سياسة مقالات

أين أمست صفقة القرن؟

بقلم: عيسى الشعيبي

قبل أسبوعين فقط، كانت خطة الضم الإسرائيلية لأراضٍ واسعة في الضفة الغربية تحتل رأس جدول الأعمال بلا منازع، تتصدر مقدمات الأخبار، تملأ الشاشات، تعلو على كل ما عداها من اهتمامات، وتستقطب جل السجالات الناشبة بين سائر الأطراف المخاطَبة بهذه الخطة التي كان من المقدّر لها أن تملي نفسها بمنطق العربدة السياسية، وأن تدخل حيز التنفيذ في الأول من شهر يوليو/ تموز الجاري، ثمرةً كريهة المذاق من عهد دونالد ترامب.

فجأة، وعلى غير ما توقع كثيرون من هنا وهناك، ووسط حالةٍ من الحسّ الثقيل بخيبة الأمل، إن لم نقل الخسارة الفادحة لدى الشريك المضارب في تل أبيب، غابت النقاشات التي احتدمت طوال الوقت الطويل، انطفأت أضواء مسرح العبث، وأسُدل الستار، توارى عن الأنظار الممثلون والكومبارس، تفرّق المحتفلون بإطلالة المهرّج فرادى قبل بدء العرض، وتناسى من قعقعوا لنا بالشنان، بالويل والثبور وعظائم الأمور، واقعة الضم الذي لم يقع، لاذوا بالصمت، وقعدوا القرفصاء.

خطة الضم هذه هي البنت البكر لأمها صفقة القرن، قرّة عين حبيبها دونالد ترامب، هي المبتدأ والصفقة هي الخبر. وفوق ذلك كان الضم معقد رجاء نتنياهو، هديته الموعودة من السماء، معركة عمره السياسي، فإذا بموعد الضم يمضي على هونه زوبعةً في فنجان، وإذا بالملاكم من الوزن الثقيل يخسر مباراته من الجولة الأولى، وينطرح أرضاً أمام خصم بدا ليّن العريكة، سهل المنال، خصمٍ كان يُعتقد أنه بلا حول ولا قوة، وليس في وسعه غير البكاء على اللبن المُراق.

هذا الفشل المدوي لخطة الضم يبرّر طرح السؤال عن مصير الصفقة الأم، ويغري بالتساؤل عمّا إذا كان هناك صفقة لا تزال على قيد الحياة، طالما أن هذا هو مصير بنتها الخداج، وهذا مآل المولودة التي ماتت في الحاضنة قبل أن تطلق الصرخة الأولى، وتذهب هكذا أشهر الحمل الطويلة أدراج الرياح، سيما وأن ترامب، عرّاب الصفقة وقوتها الدافعة، يواصل الانهيار في الاستطلاعات، ويهبط أداؤه على كل صعيد، حيث لم يعد يهم الرجل البرتقالي في الدنيا الواسعة سوى تجنّب مرارة الفشل المرجّح في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل الرئاسية؟

إذا كان هناك من تحفظ على صحة المقاربة المتفائلة هذه، وكان هناك من يقول مهلاً، إن معركة الضم لم تضع أوزارها بعد، وإن الذئاب الجريحة لم تستسلم أمام خسارة ما سمته فرصة لن تجود بمثلها الأقدار، وهذه كلها تحفظاتٌ مشروعة، ومرغوبٌ بها حتى لا يسترخي أحدٌ ولا ينام على حرير الاطمئنان، فانه يمكن القول أيضاً، بقدر معقولٍ من الثقة، إن السبت قد فات، وإن الزمن لا يعمل لصالح تجار العقارات، بعد أن زلزلت الأرض زلزالها تحت معمار خطة الضم، وبعد أن تقوّضت روافع الصفقة تباعاً خلال الأشهر الستة الماضية، بفضل مخرجات الهجوم الدبلوماسي الشامل، المنسق جيداً مع أولي الدم.

ولعل القراءة المتمعنة للمتغيرات المتزاحمة على خشبة مسرح السياسية الدولية، الممتد على خطوط الطول والعرض، بما في ذلك المتغيرات اللافتة على كلا المسرحين المتداخلين في واشنطن وتل أبيب، تسوّغ طرح السؤال الاستباقي أعلاه، أين أمست صفقة القرن؟ أين ذهب كل ذلك الهراء؟ في أي خزانةٍ مغلقةٍ ينام ملفها المثقل بألعاب خفّة اليد والخداع؟ ومن سيعيد نبض الحياة إلى هذه الصفقة المرذولة على أوسع نطاق؟ من سيتذكر حبات جوزها الفارغة، مثل ندوة المنامة البائسة، وذلك بعد أن ينقضي عهد ترامب غير المأسوف عليه؟

من يقول لنا إن تأبين صفقة القرن سابق لأوانه، وينصح أن من المبكر جداً إهالة كل هذا التراب على قبرها من الآن، ما عليه سوى تذكّر مصائر مبادرات أميركية سابقة، دخلت كلها في سبات عميق، ثم ماتت من تلقاء نفسها بصمت، بعيداً عن الأضواء، من مبادرة ريغان إلى خطط خلفائه، كلينتون وبوش الأب والابن، وباراك أوباما، والحبل لا يزال على الجرار، الأمر الذي يشجع على استنتاج أن خاتمة مبادرة ترامب لن تختلف كثيراً عما سبقها من مساعٍ بدت، في نهاية المطاف، حرثاً في الماء.

لقد ربحنا معركةً مضافةً إلى أرباح معركة البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى، ومعركة الخان الأحمر، إلا أن الحرب لم تنته، وهي لا تزال طويلة بكل تأكيد.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.