مقالات

المرض بالمنهجية

المرض بالمنهجية

بقلم : كرايس الجيلالي – الجزائر

يرى نصر محمد عارف في كتابه إبستمولوجيا السياسة المقارنة: انه في كثير من الاحيان نتوصل الى نتائج وخلاصات صحيحة بوسائل غير موضوعية، ويمكن الوصول الى نتائج خاطئة بوسائل موضوعية، اي ان البحث العلمي لا يمكن ان يخضع لصرامة المنهجية بطريقة مرضية لا تقبل اي نقاش، حيث يمكن ان يتدخل الباحث وان يعدل وان يخرج عن القواعد المنهجية في بعض الاحيان من اجل الحفاظ على علمية البحث، فالضرورة تبيح المحظورات، ويجوز للباحث ما لا يجوز لغيره، شرط ان يكون متمكن من المنهجية ويتملك منها رصيد كافي، وليس عبارات ونصوص يكررها دون فهم او معنى اذ انه لا مفر من التقيد بالمنهجية العلمية في اي بحث اكاديمي، ولا لمفر للباحث من ادراك المنهجية والاهتمام بها اثناء انجاز البحوث العلمية، خاصة عندما نتحدث عن رسائل الدكتوراه، حيث لا مفر للباحث من الالتزام بالإجراءات المنهجية في كل خطوة من خطوات الدراسة، فالمنهجية هي التي تفرق بين الخطاب العامي والمعرفة العامية، وبين الخطاب العلمي والمعرفة العلمية، وهي ايضا جزء مهم من اثبات رصانة الدراسة وصدقية النتائج المتوصل اليها، ولذلك على الباحث منذ دخوله الجامعة ان يهتم بمنهجية البحث العلمي، ولا بد ان تكون هي شغله الشاغل، فالجامعة قبل ان تعلم الباحث التخصص، عليها ان تعلمه كيفية انتاج العلم، وكيف يكون باحثا، عن طريق الالمام بمنهجية البحث العلمي، وخطوات كتابة اي بحث او دراسة، بداية من السؤال الاولي، وصولا الى نتائج الدراسة.
لكن التقيد بالمنهجية لا يعني ان يتحول الباحث الى الة تنسخ ما تقرئه من الكتب، وتحاول اسقاطه بحذافيره على اي دراسة تقوم بها، فهناك من يفتح كتاب في المنهجية، ويحاول ان ينقل منه بطريقة حرفية، خاصة في طرح الاسئلة وفي بناء الفرضيات، واستخراج الابعاد والمؤشرات، وكان عقله قد تعطل، ولا يستطيع القيام بتلك العملية ذهنيا، فتجد الباحث يريد ان يسقط ما قيل في كتب المنهجية دون اي اجتهاد منه، وهذا راجع الى الطريقة التي اصبحت تدرس بها المنهجية، حيث تحولت الى دروس نظرية، وحصص املاء، حيث اصبح الاستاذ يملي منهجية البحث، كما يملي اي شيء للحفظ والتلقين، كما ان مادة المنهجية اصبحت في الجامعة توكل للأساتذة الاقل خبرة، او للأساتذة المؤقتين، والمشكلة محاضرة واعمال موجهة، رغم انها مقياس يحتاج الى الخبرة والتجربة، اكثر من المعارف العلمية المتراكمة دون معنى.
المنهجية اليوم وبسبب التعامل معها داخل الجامعة، كمادة ثانوية ومنبوذة من طرف الكثير من الاساتذة، رغم انها عصب البحث العلمي، واساس بناء وتكوين الطالب، وتعويده على انتاج الخطاب العلمي الاكاديمي، تحولت الى نصوص جامدة وتعليمات جاهزة، يضيع الكثير من الباحثين وقتا كبيرا في محاولة اسقاطها بطريقة الية، والسبب انه لا يمتلك ثقافة منهجية، ولم يمارس المنهجية طيلة سنوات التكوين، سواء في التدرج او في ما بعد التدرج، فالمنهجية ممارسة وتجربة وخبرة، وتفاعل وتعامل مع الميدان، واختبار لخطوات البحث العلمي، وممارستها، والاستفادة في كل مرة من تجربة بحثية جديدة، وليست تعاليم واملاءات يسردها الاساتذة دون اي معنى.
المنهجية اليوم والموضوعية والصرامة، قد تحولت الى مرض يعاني منه الكثير من الباحثين، بسبب السعي الى الاستنساخ، والتكرار، والتطبيق الحرفي، دون اي جهد، ودون السماح لذات الباحث، بان تكون ذات علمية ومنهجية، وان تحاول ممارسة المنهجية كمهنة وليس التقيد بها كتعاليم ومراسيم جاهزة، فكتب المنهجية تساعد الباحث وتوجهه، لكنه لا يمكن ان تكون بديلا للباحث وخصوصية البحث، وتجربته في الميدان، ان هذا الامر يدفعنا الى المناداة بضرورة اعادة النظر في كيفية تدريس المنهجية في الجامعة، واعطائها الاهمية التي تليق بها، كمادة اساسية، او على انها علم العلم، ولذلك يجب اسنادها الى اساتذة ذوي خبرة، وايضا لديهم الشجاعة على المغامرة المنهجية، فالبحث الناجح بقدر ما هو تقيد بالمنهجية العلمية، هو ايضا مغامرة بحثية من طرف باحث واثق في نفسه، وينظر الى المنهجية على انها ممارسة وليست تعاليم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.