سياسة مقالات

في مديح الاحتلال

بقلم : عبد الله لحلوح

كثيرًا ما تسمع وأنتَ تسيرُ في شوارع المدينة أو أزقة القرية، أو حين تجلس على مقهى للمعذبين في الأرض أصواتًا تنادي بالفخر، وتلهج بالشكرِ وتسبِّح بحمد ربِّ الاحتلال الذي هو من أعظمِ النعم على بني البشر في القرن الواحد والعشرين. وهذا الأمرُ لم يعد سماعُه مستهجنًا في الأرض التي بارك الله بها وبما حولها، فلقد اعتدنا على الذوبان الناعمِ في نعومةِ أبناء عمومتنا، وبِتنا لا ندعُ مناسبةً طريّةً أو يابسةً إلا وتغنَّيْنا بهم وبأمجادهم السماوية، وببطولاتهم الحضارية، فالطبُّ لديهم متقدمٌ، والأطباء عندهم مَهَرةٌ، وشوارعهم نظيفة، وشقراؤهم لطيفة، وظلالُهم خفيفة، وكلُّ شيءٍ عندهم بميزان. أما عندنا في الدولة العتيدة، فلا تعليم ولا صحة ولا حياة كريمة، ولولا الاحتلال لما كُنّا على ما نحن عليه الآن من عزٍّ ومجد وبحبوحةٍ من العيش الكريم.

بمثل هذه الكلمات كان يتحدث اليوم رجلان أظنهما مُثقَّفيْنِ أو متثاقفَين، وعلى أقلِّ تقديرٍ هما متعلّمان، في قاعة الانتظار الواسعة في مجمع طبيٍّ، جلس الرجلان اللذان يبدو أنهما من فترةٍ طويلة لم يلتقيا، وبعد حوارٍ عن الأهل والتقاعد والراتب المخسوف، بدأ الحوار يتصاعد، فأحدهما شرَع بتعدادِ مناقب أبناء العم مقابل مثالبنا الكثيرة، وأما الثاني فكان يؤكد ويهزُّ رأسه موافقًا، فهو الآخر له تجارب كثيرة مع الفاتحين، المنتصرين على أحلام الطفولة، حيث ذكَّر صديقه بالحادث الذي وقع لهما عندما كانا في رحلة إلى طبريّا، وكيف تعامل رجال الإسعاف مع الجرحى على الرغم من وجودهم في “دولة إسرائيل” دون تصاريح. وكان ردُّ صديقه: “براو عليك، شايف يا عمي، أي أنا عمري ما بنسى هظاك الموقف، والله عاملونا أحسن معاملة، والمهم بعد ما تعالجنا وكل شي تمام، بعد شهرين أو أتشثر أتّصل تبع التأمين الإسرائيلي وقال تعالوا اقبظوا. هذول دولة قانون، مستحيل يظيع عندهم حق.”

إلى هنا وجاء دوري لأدخل مع ابنتي الصغيرة عند الطبيب، حيث كان لها موعد مراجعة. وليس هذا هو المهم على الإطلاق. المهم أنّنا أصبحنا وأمسينا نقرأ على أرواحِنا الفاتحة بالعِبري، ونُشرعِنُ لهؤلاء العابرين احتلالهم العابر، ونُعَبْرِنُ عربيَّتنا، ونُطرّي الخازوق الذي نجلس عليه، وهو بلا رأس حتمً، فطولُه أطولُ من عُمرِ الكيانِ المزعوم، فكيف سنحاربُ ما يُسمّى بصفقةِ القرنِ بهذا النَّفسِ المريض، وبهذه النفسيات المعتلة؟

وفي المواقف الكثيرة التي تتعدَّدُ وتتمدَّدُ، وتصيرُ الذاكرةُ فيها عباءَةً من حرير، نمدِّدُ أرجَلَنا المقزوعةَ، وألستَنا المقطوعة، ونبدأ بالتهليل والتطبيل والتزمير للآخر، دون أن نعي أننا نساهمُ في تبييض صفحاتِ مَنْ سَوَّدوا وُجوهَنا وقلوبَنا. وأنَّنا بفضلٍ من الله ما زلنا على نعاقرُ الحياةَ لنَلِدَ كلَّ أفَّاكٍ أثيمٍ من صُنّاعِ الجَوْسَسَةِ المقبولةِ اجتماعيًّا، فهذا واصلٌ، وذاك موصول، وما بينهما شعرةٌ مَن يقطَعُها يُقطَعُ دابرُه، وربّما دُبُره، ويا بو فْلان دبِّرها، وزبِّطني بزبَّطك. وما زال مبدأ التزبيط يسيطرُ على حياتِنا، وسنكون يومًا ما نريد. لا أدري كيف؟ ولكنَّ مؤهلاتِنا التزبيطية يُعتدُّ بها، وهي قابلة لخلقِ الشهاداتِ المعلقةِ على فراغِ الجدران، التي سترفعُنا إلى عليّين، مع الأنبياء والشهداء، وستجعلنا نغنّي على مسارح التجنّي.

والمادح والممدوح في هذا الزمان يتبادلان المديح، والقادح والمقدوح كذلك. والفِيَلَةُ تتكاثرُ في مزارعنا وأزقَّتِنا، وتدوسُ بطونَنا وقلوبنا وأدمغتنا، ونحنُ نهلِّي بها ونُمَرْحِبُها ونصفِّقُ لها، ونرجو لها زواجًا صاخبًا حتى تتوالد وتتكاثر سريعًا، ويكون لها من الأولاد والحَفَدة النُّجباءِ ما يملأ المعمورة، لتتمكن من السيطرة على الرقاب، وأن تكتمَ على أنفاسِنا المكتومة، وأن توغلَ في قلوبِنا المكلومة، وأن نظلَّ صامتين مؤدبين، وأن يذهبَ من يذهب مع ربه ليقاتلا، أما نحن فإننا هنا قاعدون، نستمرئُ التملُّق والخديعة. ثمَّ نصيحُ بعد صحوةٍ من الحياة: “الفيل يا ملك الزمان”. ليظلَّ الخبرُ ناقصًا، والبلاغةُ في الحذف من أقوى فنون العرب.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.