فكر مختارات مقالات

التوحيدي الذي سبق شوبنهور

بقلم :  علي حسين

نشر الصديق ” أوس شريف ” وهو مثابر ومتابع في كل ما يتعلق بالكتب فقرات من كِتاب (الهَوامِل والشّوامِل ) للفيلسوف العربي ابو حيان التوحيدي .. وقد كنت افردت فصلا من كتابي دعونا نتفلسف ” الجزء الثاني ” الخاص بالفلسفة العربية الاسلامية عن ابو حيان التوحيدي انشره اعتزاز بما يقدمه العزيز أوس شريف .

اسمه الحقيقي علي بن محمد ، أحتار المؤرخين بحكايته ، فراحوا يبحثون عن اصله ونسبه ، منهم من قال انه من نيسابور ، والبعض اكد انه شيرازي ، و أجتمعت اراء كثيرة على ولادته في العراق ، يكتب عن نفسه : ” أمسيت غريب الحال ، غريب اللفظ ، غريب النحلة ، غريب الخلق ، مستأنساً بالوحشة ، معتاداً للصمت ، ملازماً للحيرة ، محتملاً للاذى ، يائساً من جميع ما نرى ” . لا يعرف له ابن او زوجة او اخ ، يستمد نسبه من جذور اخرى ، من كل الوراقين والباحثين عن العدل المستحيل ، لا نقرأ عن طفولته ، او عن صباه ، بل اننا لا نجد في كتبه اي اشارة الى اسرة ، او اشقاء ، عاش وحيدا ومات عن مئة واربعة اعوام ، يائساً وناقماً على الدنيا التي لم تمنحه المكانة التي يرجوها .

ولد ابو حيان التوحيدي سنة 922 للميلاد ، ومنذ طفولته يشعر انه منسحق تحت وطاة ما يسميه بالنحس ، يعيش فقيراً ويموت معدماً : ” الدنيا في عيني مسودة، وأبواب الخير دوني منسدة، لثقل المؤونة ولقلة المعونة، وفقد المؤنس، وعثار القدم بعد القدم، وإنتشار الحال بعد الحال. هذا، مع ضعف الركن وسوء الجزع، وأفول شمس الحياة، وسقوط نجم العمر، وقلة حصول الزاد، ” .. ويتفق المؤرخون ان التوحيدي فقد اباه وهو صغير ، ثم بعدها فقد امه :” واولها حديث الوالدة ، فاني لا اكاد انساها ، ولا اذهل عن شأنها ، وشاني معها ، هذا على بعد عهدي بها ، وامتداد الزمان بيني وبينها ، لانها صارت الى جوار الله وانا غلام ” ، ولعل الحرمان من العائلة هو الذي دفعه الى الدرس وتحصيل العلم ، وميل إلى السفر بحثا عن الكتب حيث راح ابو حيان يطوف شرقاً وغرباً ، من بغداد الى سامراء ، الى سمرقند ، الى واسط ، الى جرجان ، الى مكة ، الى شيراز :” أَشتُد في طلب العلم ، وأَتصل في اقتباس الحكمة ” .. ونعرف انه عمل ناسخا للكتب في بغداد في سنواته الاخيرة ، وبسبب ضيقه من الحياة اضطر في النهاية الى حرق كتبه لإعتقاده بان لا احد سيعرف قدرها بعد موته :” فلي في احراق هذه الكتب اسوة بائمة يقتدى بهم ، ويؤخذ بهديهم ، منهم ابو عمر بن العلاء وكان من كبار العلماء ، دفن كتبه في باطن الارض ، فلم يوجد لها اثر ، وهذا داود الطائي طرح كتبه في البحر وهذا ابو سليمان الدراني ، جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال : والله ما احرقتك حتى كدت احترق بك ” .

