اجتماع دراسات وأبحاث مختارات مقالات

في البحث عن الأمن النفسي والسلم الاجتماعي زمن الكورونا

في البحث عن “الأمن” النفسي و”السلم” الإجتماعي، زمن الكورونا؛ ذكريات موبوءة!

بقلم: ا. صالح الزايدي – تونس

<< في زمن الكوليرا، تحدثنا عن الحب.. أما في زمن الكورونا، فكان همنا الوحيد أن نصبح آمنين >>

الفيروسات، عموما، ليست شيء مستجد. وهي -كما توقع “نيكولا تسلا”- ستظل ترهقنا دائما كبشرية، وهو الذي وصل به الهوس منها إلى إختراع آلة للسفر عبر الزمن لإيجاد حل وعلاج لها، قائلا أن علاجها سيكون بتقنيات معقدة جدا موجودة في عصر بعيد عن عصره!

في لحظة من الزمن، وجدنا أنفسنا محاصرين بعدو خفي من كل جانب، عدو ميكروسكوبي لا تنفع معه أسلحتنا الحربية التقليدية الفتاكة!
وجد الناس أنفسهم مسيرين لا مخيرين، مسيرين في أهم مميزات إنسانيتهم ميزة الحرية في التنقل والجولان وممارسة الأنشطة الحياتية المختلفة. كما تحتم على الساسة والمسؤولين والقادة القيام بكل ما في وسعهم لمجابهة هكذا عدو لم يكونوا منتظرين قدومه أو مباغتته لهم في لحظة مفاجأة أربكت كل خططهم وتصوراتهم “السلطوية” ونغصت عليهم رغد عيشهم في ظل ما يتقلدونه من مناصب!

“وظل السواد الأعظم باحثا عمن يطعمه من جوع ويؤمنه من خوف، إذ وجد مخيرا بين غريزة البقاء بالبقاء في المنزل وغريزة الجوع بترك مورد رزقه”!

ومع تغلغل المرض المميت، وبعد إعلان المنظمة العالمية مرجع النظر الوحيد ورأس الحربة في هذه المعركة، أن الفيروس أصبح بمثابة “وباءا” يجتاح العالم، سارعت عدة حكومات بإتخاذ قرارات تنطوي على أبعاد إجتماعية تلخصت فيما سمي “بالحجر الصحي”، الذي سيكون الدواء الوحيد طول فترة الإنتشار الوبائي وكذلك سيصبح محددا أساسيا في مدى وقع الجائحة على مختلف الدول التي أصابها المرض.

كرونولوجيا الفيروس:

إن الخوف من إنتشار الفيروس التاجي وإنهيار النظام الصحي كان أمرا عظيما في كل البلدان، حيث وجدت كل دولة نفسها في سباق مع “الكورونا”.

بدءا بالصين التي ظهر فيها الفيروس التاجي بصبغته التطورية الجديدة، بعد “ميرس” و”سارس”، ليأخذ تسميته المستحدثة الجديدة ب”كوفيد تسعة عشر”، وذلك بعد ظهور أول حالة إصابة به في إقليم هوبي وتحديدا بعاصمته يووهان التي إكتشف فيها المختصون يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي أول حالة إصابة بفيروس جديد له أعراض فريدة، وسط تكتم شديد من قبل السلطات.
وتواصل هذا التكتم رغم العديد من التسريبات عن وجود شيء ينذر بالخطر يحدث وسط إقليم هوبي. زاد الأمر حدة، لتجد الحكومة الصينية نفسها مجبرة على البوح بالسر والإعلان عن أول إصابة رسمية، يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول من نفس العام، أين تم تسجيل العديد من الإصابات الجديدة وبدأ المرض يخرج عن السيطرة ويصر على النفاذ إلى باقي الأقاليم والإفلات إلى كل العالم عبر مطارات الدولة وموانئها الكثيرة.

