عروض كتب مختارات مقالات

أدبُ الدنياَ و الدين للماوردي

قراءة في كتاب أدب الدنيا والدين
للإمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي

بقلم: نجوى الجزائري

يقول الله تعالى في محكم التنزيل {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}َ مَنْ منا لا يسعى إلى تحقيقِ المعادلةِ المتوازنة بين الدينِ والدنيا؟ مَن مناَ لا يَطلبُ سعادةَ الدارينِ (الدنياَ و الآخرة ) … تلكَ لعمري أشدُ أمنية و غَاية البُغية ولنَ يتحققَ ذلك إلا بتحقيقِ التوازنِ بين قطبي ومركزي الإنسان ومحور دورانِ حياته واهتمامهِ: الدينِ والدنيا، يقول الماوردي (باستقامةِ الدينِ تَصحُ العبادة وبِصلاحِ الدنياَ تَتمُ السَعادة).

يُعدُ كتاب أدبُ الدنياَ والدينِ لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي من أشهرِ كتب التراث الإسلامي التي تركها لنا السابقون قنديلاً نقتدي به في وحشة الزمن الحالي، خاصةً حين ضاَعت دُنيا الكثير منا في متاهات و سبلٍ عدة حاَدت عن الطريقِ المستقيم القويم، وما يُخشى أن يضيعَ معها أدب الدين !

الماوردي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي (364 – 450 هـ / 974 – 1058 م) أكبر قضاة آخر الدولة العباسية، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة، الفقيه الحافظ من أكبر فقهاء الشافعية والذي ألّف في فقه الشافعية موسوعته الضخمة في أكثر من عشرين جزءًا، ولد الماوردي في البصرة عام 364 هجرية، لأب يعمل ببيع ماء الورد فنسب إليه فقيل “الماوردي”، ارتحل به أبوه إلى بغداد وبها سمع الحديث ثم لازم واستمع لأبي حامد الإسفراييني، ثم عمل بالتدريس في بغداد ثم بالبصرة وعاد إلى بغداد مرة أخرى، كان يعلم الحديث وتفسير القرآن و لقب عام 429 هـ بأقضى القضاة، وهي مرتبة أدنى من قاضي القضاة، ثم بعد ذلك تولى منصب قاضي القضاة، نشأ الماوردي معاصرا خليفتين من أطول الخلفاء بقاء في الحكم: الخليفة العباسي القادر بالله ومن بعده ابنه القائم بأمر الله الذي وصل الضعف به مبلغه حتى إنه قد خطب في عهده للخليفة الفاطمي على منابر بغداد، وكان ذا علاقات مع رجال الدولة العباسية كما كان سفير العباسيين ووسيطهم لدى بني بويه والسلاجقة، بسبب علاقاته هذه يرجح البعض كثرة كتابته، ومن كتبه في هذا المجال: أدب الدنيا والدين، الأحكام السلطانية، قانون الوزارة، سياسة أعلام النبوة، تفسير القرآن “النكت والعيون” وقد نال الأخير عناية المفسرين المتأخرين ونقلوا عنه، كابن الجوزي في زاد المسير، والقرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن، يقال أن الماوردي اتهم بالاعتزال لكن انتصر له تلميذه الخطيب البغدادي فدافع عنه ودفع عنه الادعاء، توفي في يوم الثلاثاء شهر ربيع الأول من سنة 450 هـ، ودفن في مقبرة باب حرب، وكان قد بلغ 86 سنة، وصلى عليه الإمام الخطيب البغدادي.

ربما لا يعلمُ البعضُ أن أصل تسمية الكتاب هو: كتاب البُغيةُ العلياَ في أدَبِ الدِينِ والدُنياَ لكن الكتاب عُرف فيما بعد باسم: كتاب أدبُ الدنياَ والدين، بينما نجد أن الماوري قد التزم بالترتيب حسب تسمية كتابه، فبدأ بأدب الدين ثم تبعه أدب الدنيا، لكن قبلَ هذا وذاك آثر الماوردي أن يسبق الأدبين بأدب العلمِ والتعلُّم لما له من أهمية بالغة في تهيئة النفس لتلقي الأدبين التاليين، فجاء تقسيم الكتاب (بعد مقدمة الكاتب) وفق خمسة أبواب، الباب الأول : فضل العقل وذم الهوى، الباب الثاني كما أسلفنا: أدب العلم ( فصل في التعلم، فصل في أدب المتعلم، فصل في آداب العلماء).

أما الباب الثالث فكان بعنوان: أدب الدين(دون فصول) والباب الرابع تحت عنوان :أدب الدنيا ( فصل ما يصلح به حال الإنسان في الدنيا، فصل من أسباب الألفة المؤاخاة بالمودة، فصل في البر).

