • سد النهضة: مصر وإثيوبيا تواجهتا عسكريا مرتين وانتصرت فيهما إثيوبيا، 22/9/2019م، بي بي سي عربي.
  • ماذا تعرف عن دور أمريكا الخفي في سد النهضة؟، 8/10/2019م، ساسة بوست
  • رؤساء مصر وسد النهضة.. السيسي الأكثر إخفاقا، تقارير وحوارات، 2/10/2019م، الخليج الجديد.
  • سد النهضة: محطات أزمة مياه النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا، 4/4/2018، بي بي سي العربية.
  • مرعي، نجلاء، سد النهضة الإثيوبي والصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل.
  • اتفاق سد النهضة، 24/3/2015، موقع الجزيرة نت.
  • رويترز، واشنطن تتعهد بمواصلة العمل لإنهاء اتفاق سد النهضة، 29/2/2020م.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.