إضطرت السلطات إلى إعلاء الأمر إلى منظمة الصحة العالمية بصفة متأخرة، مع حلول رأس السنة الميلادية يوم 31 ديسمبر/كانون الأول للسنة الماضية، في وقت بدأت فيه باقي دول العالم، وخاصة منها من تربطها علاقات تجارية ورحلات مكثفة مع الصين، بتحسس الخطر ولمس أول حالات العدوى، بعد عودة أفرادها إليها محملين بالفيروس، وزاد الإرتياب والقلق بإعلان البلد الأم للفيروس عن أول حالة وفاة به يوم 9 من شهر يناير من هذه السنة.
وتحول القلق إلى خوف بإعلان أولى الإصابات، خارج الصين وتحديدا في دولة تايلاند، لمواطن عاد هربا من الجائحة التي سميت بالوباء رسميا من قبل المنظمة العالمية للصحة يوم 11 يناير.  ثم بدأت العدوى بالإنتقال أفقيا ببدأ بعض البلدان الإعلان عن إصابات بالفيروس كألمانيا التي أعلنت، يوم 22 يناير، عن إصابة مواطن ألماني نتيجة إجتماعه برجل أعمال صيني، في إقليم بافاريا. وتواصل نسق الإنتشار “ماراثونيا” بشكل غير مسبوق ومرعب ليشمل كل من تايلاند يوم 13 يناير، واليابان يوم 15 من الشهر نفسه، فكوريا الجنوبية يوم 20 وتايوان والولايات المتحدة يوما بعدها، وصولا إلى هونغ كونغ وأستراليا وماليزيا وفرنسا فالنيبال في الأيام التي تليها، إلى أن وصل عدد الإصابات إلى أكثر من 75 ألف حالة إصابة بنهاية الشهر الأول من إنتشار العدوى، إلى أن أعلنت أكثر البلدان تضررا من الوباء إيطاليا أولى الحالات الوافدة، بتاريخ 21 فبراير، عن طريق وافدين صينيين جاءا بغرض السياحة. ليبدأ بعد ذلك الوباء بخرق كل الحدود غير آبه بأنظمة المراقبة والكشف التي وضعت في كل عتبات المطارات والموانئ والمؤسسات وصولا إلى تاريخ كتابة هذه الأسطر، مخلفا هلعا وخوفا يصاحبه ضغطا نفسيا مضاعفا من جراء فرض الحجر الصحي العام وحظرا للتجول في أغلب الدول التي وصلتها الجائحة. ولعل هذا ما أعاد إلى الأذهان تاريخ البشر مع الأوبئة وطرق الإستجابة لهكذا مستجدات وبائية.

سايكولوجيا الموبوئين:

“كل تفشي كبير لوباء يهدد الحياة تصحبه بالضرورة ردات فعل متمثلة في الهلع والتوهم وإلصاق الوصم بالآخر.”

تسائل الجميع؛ كيف سنقدر على تجاوز هذه الأزمة ومتى سينتهي الكابوس؟

وهنا، وبالعودة في الزمن، يزودنا التاريخ البشري بعدة تجارب وإجابات. فمن جهته يلعب علم نفس الأوبئة دورا هاما في تعزيز فهمنا لمخاطر تطور الوباء المستجد، ويزودنا بالتجارب التاريخية لتفسير ما يلاحظ من تغير في سلوك الفرد والجماعة في هكذا فترات زمنية حرجة.

ففي زمن الكورونا، ووسط أخبار متواترة عن موتى هنا ومصابين هناك، بدأ الخوف لدى الجميع يتحول إلى رعب وهلع، ودوت صفارات إنذار الشرطة في كل مكان تحث الناس على ترك ما بأيديهم والتوجه إلى بيوتهم في الحال، فيخرج القادة والمختصين على شاشات التلفزات ببياناتهم الطويلة ليزيدوا من مستوى الهلع درجة بأمرهم بتطبيق “حظر تجول” عام والتوقف عن العمل.
من جهتهم أيضا، سارع المختصون إلى إعطاء النصائح الهامة للمواطنين للتوقي من العدوى، كما ظهر ممثل الصحة العالمية في مؤتمر صحفي مهيب يعلم العالم أن كلام المختصين يشير إلى أنه لا سبيل للنجاة سوى الحمية والتوقي والحجر. وتدخل بعد ذلك نخبة من المختصون في البيولوجيا قائلين أنهم لا يتوقعون نهاية قريبة للوباء على غرار تصريح عالمة البيولوجيا “آنشا بارانوفا” التي أكدت على أن إنحصار هذا الفيروس لن يحدث إلا بحدوث “معجزة بيولوجية”!