يصفه بعض معاصريه بانه كان يمشي مشية المقبلين على الموت . ويبدو ان ابو حيان التوحيدي وبسبب ما عاناه من ذل الفقر جعله صاحب مزاج سوداوي ، ولم يكن السبب في شعوره بالغربة هو الفقر او الوحدة ، وانما عجزه عن التكيف مع مجتمعه :” واغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه ، وابعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه ” . كان الكتاب صديقه الوحيد ، عندما يجلس اليه لايتحرك ابدا ، يقرأ بعينيه ، وفكره ، وكل جسمه : ” كل روحي تجهد وتضيع وتختفي داخل هذا الكتاب ” ومن هنا يروي لنا ياقوت الحموي في معجم الادباء ان التوحيدي : ” انس بالوحدة ، وقنع بالوحشة ، واعتاد الصمت ، ولزم الحيرة واحتمل الاذى ، ويئس من جميع الخلق ” ..وقد كتب التوحيدي رسالة في شرح الانواع المختلفة للحياة ، تكشف عن عقلية فلسفية تؤرقها مشكلة الوجود والعدم ، فهو يتسأل :” لِم أشتد عشق الإنسان لهذا العالم حتى لصق به وآثره وكدح فيه ، مع ما يرى من صروفه ونكباته ، وزواله باهله ” .

كان وحيدا في مواجهة مجتمع جشع .. في مواجهة افكار وخرافات ضاربة الجذور ، يعيش على مهنة استنساخ الكتب ، لا يملك شيئا إلا قلمه وقرطاسه ، يهجو اقارب مزعومين حرموه من ميراث مزعوم ، ويهجو الزمان الذي امسك يديه عنه .

قلة من المفكرين الذين صرحوا باعترافات صارخة الى هذا الحد بشأن خيبة الامل من المجتمع :” ان الإحسان من الانسان زلة ، والجميل منه فلتة ، والعدل منه غريب ، والعدل منه غريب ، العفة فيه عرض ضعيف ” .

كان واجب الفلسفة بحسب ابو حيان التوحيدي ، مساعدتنا على تاويل نوبات الياس ، وان تقوم بارشادنا الى السعادة الحقة ، والتي يراها التوحيدي في الوحدة . لابد ان الذين درسوا حياة ابو حيان التوحيدي ، قد صدموا من نمط الحياة التي كان يعيشها ، لم يكن ثمة منزل كبير ، كان الطعام بسيطا ، فالتوحيدي يستمتع بشرب الماء كثيرا وبغذاء من الخبز والخضار ، تلك كانت ميول رجل اعتبر ان السعادة كذبة ، ولم يكن ينوي خداع قارئه ، فقدم له دليلا على تشاؤمه من الناس وحنقه عليهم وضيقهم بهم .. وهو يصر على ان الصداقة عبارة زائفة :” قبل كل شيء ينبغي ان تثق بانه لاصديق ولا من يتشبه بالصديق ” .

يؤكد ابو حيان التوحيدي على خاصية مهمة في الحياة ، وهي خاصية ” الألم : ” فالحياة طريق للالآم ، تدمى اقدام الانسان لكي يصل الى الخلاص الروحي ، وبواسطة الألم يرتقي الانسان الى درجات عليا . ان التوحيدي لايرى من الحياة غير الجانب المؤلم ، فهي حياة البؤس والفقر والمرض . ويبدو ان الانسان لن يشعر بالسعادة في هذا العالم ، انه فقط يشعر بالعزاء ، وهو يشارك الاخرين الامهم . وعندما يشعر الفرد بالامه ، فكانه يحمل جزءا من ألم العالم .يقول مسكويه في افتتاحية كتاب ” الهوامل والشوامل ” وهو يجيب على اسئلة التوحيدي : ” قرأت مسائلك التي سألتني اجوبتها في رسالتك التي بدأت بها فشكوت فيها الزمان واستبطأت بها الأخوان ، فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم ” .

لاشك ان هذه النظرية التشاؤمية التي اوجدها ابو حيان التوحيدي في الفكر العربي ، قد واجهت الكثير من الانتقادات من قبل معاصريه . واذا كان التوحيدي قد استمدها من اطلاعه على كتب اليونان ، الا انه قد غالى فيها ، فالألم والعذاب هو ماهية الحياة التي يحياها الانسان في هذا العالم .. ويذهب التوحيدي الى تبني راي الفيلسوف اليوناني زينون الذي كان يقول ان علينا ان نخلق الالم حتى نشعر بقيمة الحياة ، فلولا الألم والعذاب والبؤس ما وجد معنى للحياة التي نعيشها . ومعنى هذه النظرية ان وجود الالم والمعانة امر لازم لبقاء الشعور الانساني بالتشاؤوم .

