فكر مختارات مقالات

فساد الأصنام

فساد الأصنام

بقلم: ماجد الصالح خليفات – الأردن

ثم إنه جاء في الأثر ( وأقصد هنا أثر العراق السومري ) أن أهل أوروك قد ضجّوا من قسوة جلجامش الذي اعتاد أن يدخل بكل عروس قبل زوجها ليلة زفافها . وإمعانا في الغلظة فقد أجبر شباب أورك على أن يبنوا له سورا عظيماً حول مملكته ( الوركاء ) ؛ من حيث قدّر أنه لن يفنى بهذا الإنجاز ؛ إذ كان يرى نفسه من مرتبة الآلهة المخدلين ولم يقبل النبوءات التي اجتمعت على حتمية موته كأي مقاول .

وعليه ، تتحدث الأسطورة بأن الأهالي اشتكوا إلى بعض آلهتهم المقدّرة ، فقرّرت الإلهة “أرورو”* أن تصنع وترسل مخلوقا أهوجاً ، متوحشاً متخبطاً ، ليعيش في الغابة ، ويأكل من أعشابها ويجرب الحياة مع الحيوانات ، ولكي تتخيل شكله فإنه يشبه إلى حد ما صورة المطالبين بالإصلاح ما دام بعيدا عن ابن عشيرتهم . وكانت مهمّة هذا المخلوق ( اسمه أنكيدو ) أن يتعارك مع جلجامش حتى يكفّ هذا الأخير عن جبروته وتهدأ نفسه عن جبروت العظمة الذي كاد أن يقضي على مستقبل البلاد والعباد .

تكمل الحكاية أنه في نهاية صراع شرس وطويل ينتصر جلجامش ، فيصير أنكيدو جنديا في جيش جلجامش وصديقاً حميماً له . يا سبحان الله ، هل هذه حكاية معاصرة؟!

المهم ، هو ما الذي أضعف قوّة أنكيدو حتى استطاع جلجامش أن يتغلب عليه وهو شرس وبهذه القوة التي منحته إياها الآلهة بحسب الاسطورة؟! يُذكر أن جلجامش أرسل فتاة طاغية الجمال إلى أنكيدو حتى تغويه وينشغل بها فتصرفه عن خدمة الغابة فيخسر حب الحيوانات له وقد كان صديقاً مخْلصاً ومخَلّصاً لها . فلما خسر ثقتها خسر قواه .

بقي أن أقول شيئا واحدا : الأردن غابة . . غابة صغيرة وجميلة . وما عدت قادرا على اعتبار أي مجموعة في هذه الغابة على أنها أليفة ، أو أنها لا ترعوي عن البغي على شركائها ان اقتضت الضرورة . الجميع في هذه الغابة الجميلة يريد أن يصنع له منطقة نفوذ على نحو شجرتين ووشارع فرعي . مقعدين والثالث غصب . قلابين فوسفات لهذا الصبي .

تلك أمة قد خلت ، لها ما ابتدعت كما ابتدعنا نحن جلجامشنا الذي لم يدخل بعد مع أنكيدو في عراك فاصل ، وأرورو لا تختلف كثيرا عن مجتمع مكافحة الفساد الذي يرسل فينا أنكدو كلما بردت عصبية أهل أوروك ، فهل نشهد في الأردن تحريفا للأسطورة أم نشهد غرغرتها ثم ابتلاع خراجها؟

فانظر ماذا ترى؟!

_______

* أرورو = من آلهة الأساطير والميثولوجيا القديمة في سومر وبابل وغيرها ، برز اسمها في القصص من خلال مساعدتها كبير آلهة بابل ( مردوخ ) بخلق الإنسان الأول .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.