حرفيا، وجدنا أنفسنا نرمي كل المهمة في إنقاذ البشرية على عاتق جهازنا المناعي!

وقد يعد هذا الهلع العالمي مفهوم من قبل المختصين في علم النفس الإجتماعي (Social Psychology) الذين لاحظوا، عبر البحث في تاريخ البشرية مع الأوبئة، أن هكذا نمط سلوكي ونفسي جماعي هو أمر وارد الحدوث وعادي يحصل مع كل مستجد يمكنه أن يهدد روتينية الحياة البشرية، فهي إستجابات وجدت مع وجود أوبئة كوباء الإنفلونزا الإسبانية، فضلا عن إرتباطها بإنتشار أمراض مثل الإيدز، ولعله ما دفع الباحثين في الحقلين السوسيولوجي والنفسي إلى دراسة أنماط إستجابات الأفراد والجماعات لهكذا مستجدات تهددهم في كيانهم.

في هذا الصدد، وجد المختصين في المجال النفسي والإجتماعي والطبي أنفسهم هم الموجهين للأفراد والمجتمعات بكل ما أوتوا من خبرات كونوها في فهم سلوك الجماعة وأفرادها. ولعل ما أفرده رئيس المنظمة العالمية للصحة، في أولى خطاباته حول موضوع الصحة النفسية، يؤكد ذلك، في قوله بأننا يجب أن نبحث عن الإيجابية في مثل هكذا أوقات بالنظر إلى نسب الشفاء لا إلى نسب الموت والإكتفاء بالنحيب.

كما طمأن “غيبريسوس” الناس بأن البقاء في المنزل لايعني أبدا عدم الترويح عن النفس بالخروج للتنزه أو الجري أو ركوب الدراجة مع الحفاظ على التباعد الإجتماعي أو القيام بالتمارين الرياضية داخل المنزل، ملخصا بالقول: “من الطبيعي أن تشعروا بالفزع في هذه الأوقات والإرتباك والخوف لذلك تحدثوا مع أشخاص تعرفونهم وتثقون بهم وإدعموا أشخاصا آخرين في مجتمعاتكم وإسألوا عن جيرانكم وأصدقائكم وأقاربكم”.

ولكن، ورغم كل هذه التطمينات، ظل الخوف والتوجس مرافقا للجميع داخل بيوتهم، وظهرت مظاهر التأثر النفسي جلية على الأفراد الذين تأثروا تلقائيا بالسايكولوجا العامة للجماعة. وإنه من الملاحظ هنا أن الدولة إنتهجت طريقة تقليدية في فرض المكوث في المنازل وذلك بإلزام المواطنين عوض إقناعهم وإفهامهم المغزى من ذلك، هنا بدت إشارات العصيان تلوح في الأفق خاصة حينما وجد الناس أنفسهم مخيرين بين الموت والموت! الموت جوعا أو الموت بالوباء. كما يعاب على الدولة عدم إيلاء الشأن الأسري في الحجر المفروض أية أهمية وهي التي تعلم مدى تأثر الحالة النفسية للجميع، وهو ما من شأنه أن يولد مظاهر من العنف المنزلي، وخاصة في ظل التأكيدات الإحصائية على تصاعد درجات العنف العائلي وبين الأزواج بصفة أخص، والذي كان يمكن تجاوزه لو خصصت هذه الأخيرة (أي الدولة) حصصا تلفزية وإذاعية مع مختصين لمرافقة الأسر ونصحهم مثلا بإستغلال هذا الحيز من الزمن في مراجعة العلاقات بين الأزواج وذلك بتعزيزها أو إنتهائها!
كانت الأمور ستكون أفضل لو وجدت برامج تحرض الأسر على القراءة والإعتناء بأطفالهم نفسيا وإفهامهم أن البقاء في المنزل هو حماية للجميع وأن عدم الذهاب إلى بيت الجد والجدة هو كذلك توقي من الإصابة بالعدوى. كانت هذه الفترة ستكون بمثابة “الضارة النافعة” لو فهم الجميع أنها من الفرص الذهبية لمراجعة عديد الأشياء من حولنا وكذلك هي فسحة للتوقف عند ذواتاتنا وتقييمها.