واذا نظرنا الى نظرية ارسطو في الألم والتي كان التوحيدي معجبا بها ، لوجدنا انه يعتبر الالم حالة من حالات الشعور ، ويذهب ارسطو الى اننا لانستطيع ان نعد الالم قيمة سلبية ، بل يمكن اعتباره مجرد علامة تنبهنا الى عدم تحقق الخير ، ان الالم يعبر عن احساس عميق بتناهي الحياة الانسانية ، ويكشف عدم الرضا بكل ما يثيره الوجود الانساني ، ويدفع الى الخلاص .

*********

يقال ان السؤال رغبة في العلم ، اما التساؤل ، فهو اسلوب في التعليم ونشر المعرفة . ولا يكاد يوجد مفكر عربي اهتم بالاسئلة والتساؤلات مثل التوحيدي .

في سوق الكتب في بغداد يجلس ابو حيان التوحيدي ، انها سنوات الحيرة والسؤال .. السؤال الذي يقول عنه ابو حيان انه اول الطريق الى المعرفة .. ومفجرا لها .. في تلك السنوات يقرر ابو حيان التوحيدي ان يضع كتابا بعنوان ” الهوامل والشوامل ” يتضمن اسئلة يطرحها التوحيدي واجوبة على لسان مسكويه الفيلسوف والطبيب والكيميائي وكان احد معاصري التوحيدي وشغف مثله بفلسفة افلاطون وارسطو، يخبرنا احمد امين في مقدمته لكتاب ” الهوامل والشوامل ” ان كلمة هوامل تعني الاسئلة المنطلقة مثل المطر ، اما الشوامل فهي جمع لكلمة شامل ، والمراد بها الاجوبة الشاملة . وفي هذا الكتاب لم يترك التوحيدي درباً من دروب الفلسفة او الاقتصاد او الاجتماع او علم النفس إلا وسلكه ليطرح اسئلة نجد عليها في الكتاب اجابات موسعة :

– لماذا لايعود الانسان شابا فطفلاً فجنينا ؟
– ما ملتمس النفس في هذا العالم ؟
– ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف ؟
– ما المكان ، وهل الوقت والزمان واحد ؟
– ما الزمان ؟
– لماذا يحن الانسان الى مكان بعينه ؟ او الى زمان بعينه ؟
– ما السبب ، ما العلة ؟
يتوقف ابو حيان كثيرا امام الاسئلة التي تتعلق بالانسان وفي كتابه ” المقابسات ” يشير الى جوانب تتعلق بالانسان بصورة مباشرة ومن بينها :
– في تطهير النفس وتجريدها من الشوائب البدنية
– في ان الانسان يمكن ان يجمع اخلاقا متباينة
– في اننا نساق بالطبيعة الى الموت وبالعقل الى الحياة
– في كتم السر عند الانسان وعلة ظهوره

ونجد التوحيدي في معظم كتبه يجعل من اشكالية الانسان الموضوع الاساسي لكل التفلسف ، وهو ينص على ضرورة تقديم مشكلة الانسان على كل ما عداها من مشكلات :” زعمت الحكماء على ما أوجبته آراؤها ودياناتها ان الوحي القديم النازل من الله قوله للانسان : ” اعرف نفسك ، فان عرفتها عرفت الأشياء كلها . وهذا قول لاشيء اقصر منه لفظا ، ولا اطول منه فائدة ومعنى وأول ما يلوح منه : الرزاية على جهل نفسه ولم يعرفها “.

والعقل هو المرجع الاكبر الذي يعود اليه التوحيدي في مناقشة واقع الحياة وسؤال الوجود ، فهو بالنسبة له معيار الحقيقة وميزان الحكم على الاشياء ان :” العقل هو الملك المفزوع اليه ، والحكم المرجوع ألى ما لديه ، في كل حال عارضة ، وأمر واقع ، عند حيرة الطالب ، ولدد الشاغب ، ويبس الريق ، واعتساف الطريق ، نوره اسطع من نور الشمس ، التكليف تابعه ، شريعته الصدق ، وامره المعروف ، وخاصته الاختيار ، ووزيره العلم ، وظهيره الحلم ، وكنزه الرفق ، وثمرته اليقين ” .

ويؤمن التوحيدي ان التقليد عدو العقل ، لان التقليد في جوهره اتباع لعقول اخرى توصلت الى نتائج معينة ، بطريقتها الخاصة ثم ياتي المقلد ليتبعها من دون تدقيق وفحص :” العقل صلف شديد ، فأذا قدته الى التقليد جمح ” .

