سياسة مقالات

في الثورة

في الثورة

بقلم: أ.د. علي المرهج – العرق

تبدأ ملامح الثورة تظهر من خلال تعبير الجماهير عن استيائهم من مظاهر تفشي الفساد واستشرائه في مفاصل الدولة، وتغاضي الحكومة او السلطة عنها.

تنتهي المرحلة الأولى من الثورة في جُلَ المُجتمعات بانتصار الثوريين بعد سفك الدماء ودحر النظام القديم ليصبح الطريق مفتوحاً أمام التجديد الذي كان الناس يتحدثون عنه ويأملون حدوثه طويلاً .

الثوريون بتصور اليمينيين أصحاب السلطة إنما هُم أناس فاشلون في ظروف (ما قبل الثورة)، ويُعانون من عُقد نقص ويحسدون من هُم أفضل منهم.

أما الصورة الايجايبة عنهم، فهُم بحسب التصور اليساري (المُعارض) أصحاب القبضة الفولاذية الذين تحملوا الصعاب وآلام “البرجوازية” المُستغِلة (بكسر العين) أي طبقة المُستضعفين التي تبحث عن وجود إنساني لها.

لن تجد كل سلطة تمادت في غيَها وأفرطت في استخدام العُنف وسيلة لقمع المتظاهرين المُعترضين على سياستها الفاسدة غير إصرار وتأكيد على مواجهة الجماهير لها اليوم أو غداً.

إن مهمة القيادة (الكاريزمية) للجماهير هي تحديد شكل التعامل مع السلطة إما بالتظاهر السلمي أو العصيان المدني وهذان النوعان هما شكل من أشكل ما سُميَ بـ “الثورة المخملية” التي لا عُنف فيها ولا استخدام لقوة.

لربما يلجأ الثوار كخيار اضطراري لانتهاج طريق الكفاح المسلح لإسقاط الحكومة. حينذاك ينبغي على هذه الجماعات وجماهيرها المُنتفضة أن تعمل على إيجاد (انتلجسيا) تختارها هي وتكون موضع ثقتها كي تستطيع تنسيق جهودها وتكون بمثابة الناطق الرسمي بإسم الجماهير، والمُعبَر الحقيقي عن مطاليبها وصياغتها صياغة معرفية وقانونية، وعلى الجماهير أن تمتثل لرؤى هذه (الأنتلجسيا) وتصيرحاتها الثورية أو الإصلاحية، كي لا تكون المُظاهرات مجرد رفض ورفع لشعارات، وكل جماعة تعمل بحسب أهوائها ورغباتها، لأن مهمة تنظيم التظاهر وصياغة برامج الثورة إنما تكون من مهام هذه النُخبة الفاعلة (الانتلجسيا)، وعلى الجماهير أن تستمع لها وتنتظم وفق ما تطرحه هذه النُخبة الواعية المُدركة لهموم الأمة.

في الثورة صنفان من الثوريين، بعضهم صادقون في دعواهم وخيَرون، وهم قبل الثورة أناس ناجحون، والبعض الآخر فاشلون مجهولون تمنحهم الثورة فرصة الصعود.

يُمكن التمييز بين الفئة الأولى والثانية بعد مرور مدة ليست بالطويلة للثورة، لترى عبر الكشف عن ممتلكات الثوريين قبل وبعد الثورة، لتجد الانتهازيين دعاة الفئة الثانية قد تضخمت أموالهم مئات الأضعاف، هذا إن كانت لهم أمولاً قبل الثورة، فيما تجد أصحاب الفئة الأولى على ذات الحال قبل الثورة وبعدها.

يؤكد غوستاف لوبون على أن الثورة تحصل وفق مُعطيات عقلية، فلا ثورة من دون وجود أسباب عقلية وواقعية كانت هي الأصل في حدوثها، ولكن لا يكون لهذه الأسباب قوة تأثير إن لم تتحول إلى عواطف يشعر الجمهور أو الجماعات الثائرة بتأثيرها الحماسي، لذلك فلا نجاح لثورة من دون “إفعام لقلوب الجماهير بالآمال” ، لذلك نجد أغلب الثورات التي نجحت إنما يستعين قادتها بتأجيج العاطفة الدينية أو الوطنية، ولا تنجح الثورة “ولا تصبح ذات نتائج إلَا بعد هبوطها لروح الجماعات، فالجماعة تُتم الثورة ولا تكون مصدرها، وهي لا تقدر على شيء ولا تُريد شيئاً إن لم يكن عليها رئيس يقودها، ولا تلبث الجماعات أن تتجاوز الحد الذي حُرَضت عليه، وإن كان التحريض لا ينشأ عنها أبداً”.

 

مصادر المقال:

– كريتون برنتون: تشريح الثورة.

– سيرجي قره مورزا: تصدير الثورة.

– غوستاف لوبون: روح الثورات والثورة الفرنسية.

– ريجيس دوبريه: ثورة في الثورة.

– نوري جعفر: الثورة – مقدماتها ونتائجها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.