كان على المسؤولين في الدول المتضررة إجراء تقييم لما فعلوه في مجابهة الجائحة، لمزيد إضفاء الإحساس بالأمن النفسي لدى مواطنيهم، في وقت أشارت فيه الدراسات أن 35% من سكان ووهان، أول المدن المتضررة في العالم، يعانون من القلق النفسي وإجهاد ما بعد الصدمة. كان بالإمكان أخذ العبرة مما حدث. كان بإمكانهم التسائل: هل ما نفعله مجدي!؟ وهل إنعكس ذلك وولد مشاكل جديدة أم لا؟ هل كان يمكن إتخاذ إجراءات وآليات أخرى في المقاربة الوقائية!؟

يمكن أن نرى أيضا، من وجهة نظر نقدية، أن الإسراف في الحديث عن حتمية التراجع الإقتصادي، ما بعد كورونا، من شأنه أن يؤثر على الحالة النفسية الجماعية والفردية ويكمل جدارا رابعا في سجن الناس. ولعل ذلك ما فتح الباب أمام تغلغل الأنباء الزائفة (fake news) لتحل محل كل مصدر رسمي لكل مستجد.

لقد تم تغذية الخوف بخوف آخر، ووقع إستثارة الهلع دون وعي بمخلفات ذلك على “الأمن” العام. كان الخطأ يولد خطأ أكبر في كل مرة.

كان حري بنا أن نعي بحاجتنا إلى إكتساب مناعة نفسية أكثر من حاجتنا إلى التمتع بمناعة جسدية قوية.

بين الوعي والوهم والشك والإشاعة:

¤ السلوك الوقائي الواعي

إنه من المهم تثمين ما شهدته عدة مجتمعات من إنتصار “للعقل الواعي” على “العقل الجمعي” والذي تجلى في بروز السلوك التعاضدي والتضامني الفردي والجمعي وذلك من خلال خاصية المشاركة الإفتراضية ” le partage” للأفكار والخطط المدنية للتحريض على التوقي من خطر الكورونا وتعزيز مجهود الدولة، ووصل الأمر إلى تقديم مقترحات أمنية وحتى فرضها بقوة الإجماع على التضامن الجماعي في السلوك ونشر النصيحة والوعي، وذلك كي يصبح السلوك التضامني أكثر عدوى من الفيروس نفسه -على حد عبارة “تيدروس غيبريسوس” رئيس المنظمة العالمية للصحة. ولعل من ضمن هذه المطالب نذكر مناداة الجماهير الإفتراضية بنزول الجيش والأمن إلى الشوارع لتولي زمام الأمور عند ظهور أول حالات الإصابة في بلدان كتونس ومصر وغيرها من الدول الأخرى. وكانت مفارقة الكورونا العجيبة بأن يكون الشعب ذاته هو من يضغط على الحكومة لفرض حظر التجوال وإلغاء التجمعات،!

فتحمل المسؤولية المجتمعية وجد راسخا آليا نتيجة للخوف والشعور بالتهديد، وصارت الأفعال الإيجابية نابعة من حتمية البقاء للجميع أو الفناء الجماعي!

¤توهم وبائي

“الناس بطبعهم ميالون لتصديق ماهو أقرب إلى العاطفة أكثر مما هم ميالون إلى تصديق ماهو أقرب إلى العقل!”

أضحى الجميع يتحدث عن علاقة الوباء بالماورائيات وقبول الأمر كمصاب يجب الصبر عليه، كما ذهب البعض الآخر إلى إيهام الناس بوجود حلول بديلة عن الطب والمختبر. ففي وقت يفعل فيه العلم كل جهده في إرساء منظومة دفاعية تقضي على هذا الخطر الفتاك، وجدنا أناس تسارع إلى خلط الثوم بالبصل والسكر بالعسل لحل مشكل إستعصى على “جهابدة” العلم والمعرفة! ولعل ذلك ما يجب أن نفهمه في السلوك الدافعي للشخص الموبوء، فعند حلول التهديد المباشر تتضائل مستويات التفكير العقلاني لتحل محلها ردات فعل لاواعية، تماما كمن يريد تخليص نفسه من الشرك فيعلق أكثر وأكثر،!