وقد سعى التوحيدي الى التفريق بين المعرفة الوجدانية القائمة على الدين ، والمعرفة العلمية القائمة على آليات العقل في النظر ومنهجه في البرهان ، ونراه يدعو الى تثبيت مدرسة فلسفية ترى ضرورة الفصل بين الفلسفة والدين ، وترفض الجمع بينهما ، لان لكل منهما مجاله الخاص ، فالدين مبني على التسليم والفلسفة مبنية على النظر ، إلا ان التوحيدي يذهب الى ابعد الحدود في المقارنات عندما يصر على الاعلاء من شأن الفلسفة على حساب الشريعه حيث يكتب :” الشريعة طب المرضى ، والفلسفة طب الاصحاء ، والانبياء يطبون المرضى حتى لايتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط ، والفلاسفة يحفظون الصحة على اصحابها حتى لايعتريهم مرض اصلا ، وبين مدبر المريض وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر ، وامر مكشوف ، لان غاية تدبير المريض ان ينتقل به إلى الصحة ، هذا اذا كان الدواء ناجحا ، والطبع قابلا ، والطبيب ناصحا ، وغاية تدبير الصحيح ان يحفظ الصحة ، وعدا حفظ الصحة ، فقد افاده كسب الفضائل وفرغه لها وعرضه لاقفتنائها ، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، وقد صار مستحقا للحياة الإلهية ، والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة ، وان كسب من من يبرأ من المرض يطب صاحبه الفضائل ايضا ، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ايضا ، لان احدهما تقليدية ، والاخرى برهانية ، وهذه مظنونة وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية وهذه جسمانية ، وهذه دهرية ، وهذه زمانية ” .

هكذا يضع التوحيدي الفلسفة في منزلة متقدمة ، مثلما يجعل من السؤال الطريق لعمل العقل ، ورغم ان التوحيدي لم يتوقف عن السؤال طوال حياته ، الا انه كان يعرف في معظم الاحيان أن ليس ثمة اجابات ، ومن هنا اتسمت فلسفته بهذه النزعة التساؤلية المتولدة عن الدهشة ، والمقترنة بالحيرة ، والممتزجة بالقلق ، وبتلك الروح المتعجبة التي وصفها الفيلسوف الالماني شوبنهور بقوله :” ان الشخص الذي يملك عقلية فلسفية حقة ، انما هو ذلك الذي يتمتع بالقدرة على التعجب من الاحداث المالوفة ، وامور الحياة العادية ، بحيث يتخذ موضوع دراسته من اكثر الاشياء الفة واشدها ابتذالا ” .

يؤكد التوحيدي ان الحقيقة لم تكن يوما من الايام وفقا لمذهب بعينه ، بل هي قد كانت دائما موزعة بين سائر المذاهب ، وان تاريخ الفكر الفلسفي هو ندوة كبرى يتحقق فيها ضرب من التعايش الفكري بين فلاسفة الماضي والحاضر وحينما يقول التوحيدي ان :” النفوس تتقادح ، والعقول تتلاقح ، والالسنة تتفاتح ” فهو يعني بذلك ان تاريخ الفكر هو شبكة من العلاقات الفكرية والمطارحات العقلية .

والتوحيدي يؤمن ان حقائق العلوم نسبية :” فان الحق لو جاء مُحضاً لم اختلف عليه ذوو الحجى ، وان الباطل لو جاء محضاً لما اختلف ايضا فيه اصحاب الحجى ، فالباطل كالحق ، لا يمكن ان يكون خالصا من الشوائب صافيا من ضده ” ولا شك ان التوحيدي في هذه الملاحظة حول نسبية الحقيقة ، يدعونا إلى الايمان ، بانه لاحقيقة مطلقة في مدركات العقول الانسانية مهما كانت هذه العقول الإنسانية :” بل ستظل حقيقتنا دائما ابدا جزئية نسبية متناهية على صورتنا ومثالنا ، وسيظل الفيلسوف مجرد شاهد ، ينطق بلسان تجربة بشرية قاصرة ” .