وآخرها الباب الخامس: أدب النفس حيث تعددت وتنوعت فصوله، فصل في مجانبة الكبر والإعجاب، فصل في حسن الخلق، في الحياء، في الحلم والغضب، في الصدق والكذب، في المشورة و فصل أخير في آداب منثورة الملبس و المأكل والنوم وغيرها.

كتاب أدب الدنيا و الدين هو كتاب وعظي ديني بطابع فقهي أحيانا، حيث حوى الكتاب بينَ طياته درراً من الحكم والمعارف، مستشهداً بآياتٍ من كتاب الله العظيم وأحاديثاً من سنن نبيه المصطفى الكريم، ثم متبعاً ذلك بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وبأمثال الحكماء وأحاديث البلغاء والشعراء، يُعد أيضاً كتابا تربويا ومرجعا مهما لكل خطيب، إمام ومعلم ومرشد للنشء، تناول موضوع تربية النفس وتهذيبها بآداب وخصال لابد أن تستقيم في نفس الفرد حتى يستقيمَ بها دينه الذي هو عصمةُ أمره في دنياه وآخرته.

ما يستشعره القارئ من الكتاب النزعة الفلسفية والأدبية للماوردي، كما تظهر نزعته الفقهية، كيف لا وقد شغل الرجلُ قاضي قضاة زمانه حتى لقب بأقضى القضاة، وقد عاش في كنفِ حضارة عرفت بشيوعِ علم الكلام وبها تعددت الفرق من معتزلة وشيعة وخوارج مع ظلال الحضارة الفارسية التي لم تبرح بغداد ابداً، لهذا نجدُ الماوردي، خلال معالجته لمسألة معينة، يسرد الرأي والرأي الآخر مستدلاً بحجج الطرفين وتمحيصاً منه في كل جحة وبرهان مثل مسألة قلة الأصحاب أو كثرتهم، الفقر أحسن أم الغنى، الأصل في التحريم يرجع للعقل أولاً أم للشرع …

إضاءة: يذكر ابن خلّكان خبرا مفاده أنّ الماوردي أخفى تصانيفه في حياته، ولم يظهر منها شيئا، وجمعها كلّها في موضع “فلمّا دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلّها تصنيفي، وإنّما لم أظهرها لأنّي لم أجد نيّة خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإن عاينت الموت ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنّه لم يُقبل منّي شيء منها فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلاً وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنّها قُبلت وأنّي قد ظفرت بما كنت أرجوه من النيّة الخالصة، وقال ذلك الشخص: فلمّا قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي فعلمت أنّها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده” (ابن خلّكان، د.ت، مج3، ص ص 282-283).

تجدر الإشارة و التنويه إلى الجهد الجميل المبذول من طرف محقق هذه الطبعة حيث حقق الكتاب، علق عليه ووضع فهارسه محمد فتحي أبو بكر (حيث اعتمد في التحقيق علي النسخ السابقة وهي: نسخة بولاق + نسخة الحلبي + نسخة الشعب + نسخة مكتبة الحياة + طبعة الآستانة).

كما أعقب الكتاب فهارس عدة منها فهرس القوافي، فهرس الأحاديث، فهرس آيِ القرآن الكريم، وفهرس الأعلام الذي وردت بالكتاب، ما ينقص هذا التحقيق المهم والعمل الجبار هو عدم تخريج الأحاديث الموضوعة الواردة بالكتاب.

المأخذ الوحيد على كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي هو استشهاده بالأحاديث الضعيفة والموضوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، و ما ترتب على هذا الفعل هو جعله مرجعا لكثير من الكتاب الذين استشهدوا بدورهم بتلك الأحاديث نقلاً عنه.