أيضا، من الملاحظ أن سطوة الوباء جعلت من الكثيرين يربطون ‘وهما’ بين خصائص هذا الفيروس المستجد بخصائص فيروسات أخرى تراجعت بالتغير المناخي، فعزت بعض من الآراء أن حلول الصيف وإرتفاع درجات الحرارة سيعجل بإندثار المرض، كما رأت آراء أخرى في نزول بعض الغيث النافع أثناء فترة إنتشار العدوى بشرى لإختفاءه أو إشارة ربانية وإستجابة للدعاء،!

كذلك توهمت فئة لا بأس بها من عامة الشعب وحتى نخبه بأن الفيروس لا يصيب إلا المسنين، في حين تشير التقديرات أن الفيروس لا علاقة له بسنك بقدر ما له علاقة بجهازك المناعي، فهو لا يسعى لهزيمة عدد السنين التي عشتها بل هو حريص أكثر على التلاعب بدفاعاتك الجسمية!

ولعل ما ورد في بيان لصحيفة “USA Today” الأمريكية، من تأكيد على أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 40 عاما يشكلون 42٪ من حالات الإصابة بالفيروس وأن الفيروس لا يفرق بين ضحاياه على أساس السن والعرق والوضع الإجتماعي، فند عدة إدعاءات صدعت الآذان ببث الوهم والإشاعة.

¤الفضاء الرحب للإشاعة

“عادة ما تكون الإشاعة بالنسبة للعقلاء أمرا  مثيرا للسخرة والضحك، وتكون لدى الحشود قناعة بعد تكرارها وتواترها يوما بعد يوم.”

بدأت الإشاعة في زمن الكورونا، منذ الإعلان عن أولى الحالات في الصين، أين تشارك الجميع تدوينة كانت مثيرة للتسائل تحدثت فيها صاحبتها -وهي مدونة صينية- على أن عدد الحالات يفوق ما تعلن عنه بلدها، مؤكدة على أن العدد الحقيقي يصل إلى 15 مليون مصابا،! وقد حققت أعداد “الشير” لهذه التدوينة أحد أهم أسس تصديق الشائعة وهي الإعادة والتكرار في وسط خصب لتفشيها كالوسط الإفتراضي.

من المثير للضحك والسخرية أيضا ما تواتر من إشاعات عن تمكن طبيب تونسي هنا(دكتور كمون) وطبيب مغربي هناك (دكتور سلاوي) من إيجاد لقاح نهائي للفيروس وما صاحبه من هالات وهلوسات وإفتخار مزيف بشيء لم يمت للحقيقة بشيء إلى أن ثبت زيف كل ذلك، ويعود الإحباط ليتملك الجميع من جديد ويترك الفرد في دوامة من التسائلات توصله في كثير من الأحيان إلى درجة الشك الناتج عن البحث عن مخرجا للأزمة بكل الوسائل وفي أقرب وقت.

¤الشك:

يتساءل البعض -خاصة في وقت الأوبئة والأزمات الطبيعية التي ترتبط بالقدرات الغيبية عند الكثيرين- عن حكمة الإله من إنزال جام غضبه على البشر رغم وجود الملايين منهم من يؤمنون به حق الإيمان! كما أنه من الملاحظ أيضا في هكذا أزمنة، أن تتبادر إلى الأذهان تسائلات عمن يمكنه أن يكون الملام الأول فيما يحدث؟