****

” سوف نغدو بالنتائج لامبالين تجاه ما يجري في عقول الآخرين عندما نكتسب معرفة كافية بضحالة افكارهم وتفاهتها وتعصب رؤاهم وحقارة عواطفهم وضلا آرائهم . وبعدد اخطائهم .. ولسوف نرى عندئذ ان كل من يُضفي قيمة كبيرة على آراء الاخرين يوليهم شرفا اكثر مما يستحقون ” . كانت هذه حجة آرثر شوبنهور ، وهو احد النماذج الرائدة في فلسفة التشاؤم . وقد تساءل ابو حيان التوحيدي قبل شوبنهور بسبعمائة عام : ايتوجب علينا العيش في مجتمع لايحترم العقل ، ويجيب :” لا يوجد إلا الاختيار بين الوحدة والجهل ” ، جرب التوحيدي العيش وسط المجتمع ، لكنه شعر تلقائيا بعدم الرضا مما يدور حوله ، والشعور بالعجز عن تحقيق اي ضرب من ضروب التواصل مع الناس ولهذا نجد ياقوت الحموي يصف ابو حيان التوحيدي انه :” انس بالوحدة ، وقنع بالوحشة ، واعتاد الصمت ، ولزم الحيرة ، واحتمل الاذى ، ويئس من جميع الخلق ، وانتحل القناعة رياضة ” وهذا الوصف نفسه يتردد على لسان التوحيدي :” غربة لاسبيل له الى الاوطان ، ولا طاقة به على الإستبطان ” وليس من قبيل الصدفة ان نجد في مواضع متفرقة من كتب التوحيدي اهتماما بقضية الموت ، وتساؤلا عن سر اقبال الناس على الانتحار :” ترى ما السبب في قتل الانسان نفسه عند عند اخفاق يتولى عليه ، وفقر يحوج اليه ، وحال تتمنع على حوله وطوقه ، وباب ينسد دون مطلبة ومأربة ، وعشق يضيق ذرعا به ؟ وما الذي يرجوه بما ياتي ، وما الذي يخلص الى وهمه من العدم ، حتى يسلبه من قبضة الوجدان ، ويسلمه الى صرف الحدثان ” . وكل هذه الاسئلة إنما تدل على ان التوحيدي قد انتبه الى ما في مشكلة الانتحار من غموض ، فهو يسال كيف تتخلى النفس البشرية عن الحياة ، وهي التي طالما تعلقت بها . ولعل اهتمام التوحيدي بمناقشة فكرة الانتحار انما يدل على عنايته بدراسة مشاكل الوجود الانساني ومناقشة قضايا مهمة كالموت ، العدم ، والشر ، والخطيئة .. ولعل القارئ لكتب ابو حيان التوحيدي سيكتشف ان اديبنا الفيلسوف او فيلسوفنا الاديب يعتبر ان وظيفة الاديب او المفكر هي الاحتجاج ، فالفيلسوف حسب تعبير التوحيدي هو الذي ” ينصرف الى الكل ” ويدخل كل مجالات الواقع ليبدي رايه الحر فيها ، دون ان يغلق الباب وراءه او يتقيد بواحدة منها ، واذا كان من حقه ان يتكلم عن كل شيء ، فهو حق من يسال على الدوام ، ولهذا تحدد شخصية الفيلسوف عند ابو حيان التوحيدي في رفضه لليقين السائد ، واستنكاره للبداهة الساذجة ، وتمرده على الحقائق السهلة ، وتمرده على احوال العصر الذي يعيش فيه :” وكن لنفسك بنفسك ، تجد انسك في انسك ، واياك و ( لو ) فانها منزلقة واياك و ( لعل ) فانها مغلقة ، واياك والتمني فانه مقلقة ، واياك والتهمة فانها مغرقة ، وعليك بالفكر الصحيح ، والراي الصريح ، والصاحب النصيح ، فانك بهذا واشباهه تنعم سراً وجهراً ، وتملك بطناً وظهراً ” .

ويلاحظ ان التوحيدي لايرى فكاكاً للانسان من مازقه إلا بنفسه ، فهي المرجع وهي الاساس ولذلك لم يحل إلى شيء خارجها :” كن لنفسك بنفسك ” ..ويلاحظ بالنسبة للتوحيدي ان ” اعرف نفسك بنفسك ” السقراطية ، كانت كرست النفس في الانسان وكانت دعوة للاعتناء بنفسه ليعيش حياة مستنيرة ويتثقف بقوة العقل .

في محاورة الدفاع يقول سقراط لتلامذته :” ليس لي عمليا من هدف ، وانا اعبر الشوارع ، إلا ان اقنعكم ، شبابا وشيبا ، في انه لايجب ان نعطي الاهمية للاجساد وللغنى ، بل ان يعمل بقدر المستطاع من الحماسة من اجل كمال النفس ” .. ظل التوحيدي طوال حياته مؤمنا بان تكريس القيم الاخلاقية في النفس البشرية كفيل لوحده بان يعيد للانسان حياة سعيدة وفاضلة .