و مِنَ الدُرَرِ المنتقاة من كتاب أدب الدنياَ و الدين و التي تكتب بماء العيون :
(وَرُبَّمَا مَالَ بَعْضُ الْمُتَهَاوِنِينَ بِالدِّينِ إلَى الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَرَأَى أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْفَضِيلَةِ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِمَةِ اسْتِثْقَالًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الدِّينُ مِنْ التَّكْلِيفِ، وَاسْتِرْذَالًا لِمَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ التَّعَبُّدِ وَالتَّوْقِيفِ. وَالْكَلَامُ مَعَ مِثْلِ هَذَا فِي أَصْلٍ، لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْفَصْلُ ، وَلَنْ تَرَى ذَلِكَ فِيمَنْ سَلِمَتْ فِطْنَتُهُ، وَصَحَّتْ رَوِيَّتُهُ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ هَمَلًا أَوْ سُدًى ، يَعْتَمِدُونَ عَلَى آرَائِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ وَيَنْقَادُونَ لِأَهْوَائِهِمْ الْمُتَشَعِّبَةِ لِمَا تُؤَوَّلُ إلَيْهِ أُمُورُهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ، وَيُفْضِي إلَيْهِ أَحْوَالُهُمْ مِنْ التَّبَايُنِ وَالتَّقَاطُعِ. فَلَمْ يَسْتَغْنُوا عَنْ دِينٍ يَتَأَلَّفُونَ بِهِ وَيَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ. ثُمَّ الْعَقْلُ مُوجِبٌ لَهُ أَوْ مَانِعٌ وَلَوْ تَصَوَّرَ هَذَا الْمُخْتَلُّ التَّصَوُّرَ أَنَّ الدِّينَ ضَرُورَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّينِ أَصْلٌ، لَقَصَّرَ عَنْ التَّقْصِيرِ، وَأَذْعَنَ لِلْحَقِّ وَلَكِنْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ فَضَلَّ وَأَضَلَّ).

(وَمِمَّا أُنْذِرُك بِهِ مِنْ حَالِي أَنَّنِي صَنَّفْت فِي الْبُيُوعِ كِتَابًا جَمَعْت فِيهِ مَا اسْتَطَعْت مِنْ كُتُبِ النَّاسِ، وَأَجْهَدْت فِيهِ نَفْسِي وَكَدَدْت فِيهِ خَاطِرِي، حَتَّى إذَا تَهَذَّبَ وَاسْتَكْمَلَ وَكِدْت أَعْجَبُ بِهِ وَتَصَوَّرْت أَنَّنِي أَشَدُّ النَّاسِ اضْطِلَاعًا بِعِلْمِهِ، حَضَرَنِي، وَأَنَا فِي مَجْلِسِي أَعْرَابِيَّانِ فَسَأَلَانِي عَنْ بَيْعٍ عَقَدَاهُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى شُرُوطٍ تَضَمَّنَتْ أَرْبَعَ مَسَائِلِ لَمْ أَعْرِفْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَوَابًا، فَأَطْرَقْت مُفَكِّرًا، وَبِحَالِي وَحَالِهِمَا مُعْتَبَرًا فَقَالَا: مَا عِنْدَك فِيمَا سَأَلْنَاك جَوَابٌ، وَأَنْتَ زَعِيمُ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ؟ فَقُلْت: لَا. فَقَالَا: وَاهًا لَك، وَانْصَرَفَا. ثُمَّ أَتَيَا مَنْ يَتَقَدَّمُهُ فِي الْعِلْمِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِي فَسَأَلَاهُ فَأَجَابَهُمَا مُسْرِعًا بِمَا أَقْنَعَهُمَا وَانْصَرَفَا عَنْهُ رَاضِيَيْنِ بِجَوَابِهِ حَامِدَيْنِ لِعِلْمِهِ، فَبَقِيت مُرْتَبِكًا، وَبِحَالِهِمَا وَحَالِي مُعْتَبِرًا وَإِنِّي لَعَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ الْمَسَائِلِ إلَى وَقْتِي، فَكَانَ ذَلِكَ زَاجِرَ نَصِيحَةٍ وَنَذِيرَ عِظَةٍ تَذَلَّلَ بِهَا قِيَادُ النَّفْسِ، وَانْخَفَضَ لَهَا جَنَاحُ الْعُجْبِ، تَوْفِيقًا مُنِحْتَهُ وَرُشْدًا أُوتِيتَهُ)

(فَيَنْبَغِي – أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك بِالتَّوْفِيقِ – أَنْ لَا تُضَيِّعَ صِحَّةَ جِسْمِك وَفَرَاغَ وَقْتِك بِالتَّقْصِيرِ فِي طَاعَةِ رَبِّك، وَالثِّقَةِ بِسَالِفِ عَمَلِك. فَاجْعَلْ الِاجْتِهَادَ غَنِيمَةَ صِحَّتِك، وَالْعَمَلَ فُرْصَةَ فَرَاغِك، فَلَيْسَ كُلُّ الزَّمَانِ مُسْتَسْعَدًا وَلَا مَا فَاتَ مُسْتَدْرَكًا، وَلِلْفَرَاغِ زَيْغٌ أَوْ نَدَمٌ، وَلِلْخَلْوَةِ مَيْلٌ أَوْ أَسَفٌ).

(فَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ مِنْ إحْدَى قَوَاعِدِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا انْتِظَامَ لَهَا إلَّا بِهِ، وَلَا صَلَاحَ فِيهَا إلَّا مَعَهُ، وَجَبَ أَنْ نَبْدَأَ بِعَدْلِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ بِعَدْلِهِ فِي غَيْرِهِ. فَأَمَّا عَدْلُهُ فِي نَفْسِهِ فَيَكُونُ بِحَمْلِهَا عَلَى الْمَصَالِحِ، وَكَفِّهَا عَنْ الْقَبَائِحِ، ثُمَّ بِالْوُقُوفِ فِي أَحْوَالِهَا عَلَى أَعْدَلِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ تَجَاوُزٍ أَوْ تَقْصِيرٍ. فَإِنَّ التَّجَاوُزَ فِيهَا جَوْرٌ، وَالتَّقْصِيرَ فِيهَا ظُلْمٌ. وَمَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فَهُوَ لِغَيْرِهِ أَظْلَمُ، وَمَنْ جَارَ عَلَيْهَا فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِ أَجْوَرُ).

-( اعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى شِيَمٍ مُهْمَلَةٍ، وَأَخْلَاقٍ مُرْسَلَةٍ، لَا يَسْتَغْنِي مَحْمُودُهَا عَنْ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْمُرْضِي مِنْهَا عَنْ التَّهْذِيبِ؛ لِأَنَّ لِمَحْمُودِهَا أَضْدَادًا مُقَابِلَةً يُسْعِدُهَا هَوًى مُطَاعٌ وَشَهْوَةٌ غَالِبَةٌ، فَإِنْ أَغْفَلَ تَأْدِيبَهَا تَفْوِيضًا إلَى الْعَقْلِ أَوْ تَوَكُّلًا عَلَى أَنْ تَنْقَادَ إلَى الْأَحْسَنِ بِالطَّبْعِ أَعْدَمَهُ التَّفْوِيضُ دَرَكَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَعْقَبَهُ التَّوَكُّلُ نَدَمَ الْخَائِبِينَ، فَصَارَ مِنْ الْأَدَبِ عَاطِلًا، وَفِي صُورَةِ الْجَهْلِ دَاخِلًا؛ لِأَنَّ الْأَدَبَ مُكْتَسَبٌ بِالتَّجْرِبَةِ، أَوْ مُسْتَحْسَنٌ بِالْعَادَةِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ مُوَاضَعَةٌ)

-( وَلِلْإِعْجَابِ أَسْبَابٌ: فَمِنْ أَقْوَى أَسْبَابِهِ كَثْرَةُ مَدِيحِ الْمُتَقَرِّبِينَ وَإِطْرَاءِ الْمُتَمَلِّقِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّفَاقَ عَادَةً وَمَكْسَبًا، وَالتَّمَلُّقَ خَدِيعَةً وَمَلْعَبًا، فَإِذَا وَجَدُوهُ مَقْبُولًا فِي الْعُقُولِ الضَّعِيفَةِ أَغْرَوْا أَرْبَابَهَا بِاعْتِقَادِ كَذِبِهِمْ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُزَكِّي رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: قَطَعْتَ مَطَاهُ لَوْ سَمِعَهَا مَا أَفْلَحَ بَعْدَهَا)

(فَكُنْ أَيُّهَا الْعَاقِلُ مُقْبِلًا عَلَى شَانِكَ، رَاضِيًا عَنْ زَمَانِك، سِلْمًا لِأَهْلِ دَهْرِك، جَارِيًا عَلَى عَادَةِ عَصْرِك، مُنْقَادًا لِمَنْ قَدَّمَهُ النَّاسُ عَلَيْك، مُتَحَنِّنًا عَلَى مَنْ قَدَّمَك النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَا تُبَايِنْهُمْ بِالْعُزْلَةِ عَنْهُمْ فَيَمْقُتُوك، وَلَا تُجَاهِرْهُمْ بِالْمُخَالَفَةِ لَهُمْ فَيُعَادُوك، فَإِنَّهُ لَا عَيْشَ لِمَمْقُوتٍ وَلَا رَاحَةَ لِمُعَادِي)

(وَاجْعَلْ نُصْحَ نَفْسِك غَنِيمَةَ عَقْلِك، وَلَا تُدَاهِنْهَا بِإِخْفَاءِ عَيْبِك وَإِظْهَارِ عُذْرِك، فَيَصِرْ عَدُوُّك أَحْظَى مِنْك فِي زَجْرِ نَفْسِهِ بِإِنْكَارِك وَمُجَاهَرَتِك مِنْ نَفْسِك الَّتِي هِيَ أَخَصُّ بِك لِإِغْرَائِك لَهَا بِأَعْذَارِك وَمُسَاءَتِك. فَحَسْبُك سُوءًا رَجُلٌ يَنْفَعُ عَدُوَّهُ وَيَضُرُّ نَفْسَه) .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.