كما أنه من عادة المجتمع الموبوء أن يظهر تناقضات سلوكية لدى أفراده تتراوح بين الميل إلى الإستنجاد بالماورائيات من قيم ومعتقدات شعبية، وبين الشك في قدراتها على إنقاذ الفرد والمجموعة من الهلاك. فعند إستحضار بعض الأمثلة، نجد أن بعض الدراسات الميدانية لسيكولوجيا الأوبئة والكوارث تشير إلى تسجيل حالات تحول ديني بين المصابين بمرض الإيدز مثلا، خلال تسعينيات القرن الماضي. كذلك وبالرجوع أكثر من ذلك في الزمن، وتحديدا خلال فترة الستينات، نجد أن الدراسات تؤكد على أن حوالي 40% من الأمريكيين يعتقدون أن الدين ليس له أي تأثير على حياتهم غير أنه، بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وصلت نسبة الأمريكيين الذي يرون أنهم بحاجة إلى الدين إلى 71%.
وعليه، يمكن الإقرار بأنه هناك دائما مؤشرات دلالية على مدى تأثير زمن الوباء على تدهور وإنهيار الجانب النفسي وما يحاصر الذات من مخاوف من المجهول.

¤إستدعاء نظرية المؤامرة

أشار “فرانك سنودين” في كتابه “الأوبئة والمجتمع”، إلى أنه حينما إنتشر وباء الكوليرا، ظهرت في فرنسا نظرية مؤامرة تقول بأن الوباء معد من صنع الإنسان.

ولئن كان الأمر ليس بالغريب بأن يتم تطوير أي فيروس طبيعي أو صنعه وجعله خطرا على العالم، فإن الهرولة إلى الإعتقاد بذلك دون تأكد أو دليل لهو ضرب من الجهل المبين والسقوط في فخ”نظرية المؤامرة”، ولا غرابة في ذلك، فهذه الفترات هي بمثابة البيئة الخصبة لصعود نظريات سهلة في تفسير ما يجري من حولنا وهو ما يسبب الضرر المزمن في عقول البسطاء الذين ينساقون وراءها.

¤الوصم ورهاب الصين

“الكورونوفوبيا”: من الوسط الإفتراضي إلى الواقع العملي!

لئن يعد كل فيروس مستجد لدى النخب العلمية في العالم مجرد خطر على البشر ويعملون على محاربته بوسائلهم دون الإلتفات لمكان نشأته أو أصله أو بلده، فإننا في كل يوم نتلقف آلاف الإشعارات التي تخبرنا بنشر النكات و”الميمز” حول مشاهدة شخص صيني في أحد الساحات أو المحطات والتحذير من الإقتراب منه درءا للعدوى، حيث نجد الوصم يحضر في كل بوست وصفحة ليلصق بكل شخص آسيوي الملامح وصم الوباء أو “المسجل خطر”. ويتواصل الأمر ليتجسد على أرض الواقع بإصرار أعداء الصين على وصمها بالبلد الموبوء وذلك بتكرار هؤلاء الإشارة إليه على أنه “فيروس صيني” أو “فيروس ووهان”، وسط تحذير منظمة الصحة العالمية من إستخدام هكذا تسميات تنطوي على كم من الوصم والعنصرية تفاديا لما قد يلحقه ذلك من ضرر نفسي وحتى جسدي بذوي البشرة الصفراء من الآسيويين والصينيين خاصة في مختلف أنحاء العالم. وإنه ليس بالأمر الإعتباطي أن إختارت الهيئة الصحية العالمية تسمية المستجد الوبائي  بـ”كوفيد-19” أو “كوف 2” تجنبا لنسب الفيروس لأي مجموعة أو عرق أو فرد أو حيوان أو موقع جغرافي.

¤الأمن النفسي وحل التباعد: توديع في زمن الكورونا

“يقال أن العود قوي في حزمته، لكن في زمن الكورونا رأينا العكس.”

إن التباعد الإجتماعي كحل للبقاء الجماعي لم يكن نظرية خارج زمن الأوبئة. هنا نستحضر قصة مثيرة وقاسية لإهتزاز الجانب النفسي للبعض الذين فرضت عليهم الجائحة فراق أعز أحبائهم، قصة الطبيبة التونسية المقيمة في إيطاليا “منى بوسن” التي تركت رضيعتها في تونس وعادت إلى العمل وأداء الواجب وحالت الأزمة دون أن ترى إبنتها إلا بعد إنتهاء الوباء خوفا من عدوتها، تحدثت الأخيرة إلى إحدى وكالات الأنباء العالمية بدموع القوة والضعف في الآن نفسه. قصة تعكس الكثير من المعنى والدلالة على تبلور مفهوم “التباعد” وفرض نفسه كخيار وحيد في ظل العجز العلمي أمام الفيروس.
وهنا بدى يتراأى مدى تحكم الأزمة في النسق الإجتماعي وتأثيرها على فعل التواصل في ظل التباعد!