كان التوحيدي اتخذ مقدمة لبراهينه على الفضيلة معتبرة كمعرفة ، ان العقل هو المملكة التي تميز الانسان قبل كل شيء ، من بين سائر المخلوقات . والانسان في اعتماده على العقل يضع لنفسه اهدافا ومهمات محدده ، وفي تمكنه من المعارف والتجربة التي يكتسبها ، يسعى الى تحقيق مآربه ، كذلك بقدر ما تكون معارفه شاملة ، تكون المهارة التي يكتسبها كبيرة ، ويؤدي مهماته بنجاح ويشبع حاجاته ، لقد اعتبر التوحيدي المعرفة وحدها تسمح للانسان ان يستعمل عقليا ، الوسائل التي يقتضيها ، هدفه ، مثلا ، ثراؤه وصحته ، لتحقيق الرفاهية والسعادة ، منطلقا من هذا الاعتبار كان يتصور الفرضية التالية ، الثراء والصحة ليسا ذاتهما خيرا او شرا . فالامر يتوقف على المعرفة او الجهل يؤول اليه الاول او الثاني .اذن المعرفة هي الخير ، والجهل هو الشر .

اختلف المؤرخون بامر التوحيدي بعد ان احرق كتبه عام 400 للهجرة ، فالبعض يؤكد انه قضى سنواته الاخيرة في التعبد والتنسك ، فيما ذهب ابن خلكان في كتابه ” وفيات الاعيان ” الى وصف الساعات الاخيرة من حياة التوحيدي كما جاءت على لسان احد اصحابه فارس بن بكر الشيرازي الذي قال :” لما احتضر ابو حيان ابو حيان كان بين يديه جماعة قالوا له :” اذكر الله ، فان هذا خوف ، وجعلوا يذكرونه ويعظونه فرفع ابو حيان راسه اليهم وقال : كأني اقدم على جندي او شرطي ، انما اقدم على رب غفور .ثم قضى ” هكذا انتهت حياة ذلك الفيلسوف الذي عاشا غريبا في عالم البشر ، مما اضطره ان يفقد ايمانه بالاشياء التي حوله ، لكنه ظل متمسكا بالعقل ، مؤمنا بقدرته على الانتصار في النهاية .

ماذا نقرأ للتوحيدي؟

• كتاب المقابسات تحقيق ونشر حسن السندوبي
• الامتاع والمؤانسة تحقيق احمد امين واحمد الزين
• الاشارات الالهية تحقيق وتقدبم عبد الرحمن بدوي .. وهناك نسخة اخرى بتحقيق الدكتورة وداد القاضي .
• الهوامل والشوامل تحقيق احمد امين واحمد صقر
• ثلاث رسائل تحقيق ابراهيم الكيلاني
• البصائر والذخائر تحقيق احمد امين واحمد صقر
• مثالب الوزيرين تحقيق ابراهيم الكيلاني
• ثمرات العلوم تحقيق وتقديم انور محمد زناتي
• الصداقة والصديق تحقيق الشربيني شريدة
• الرسالة البغدادية تحقيق عبود الشالجي
ماذا نقرا عن التوحيدي
• ابراهيم الكيلاني .. ابو حيان التوحيدي
• زكريا ابراهيم .. ابو حيان التوحيدي الاديب الفيلسوف
• احمد محمد الحوفي .. ابو حيان التوحيدي
• عبد الرزاق محي الدين .. ابو حيان التوحيدي
• احسان عباس .. ابو حيان التوحيدي
• انور لوقا .. ابو حيان التوحيدي وشهرزاد
• عبد الامير الاعسم ..ابو حيان التوحيدي وكتاب المقابسات
• علي شلق .. ابو حيان التوحيدي والقرن الرابع الهجري
• محمد الشيخ ..مع ابو حيان في شقوته
• هالة احمد ..ابو حيان التوحيدي ..الغفلة .. الانتباه
• خلاصة التوحيد .. مختارات قد لها جمال الغيطاني
• د. محمد عمارة .. ابو حيان التوحيدي بين الزندقة والابداع
• د. حسن اسماعيل .. الفاظ الحضارة عند ابو حيان التوحيدي

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.