مقالات

الأحزاب السياسية بالمغرب بين الإختراق المخزني وغياب البوصلة الإديولوجية: وجهة نظر سوسيولوجية

بقلم : ايوب برجال

ترددت كثيرا قبل كتابة هذه الأفكار و الأسطر نظرا لقصار فهم البعض، وأيضا لكون أغلب النخب المحلية دائما ما تسقط أسيرة لضعفها النظري و افتقارها للحنكة السياسية اللازمة للنقاش الفكري و المقارعة النظرية التي تؤدي بنا إلى بناء معرفي رزين ومتين، ولكن ايمانا منا بأنه كلما كانت الطعنات وتعددت الهجمات إلا وكانت كتاباتنا وأفكارنا على صواب انسجاما وكون الفكرة التي نحملها وندافع عنها قد انبثقت من ارادة الجماهير و صوت الكداح، لهذا يأتي هذا المقال المتواضع جدا لتنوير الرأي العام المحلي و السياسي على الخصوص من أجل تحديد البوصلة الصحيحة، وذلك لبناء مجتمع معاصر يؤمن بقيم الديمقراطية فكرا وممارسة،  خصوصا مع اقتراب كل انتخابات رجعية التي تجعل البعض يطل علينا  برقصاته المعهودة  ليحدثونا عن الوحدة ووضع يد في يد من أجل مغرب للجميع، لكن لا بأس أن نقدم اجابات عن دعواتهم ونسلط الضوء على ما عجزوا عنه من خلال العمل على تعرية واقع أحزابنا المغربية، التي دائما ما تشكل أرضية للنقد والحديث اليومي بين جل أفراد المجتمع من فلاحين وعمال وأساتذة ومهندسين وطلبة ومعطلين … وهو نقاش دائما ما يتخذ مجراه الظاهري وليس العميق نظرا لما يشوب هذه الأحزاب من الغموض والسرية وشرخ بين الخطاب وما يجري من الناحية الواقعية، مما يجعل المعرفة بشأنها صعبة وسرية،  غير أن هذا لا ينفي وجود مجموعة من الجهود والدراسات التي قدمت في هذا السياق والتي كان لها الفضل الكبير في رسم الخريطة السوسيولوجية لدراسة  النسق السياسي المغربي وكشف عورته، كان اخرها كتاب غاية في الدقة للسوسيولوجي المغربي عبد الرحيم العطري تحت عنوان ” صناعة النخب بالمغرب مفارقات التوريث والاستحقاق” خصص الفصل الخامس منه للحديث عن الاحزاب السياسية تحت عنوان ” المقاولة السياسية والحراك الاجتماعي” ، وكذلك كتاب الشيخ والمريد للباحث الانثروبولوجي عبد الله حمودي، الذي حاول من خلاله الكشف عن الاليات التي تتحكم في انتاج واعادة انتاج الأسس الثقافية للسلطة بالمجتمعات العربية، و المفاجأة الكبرى في السوسيولوجيا المغربية نجدها عند “محمد جسوس” الذي مزج بين العمل السياسي والبحث السوسيولوجي  في ان واحد واستطاع  بفضل حنكته الميدانية والنظرية أن يكشف عن العلاقات الزبونية التي تنتظم حولها الأحزاب السياسية بالمغرب،  بالاضافة الى دراسات أخرى متعددة ومتنوعة لمجموعة من الباحثين من مختلف التخصصات العلمية  . وأنا في هذه الخربشات التي أدونها سأعتمد بشكل كبير على خلاصات هذه الدراسات كخطوة أولى من أجل تأثيث ارضية النقاش حول الحقل السياسي المغربي ومحاولة الكف عن الخلل الذي يطبعه. هل هو خلل طبيعي ناتج عن شروط موضوعية تفرضها طبيعة المجتمع المغربي؟ أم ان هذا الخلل يرتبط بالرغبة في التهميش والاضطهاد الموزع بشكل غير عادل بمجتمعنا؟