¤الفعل الإجتماعي والتقارب

مثل تصاعد الشعور الجمعي المتجسد في المبادرات الجماعية، سبيل نجاة وأحد أهم المؤشرات على حتمية إيجاد طرق جديدة ومبتكرة للحفاظ على العمل الجماعي، إيمانا بإرتباط مصير الفرد بمصير المجموعة لتنتفي بذلك الذات الأحادية ويفسح المجال للنحن الجماعية!

من ذلك ما قام به مهندس إيطالي بشركة للطباعة رفقة مجموعة من المتطوعين، وبإستخدام تقنية ثلاثية الأبعاد لتصميم وطباعة صمامات تنفس لصالح مستشفى في إيطاليا نفد مخزونه من هذه الأدوات الطبية. أيضا وجدنا فعلا تواصليا مكثفا ينتقل من مراحل التخطيط، في وسائل التواصل الإفتراضي، إلى فعل ملموسا على أرض الواقع بتقديم المساعدات لمستحقيها من طعام ومطهرات ومواد نظافة إلخ..

بانت هنا أهمية الفعل التواصلي وما ينتج عنه من تفاعل كأساس لتحقيق النظام الإجتماعي، كونه يمثل المادة اللاصقة التي تحفظ المجتمع، على حد عبارة “هبرماس”.

كما أنه لا يمكن نكران فضل التكنولوجيا وما حققته من التواصل الحر واسع النطاق الذي أدى إلى العمل معا لأجل إيجاد سلام عالمي ضد الوباء وإضفاء الراحة النفسية ولو بشكل نسبي في ظل العيش وسط المجهول!

يقال أن “الأحداث الصغيرة تحدث بعض التغييرات، أما الكوارث الكبرى فتغير مجرى الحياة إلى الأبد..”

فكيف سيكون مستقبلنا بعد فيروس كورونا ؟

دروس ما بعد كورونا:

“لطالما جسد هذا الفيروس، طيلة فترة فرض نفسه “كمسطر” لحياتنا أفرادا وجماعات، خطرا ينذر بالنهاية، لكنه ورغم كل ذلك، لم يقض على التفكير الإيجابي لدى الكثيرين الذين ظلوا دائما باحثين عن بارقة أمل في الأفق.”

أثرت هذه الأزمة في تمثلاتنا لذواتنا والآخر وتمثلاتنا للعمل الجماعي، كما غيرت “إبستيمولوجيتنا” بخصوص كل شيء يدور من حولنا وأيقن الجميع مدى هشاشتنا الوجودية.

تعلمنا من الوباء أن الحياة مراجعات، وأن العيش هو ديناميكية يومية وروتين عمل ودراسة ولقاءات أو لا يكون.
تعلم الأفراد أن حياتهم مرتبطة ببقاء المجموعة وفنائهم أو بقائهم جماعي وليس فردي.
تعلمت الجماعات والدول عدة دروس، فالعالم لن يعود كما كان والعلاقات الدولية ستتغير؛ فإيطاليا لن تثق في إتحادها مرة أخرى، ولن يعد للود مكان في علاقتها بالآخرين من حولها، سوف تسقط علم من تخلى عنها وترفع علم من ساعدها.
وستتعلم بلاد كمصر درسا مهما في الإكتفاء الذاتي وتوفير حاجات شعبها وعدد ساكنيها المتزايد، بعد توارد أخبار عن إمكانية قطع روسيا تصدير القمح إليها بسبب كورونا.

