اجتماع عالم المرأة مختارات مقالات

واقع المرأة في السجون المغربية

 “العقوبة السالبة للحرية لا تسلبها إنسانيتها
ولا باقي حقوقها الأخرى”

 

بقلم الأستاذة/ ابتسام هيشر – المغرب

أخصائية في العلوم السجنية و العلاج النفسي السلوكي

رغم أن معظم نزلاء المؤسسات السجنية هم من الرجال من مختلف الأعمار إلا أن هذا لا يلغي حقيقة وجود نساء سجينات والذي بلغت نسبتهن 2,4 بالمائة من مجموع السجناء بالمغرب، ومع تزايد عددهن عملت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج على إنشاء سجون خاصة بإيواء النساء في مختلف مناطق المغرب، إضافة إلى الأحياء المخصصة لهن في مختلف سجون المملكة والتي تساعدهن على قضاء فترة العقوبة في ظروف تحترم خصوصية المرأة بصفة عامة والمرأة المسلمة بصفة خاصة.

تعتمد ظروف الاعتقال في السجون المغربية على عزل السجناء الرجال عن السجينات في أماكن الإيواء كما في مراكز التكوين باعتبار أن للجسد الأنثوي حرمته، كما أن حراسة أماكن الإعتقال هي موكلة للموظفات من النساء ويمنع دخول الموظفين من الرجال إلى أماكن الإيواء، إلا في بعض الحالات كالتمرد والعصيان أو ما يصطلح عليه داخل الفضاء السجني (البرا كاج) أوالتفتيش عن الممنوعات الذي يستوجب تدخل بعض الموظفين، وتتم العملية في حضور الموظفات لتفادي أي نوع من الإساءة سواء من السجينات أو من الموظفين.

وتندرج المرأة السجينة في إطار الفئات الهشة التي تستلزم عناية خاصة، ترتكز على رؤية مختلفة تأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات المرتبطة بالمرأة أولا، ووضعيتها رهن الإعتقال ثانيا، مما يستدعي اعتماد  مقاربة إدماجية خاصة تهدف إلى تمكين المرأة، اعتمادا على معايير دولية ووطنية تماشيا مع السياسة الحكومية الرامية إلى إحلال المرأة المكانة التي تستحقها في المجتمع.

من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج أصبحت تنخرط في برامج وطنية ودولية من شأنها أن تعمل على مكافحة العنف القائم على النوع، واعتماد مجموعة من الخطط للإرتقاء بواقع المرأة السجينة وتجلى ذلك أولا من خلال القضاء على الأمية في السجون وفي صفوف النساء خاصة ويندرج هذا البرنامج في إطار مشروع سجون بدون أمية والذي هو عبارة عن شراكة بين المندوبية العامة لإدارة السجون والوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، كما أن برامج إعادة الإدماج أصبحت تأخد بعين الإعتبار تكوين المرأة على مجموعة من الحرف: كالخياطة والفصالة والحلاقة والتطريز وصناعة الكمامات، التي تتماشى مع متطلبات السوق المحلية والوطنية لتسهيل الانخراط في سوق الشغل بعد انقضاء فترة العقوبة والعودة الى الحياة الطبيعية.

كما أن المندوبية العامة لإدارة السجون تشجع السجينات على الإبداع الأدبي من خلال القيام بمسابقات في مختلف المجالات: الشعر القصة والرواية والرسم، كما أنها تساعد هؤلاء السجينات المبدعات في بيع بعض المنتوجات في مجموعة من المعارض.

ولأن المندوبية العامة لإدارة السجون تهمها صحة السجينات فإنها تعمل على متابعة صحتهن بصفة مستمرة من قبل الممرضات وأطباء مصحة السجن، وإذا كانت هناك حالات مستعجلة تستدعي التنقل إلى مستشفيات كبرى خارج المؤسسة السجنية فإن الأمر يتم على وجه السرعة نفس الشيء بالنسبة للتحاليل الطبية والحالات التي تستدعي زيارة طبيب نفسي بالنسبة للسجينات اللواتي يعانين من الإدمان أو من اضطرابات نفسية وعقلية بالإضافة إلى حالات الولادة.

وبإعتبارأن للمرأة خصوصيات مثل الحمل والولادة، فإن المندوبية العامة لإدارة السجون قامت بتخصيص فضاءات للنساء الحوامل والمرضعات والنساء المرفقات بأطفال، من أجل السهر على راحتهن ولقضاء فترة العقوبة في ظروف شبه طبيعية تحت العناية الطبية، ولحماية الأم والطفل  من كل خطر بعيدا عن واقع الزنازين بكل فوضويتها وسوداويتها.

وعلاوة على ذلك، تسعى المندوبية العامة لإدارة السجون لتوطيد الروابط بين السجينات  والمجتمع بالمحافظة على العادات والتقاليد وتضمن للسجينات الحق في عقيقة وفي احتفال بسيط داخل المؤسسة السجنية بالإضافة الى تسجيل الطفل بدفتر الحالة المدنية.

كما أن للسجينة الحق في الاحتفاظ بطفلها إلى حدود بلوغه 3 سنوات ولها الحق في تمديد المدة لتصل 5 سنوات كحد أقصى؛ وذلك إن أثبتت الأم أنه ليس من معيل لطفلها خارج المؤسسة السجنية، وتستفيد السجينة كذلك من خدمات  الحضانة وروضة الأطفال الذي تسهر عليه مجموعة من الموظفات.

بالإضافة إلى حاجيات الأم المرضع والطفل من ملابس وحفاضات وحليب الرضع وأكل صحي وأدوية وما إلى ذلك.

منذ ولوج المؤسسة السجنية في ربوع المملكة تعامل السجينة اليوم معاملة إنسانية تحترم المعايير النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وكذلك القانون المنظم للسجون 23.98 والناظم لحقوق الأفراد داخل الفضاء السجني، والذي يصون لها كرامتها باعتبارها انسان أولا ومن الفئات الهشة ثانيا، كما أن العقوبة السالبة للحرية لا تسلبها إنسانيتها ولا باقي حقوقها الأخرى.

وبناء على ذلك، ربما وضعية بعض السجينات داخل الفضاء السجني أهون بكثير من حياتهن خارج أسوار السجن.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ابتسام هيشر
ا. ابتسام هيشر - المغرب؛ أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.