فمن المعلوم أن كل نظام سياسي لأي دولة يتحدد انطلاقا من مجموعة من العوامل منها الخارجية كالظروف الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية… ومنها الداخلية، وعلى رأسها الأحزاب السياسية التي تلعب دورا هاما في رسم المعالم السياسية لأي دولة “قومية”  فمنذ بداية القرن التاسع عشر بدأت ظاهرة الأحزاب تنتشر بمفهومها الحديث وتطورت بأساليب مختلفة في كافة دول العالم، سواء منها الليبرالية أو الماركسية أو في دول العالم الثالث التي تأثرت بشكل رئيسي بحركة التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار كحزب الدستور التونسي وجبهة التحرير الجزائرية وحزب الوفد المصري وغيرها … وفي المغرب نجد حزب الاستقلال الذي انبثق من ضرورة وطنية اشترطتها ظروف النضال ضد المستعمر والتعبئة من أجل التحرر واسترداد السيادة الوطنية ، وقبل الدخول في أي نقاش لا بد لنا من البحث والتدقيق في المفاهيم بشكلها السوسيولوجي كضرورة منهجية تقتضيها أدبيات الكتابة والتعبير عن الرأي،اذا فما هو الحزب السياسي؟ وأي فهم وممارسة للأحزاب السياسية مغربيا؟ وما هي اليات اشتغالها ميدانيا ونظريا؟ …

ان تعريف الحزب السياسي بشكل “دقيق “يحتكم الى السياقات التاريخية والمكانية والاجتماعية والسياسية القادرة على الكشف عن المعنى الخفي للمفهوم، فكلمة حزب معروفة منذ العصور القديمة لكنها تختلف عن الحزب السياسي في العصر الحديث ،وعموما اجتمع جل الباحثين في تعريفه على أنه مجموعة من الافراد الذين يجمعهم قاسم مشترك هو التضامن المعنوي والمادي، فمن الجانب الليبرالي يعرف انطلاقا من البرنامج السياسي والرغبة في الوصول الى السلطة عبر المساندة الشعبية ، ومن الجانب الماركسي يتم ربطه بالطبقات الاجتماعية المنقسمة في المجتمع على اعتباره تعبير عن طبقة اجتماعية معينة، وبالتالي فهو ينتفي بانتفاء الطبقات الاجتماعية، فالحزب هو طليعة الطبقة الكادحة التي تسعى الى تصفية الاستغلال بهدف الوصول الى حكم ديكتاتورية البروليتاريا، ويطلق على تسميته في الادبيات الثورية بالحزب الثوري/الشيوعي/الماركسي اللينيني .

  يبدو أن هذه التعريفات سواء منها الليبيرالية أو الماركسية أو غيرها تركز بشكل اساسي على وجود بوصلة اديولوجية، ووحد تنظيميه  تجمع الافراد ينتظمون وفق غاية نبيلة وديمقراطية تضمن لكل افراد المجتمع حرية الانخراط والتأييد الشعبي فهو تعبير عن مطامح المجتمع في الاصلاح الاجتماعي وتحقيق التنمية، وبالتالي فان انخراط الناس في الاحزاب السياسية هو تعبير عن الاقتناع باديولوجيته وبرنامجه الانتخابي .

 ربما هذه هي الحقيقة الحزبية من ناحية علم ألسياسة لكن اذا تناولنا الأمر من الناحية السوسيولوجية فإننا نصاب بالاكتئاب حاد الى درجة الجنون ونحن نسائل واقع أحزابنا السياسية من ناحية الخطاب ومن ناحية الممارسة بل أكثر من ذلك نفكك هذه الأحزاب من الداخل أي في علاقاتها الزبونية والقبلية، فحقيقتها الموضوعية تقول: انها لم تتخلص بعد حتى من هذه العلاقة ، فقد استطاعت القبيلة هنا الحفاظ على حضورها في سلوك الفاعلين، ليس كوحدة تنظيمية وانما كفكرة تغلغلت في وسط الجماهير وأصبحت بذلك قوة مادية اخترقت الظاهرة الحزبية بالمغرب، في اطار علاقة الشيخ والمريد وثلاثية الشيخ والمقدم والقايد التي من خلالها يحافظ النظام القائم بالمغرب على ضمان حضوره في اللعبة الانتخابية وغيرها، فالنسق السياسي المغربي وكما خلص الى ذلك جون واتربوري وعبد الله حمودي وعبد الرحيم العطري قائم على نظام الهدايا المتبادلة والمنتشرة بمختلف المؤسسات والوظائف، كأنها دليل على تقديم الطاعة والولاء والرغبة في العطف، وعلى رأس هذه المؤسسات نجد المؤسسة السياسية باعتبارها حقلا للصراعات من أجل الوصول الى مراكز صنع القرار ،وهنا تبرز المؤسسة “كمقاولة سياسية” لضرب الصفقات وتوزيع الأرباح والأسهم وذلك في إطار علاقة الشيخ والمريد التي تحكمها داخليا فيما بين الزعماء ومريديهم، مما يجعل الأمر سهلا أمام المخزن لاختراقها وتدجينها عن طريق احتواء هؤلاء الزعماء وإنعامهم بالمناصب والأموال.