سيعاد النظر في كل ماهو بيروقراطي، ستكون الأنظمة السياسية أكثر توجها نحو أحادية القرار ومراجعة تعدد مصادر القرارات. وسينظر إلى التجربة الصينية في سرعة إصدار الأوامر السياسية، الراجع لسياستها المركزية والتي أحدثت الفارق في التصدي للوباء وحصره، كأنموذج. فدورة أخذ القرار، في زمن الكورونا، كانت تمر ببيروقراطية قاتلة تسببت في لافعالية الأوامر والقرارات الرسمية وعدم تحقق المخطط له من قبل المسؤولين في الوقت المناسب، بل وتسببت عدة قرارات في تحقق أمر عكسي تمثل في تجمهر الحشود للمطالبة بالشفافية والوضوح في ما يتخذ ويفرض منها.
أو ربما سيتحتم علينا التخلي عن كل ما هو “مكاتب” وإدارات تقليدية والتوجه إلى العمل عن بعد كخيار كان مفيدا في وقت الجائحة، حيث إستأنسنا التجربة وعممناها قصرا فكيف لا يمكننا تعميمها طوعا بعد الأزمة!

سيستفيق العالم كله على حقيقة أنكرها دائما بوعي وبدونه، وهي حقيقة أن الأولوية في كل البرامج والإستراتيجيات في كل الدول يجب أن تكون موجهة نحو كل ماهو صحي وعلمي وغذائي وإكتفاء ذاتي. سوف يقوى صوت الطب والعلم والعلماء ويخفت صوت الجشع والجهل والسذاجة والأغبياء. سوف لن تكون هناك أي سلطة أقوى من سلطة المخبر والبحث الجدي والدؤوب.

سوف نعيد نظرتنا للأطباء، أولائك الأفذاذ الذين علت أهميتهم وإنهارت أجورهم ووضعيتهم. أيضا ستصبح مراجعة ميزانيات الصحة حول العالم ضرورة وأولوية قصوى، بعد ما وجدناه من عجز في الأجهزة اللازمة للتوقي جراء السياسات التقشفية التي إنتهجتها العديد من الدول في القطاع الصحي. وهو ما دفع البعض إلى القول بأن أثار عشرة سنين من التقشف تظهر الآن!

سيجعلنا ما عشناه من خوف من عدم إيجاد أسرة تأوينا وقت الوباء، نبحث عن سبل للدفع نحو نظام صحي أرقى وذو بنية أفضل كي نتجنب تكرار ذلك الشعور المرعب بأن لا نجد مكانا يسعنا في المستشفيات، ويكون مصير كل فرد منا الموت وحيدا.

“سنكون دائما أمام أمر واقع مفاده أننا في حاجة إلى أخلقة كل شيء.”

ستقف الشعوب محتجة عن تساهل الدول مع شركات التأمين والأدوية التي تجني المليارات والتي تتفادى رمي أموالها في دراسات كانت من الممكن أن تكون مجدية وذلك لدواعي ربحية ورأسمالية مقيتة دون إستثمار مهم في البحث عن أدوية للأمراض المتوقعة أو المستجدة.

سوف يكون علينا البدأ بالإقرار أننا تأخرنا كثيرا في دعم البحث العلمي وشد الكوادر في العديد من الدول المصدرة للكفاءات من العالم الثالث، سيكون واجبا علينا مراجعة أولوياتنا.

حتميا سوف نكون أمام حقيقة جلية وسنعي أنه لا سلطة يمكنها أن تتجاوز السلطة العلمية، ليس فقط في زمن الأوبئة، بل في كل الأزمنة، ولعل ذلك قد أخذ في التجسد في زمن الكورونا، حيث وجدنا الرئيس الفرنسي يجلس أمام الطبيب والخبير “ديديي راوول” في مكتب الأخير كأي طالب أو مواطن عادي، يستشيره ويسمع منه ويبني على توجيهاته سلطته وقرارات قصره!

سيتكون لدى الجميع وعيا عميقا بأهمية تلك المنظمة العالمية، لا فقط كمرجع صحي مهم بل كذلك كسلطة للقرار العالمي في تقرير مصير الحياة على الأرض.

ختاما، تظل التجارب الفريدة من نوعها أمرا مهما يرسخ بكل جوانبه السيئة والحسنة في ذاكرة كل من عاشه ليتجسد بعد ذلك في أفعاله وإنفعالاته ورؤيته للأشياء من حوله وفي علاقته بالآخر..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.