اجتماع مقالات

أف لك يا أبي

كتب الاستاذ الدكتور علي المرهج:

( أفٍ لك يا أبي ) !!

يسألني الفيس بم أفكر؟!

وسألت نفسي بم أفكر؟

واحترت فحاولت أن أفكر بعكس ما تحكمني به منشورات الفيس في الأخبار عن مرض فلان وموت فلان، ولم أتمكن من مغادرتها، فلو غادرتها لن أكون فلان الإنسان، بقدر ما أكون فلان الذي فرّغه الموت ومرض الأحبة من عاطفته والوجدان.

 

اليوم كنت بزيارة لأبي الذي أحب أن أشاكسه دوماً، فبعد خروجه من عملية أجراها لتفتيت حصى واستئصال ورم قيل لنا أنه حميد – ربما – تذكرته في شريط مر بلحظات كيف تسنى له قبول ان يجعلنا نلج صعاب الحياة لوحدنا؟!.. هل نسينا في طريق حياة عراقية بائسة يعرفها؟،

في الأبوة سرّ لا أعرف تفسيره، فلم أرغب برؤيته ضعيفاً، فهو عندي (زوربا) العراقي، ولا أرتضي له سوى حياة تليق بمثل ما تليق ب (زوربا).

نختلف معه ممكن، وننتقده، ممكن، ولكننا لا نرتضي له ألماً.

لا أخفيكم سراً أن الله خلقني لأعترض على طريقة عيشه وحياته، ولكنه أبي!!

استلذ بمشاكسته والعتاب، ولكنني لا أرتضي له سوى أن تكون الصحة صاحبته.

أختلف معه وأشاكسه، وهو يستلذ بمضض بمشاكستي، فهو نابه ذكي ورثنا بعض مما عنده كما أعتقد، لذا هو يقبل المشاكسة لأنه يسعد بوجود أولاد له يعقلون الحياة ويحتجون على اختياراته لمسارات حياته، ويعترف لنا بأنه لم يُفلح، وهو فرح بفلاحنا نحن أولاده..

أعترض عليه كثيراً لكثر ما خذلني في حياتي، وعاتبته، فقال لي لم تعتب علي وأنت قد وصلت لما وصلت إليه، فمهمتك التصحيح لا العتب!!

قلت له مرات ومرات (أفٍ) لك يا أبي، تركتنا نلج الحياة من دون ركوب لمركبك!.

فأجابني ومرات ومرات ولم أقتنع.. أنني عشت حياة اختارتني ولم أختارها!!.

حينما زرت أبي اليوم وهو قد خرج من العملية سالماً تمنيت أن أحضنه ولكن كورونا كانت حاجزاً بيننا وبينه.

رمقت أخي وابنه الاكبر د. سعيد الذي نسي كل عذابات سنينه، ليطلب مني أن نزور أبينا.

وجدت سعيداً لا يستطيع ان لا يزور أبيه الذي كان أمله في أيام قل فيها الأمل ولم يجده ليتمم حلمه في استكمال حياته لما هو أفضل.

أن تزور أبيك وأنت مختلف معه لتؤدي له الزيارة في حضرته، لتعلو على تاريخ تجاوز عنده، فأنت مثال الاعتراف بقيمة الأبوة، ومثال يليق أن يحتذي بك من لم يعرف قيمة الوفاء لمعنى الأبوة.

أبي هو أبي.. كتبت عنه ما يجعلني انتقده بلياقة جميلة فأقول له (أفٍ) لا حقدٍ فيها ولا بغضاء بقدر ما فيها من عتب يشبه (الصفح الجميل).

أنا ابن أبي وابن أمي.. أمايز بينهما في العطف والإحسان، وأختلف معهما في اختيارهما لطريقة التربية.

مع أبي أختلف معه في نسياننا ليجعلنا نلج بحور القهر من دون مركبه.

مع أمي أختلف معها لأنها وضعتنا في عوالمها وأحكمت قبضتها، ولكننا من فيض وراثتنا لتمرد أبينا ومشكساته التي ورثنا بعض منها تمكنا من كسر قيدها لنكون نحن أولادها التي تتباها بنا.

هي (أم الدكاترة) كما وصفتها من قبل، ولكن عندي من الجلد والصبر ما يُمكنني من أن اقول لها (أفٍ) في مواضع ومواقف شتى من حياتنا نحن أولادها الذين تمكنا من كسر طوق حنانها المستضعف، لنصنع لنا ولها ولأبينا حياة تليق بهما..

أعود لأبي الذي زرته اليوم وهو مستلقٍ على فراش (زوربا) المُقبل على الحياة بروحه الشابة.

أقول لك شكراً أبي لأنك لم تُزعجك قولة (أفٍ) مني ومن بعض أبنائك، وتغافلت عنها وفضلت أن تعيش الحياة كما ترغب يا (زوربا) حياتنا الذي نعترض عليه دوماً، وتعساً لمن لم يستوعب قولي لك (أفٍ)، لذا اظنني في مشاكستي لك كنت ناجحاً معك، لأن فيّ دم يسري منك، ففهمت أو تقلبت القصد والمعنى..

بك وبما في طريقة حياتك يا (زروبا) رغم ألم العيش معك – ربما – يكون للحياة طعم.

(شوف بويه، تدري أنت عشت ليش).. عشت لا لتروي كما يقول غابريل غارسيا ماركيز، بل عشت لتُنجب، ويليق بك الانجاب فأنت أحسنت التعبير عن الرجل الشرقي.

لم نستطع مجاراتك بنزوعك الشرقي، ولا بنسيانك لاستحقاقات من أنجبت، ولكن يليق بك أن تبق في الذاكرة لأنك شخص مغاير لا يشبهك أحد.

الاعجاب بك عندي يكمن في أن لا أحد يملئ مكانك في قدرته على النسيان أو التغافل أو التغاضي عن تاريخ يتطلب وجوده.

(هنيالك بويه على هيج كَلب)!.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.