 هذا من الجانب الموضوعي أما ذاتيا فان هذه الأحزاب نفسها ساهمت هي الأخرى في قتل نفسها وتمييع الفعل السياسي في غياب تام لأي بوصلة اديولوجية أو مشروع انتخابي واضح ،بحيث اصبح العمل السياسي بالنسبة لها منحصرا في المرحلة الانتخابية فقط، وكيف لا يكون ذلك والسلوك الإنتخابي للمغاربة ينبني على الأشخاص لا على البرامج ألحزبية فالتصويت تحكمه قيم القبلية والقرب وشراء الأصوات، وهذا ما يمكن تسميته بالولاء للقبيلة لا للوطن . لكن كيف نفسر ونفهم هذه الانقسامات التي تعرفها الأحزاب منذ ظهورها الى اليوم؟ الجواب يكمن في التاريخ وفي طبيعة النظام القائم ، فعبد الرحيم العطري مثلا يرى ان هذه الأحزاب ما هي الا امتداد ذاتي وموضوعي للزاوايا بالمغرب، فالمخزن قام بتعويض بعضهما البعض واستمر في نهج نفس الطريقة التي كان يتعامل بها مع الزوايا، فكان دائم الطموح الى الحصول على ولائها وخدمتها وفي حالة خروجها عن ذلك يلجئ الى اضعاف نفوذها وإحداث انشقاقات داخلها وتقوية زاوية أخرى منافسة لها، كذلك الحال بالنسبة للأحزاب السياسية بالمغرب فقد انتهى زمن القمع والاعتقالات وجاء وقت ” اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين ”  وهذا أمر طبيعي لأحزاب تفتقد للبوصلة الاديولوجية وللضوابط الداخلية والخارجية كشكل أساسي للديمقراطية في ما بين أعضائها ،بل انها اختارت أن تعيش ثقافة الشيخ والمريد لتصبح زاوية حزبية وتغرق في الرجعية على طول خطها وعرضه. وطريق المشيخة هنا صعب وحالك يتطلب ارتباطا حميميا مع الزعيم وتقديم الهبات والخدمات عبر التمجيد وترديد مقولات الزعيم لكسب رضاه، ولما لا يكون حاملا لرأسمال سياسي موروث وغالبا ما يكون عبارة عن تجارب السجن والتعذيب جراء الانخراط في الحزب، وهو الامر الذي انتهى مع سنوات الجمر والرصاص وانعدام أي منافسة على السلطة مع المخزم كما كان من قبل، أما الطريق السهل للوصل الى الزعامة الحزبية فهو امتلاك الرأسمال الاقتصادي والانحدار من العائلات العريقة واحتلال المناصب العليا في الدولة ولما الى ذلك من الوسائل الأخرى التي تجعل من الا شيء شيئا في زمن لا معنى له سوى ترديد الكلمات والاسترزاق السياسي على كاهل الشعب الذي حكمت عليه الأقدار بالصمت والخنوع حتى أصبح الفلاح مدافعا عن العرش والعامل مدافعا عن الرأسمالي وانتعشت فيه البرجوازية بمختلف فئاتها وخان المثقف شعبه من أجل صحن عدس .

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.