أدب و تراث اجتماع مختارات مقالات

بسمة النسور تكتب: ما بعد الحظر

لم أعد ألتقي جارتي اللطيفة إلا مصادفة. يعترينا الارتباك سوياً، لأننا أصبحنا غريبتين من جديد. نتبادل التحيات المقتضبة وعبارات المجاملة، ثم تمضي كل منا إلى انهماكاتها، وكأننا لم نتشارك الصغيرة والكبيرة أيام الحظر الموحشة، حين كان ممنوعاً علينا مغادرة البيوت إلا في ساعات محدّدة. دأبَت على زيارة مكتبتي الصغيرة، فأقترح عليها عناوين تناسب اهتماماتها. اقتربنا كثيراً في تلك المرحلة الحرجة، وجمعت بيننا همومٌ مشتركة، الخوف والقلق على الأحبّة البعيدين، الضجر والرغبة في التحايل على الوقت الممتد الطويل. تبادلنا الأطباق المتنوعة، وشربنا فناجين قهوة كثيرة. تمشينا في الجوار، تبادلنا أسماء أفلام جديرة بالمشاهدة. حوّلنا سطح البناية إلى ورشة رسم بدائية. وتمكّنا من إنجاز لوحاتٍ معقولة، ونجحنا وقتها في إلحاق هزيمة نكراء بكورونا التي طغت أخبارها على كل شيء، وحوّلت كثيرين منا إلى كائناتٍ مستلبة مرعوبة، عاجزة عن التعايش مع استحقاقات الحظر. ساد شكل هذه العلاقة الإنسانية بين جيرانٍ كثيرين اقتصرت علاقاتهم في السابق على تبادل التحيات، غير أن تهديد الوباء دفعنا إلى أن نستعيد ذلك النمط الاجتماعي العتيق، حيث الجيران بمثابة الأهل.

الآن، وبعد تخفيف إجراءات الحظر إلى حدّها الأدنى، وعودة الحياة إلى مسارها الصاخب العدواني، رجع معظم الناس إلى طبيعتهم غير الاجتماعية، ولم يعودوا معنيين بالحفاظ على ذلك النمط النادر الثمين من التضامن والتكافل والتقارب الإنساني الذي يجعلك تصدق أو تتوهم أن الدنيا بخير، وأن الناس لبعضها، وأن تجربتنا الصعبة في أثناء الحظر علمتنا دروساً بليغة، لن نفرّط بها.

لكن الراصد سيكتشف، بسهولة، قدرة الناس المذهلة على التكيف مع تبدّل الأحوال، وسرعة استردادهم الصفات السلبية التي توارت إلى حين. يكفي أن تقود سيارتك في شوارع العاصمة، مساء الخميس مثلاً، ليصمّ أذنيك زعيق أبواق السيارات المندّدة بتقاعس رجل السير عن تنظيم أزمة المرور، ولتصدمك سلوكياتٌ عنجهيةٌ مشينة، مثل رمي القاذورات بصلافة في أماكن التنزه. هذه النماذج المؤسفة من البشر الذين كان أقصى طموحهم الخلاص من حبس جدران البيت، شوقاً للحياة، وتقديراً عالياً لكل تفاصيلها، وقد أحسّوا بأهميتها في أيام الحظر، سرعان ما عادوا إلى سيرتهم الأولى، بكل جحودهم لأمنا الطبيعة، يهاجمونها بجهلهم وغوغائيتهم وضيق أفقهم وأعقاب سجائرهم ومخلفات مشاويرهم من بقايا ساندويشات وعلب عصير فارغة.

مشاهد مخيبة للأمل على مدار الساعة، بعد أن كفَّ أغلب الناس عن اتخاذ إجراءاتٍ احتياطية، من ارتداء كمّامات، والتزام بتباعد اجتماعي ما زال ضرورياً، غافلين عن أن الوباء ما زال متربصاً، مستعدّاً للانقضاض بضراوة، بسببٍ من استهتارهم وقلة إحساسهم بالمسؤولية، من المحزن حقاً أن يصيبنا، إزاء ذلك كله القبح، حنين إلى أيام الحظر المحفوفة بالخوف، حين ارتاحت الطبيعة من عبثنا، وعمّ السلوك المهذّب والأخلاق الرفيعة، وتعلّم الناس معنى التزام النظام، وأدركوا خطورة الفوضى، فانتظموا في الطوابير بشكل حضاري، وتقيّد الكل بتعليمات الجهات المختصة، لضمان السيطرة على انتشار الوباء. والأهم من ذلك كله أنهم تمكنوا من إعادة تشكيل علاقاتهم الاجتماعية.

محزنٌ جداً أن ينكفئ الواحد منا على ذاته، مستجيراً بعزلته، هرباً من مظاهر العدائية والأنانية المسيطرة على المشهد الراهن، ما يؤكّد أن دروس كورونا القاسية ذهبت قبض الريح عند الغالبية العظمى. وهذا ما يستحق دراساتٍ اجتماعية نفسية عميقة، يقف عليها مختصّون بأسرار النفس البشرية الميالة إلى الإنكار والنسيان، أسلحة غير فعالة في مواجهة نوائب الدهر على اختلاف أشكالها.

 

نقلا عن العربي الجديد

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.