مقالات

رجل الظل: صانع الاحداث خلف الكواليس

رجل الظل: صانع الاحداث خلف الكواليس

بقلم: أحمد المهداوي

– عادةً، لا أهتم للرّجل الأول في دولةٍ ما أو تنظيمٍ ما، بقدر ما يحوز اهتمامي “رجل الظّل” الذي يصنع خلف الكواليس الأحداث، ويمشي الأول متبختراً بما أنجزه الثاني على مرأى ومسمع من الكل…

 

لربما، وأنا أتابع دراسة مجموعة من الشخصيات عبر التاريخ الزاخر بالوجوه ذات الصيت الذائع، أرى خلف كلٍّ من تلك الوجوه وجوهاً أخرى تصنع المجد في الخفاء دون أن تظهر للعيان أو تبرز للملأ، وبعودةٍ سريعة لشخصياتٍ ذات أثر في كرونولوجيا الزّمن، سيجد القارئ/الباحث أن شخصية مثل الإسكندر الأكبر الأخير الذي حقق مجداً منقطع النظير في العالم القديم، وصعد نجمه في عنان السماء، (سيجد) أن خلف هذه الشخصية شخصية أخرى تدعى (كراوتيوس) القائد اليوناني في عهد فيليب المقدوني، والذي درج على وضع خطط المستقبل وِفق التصور (الفليبي) بتمازج مع تصور الإسكندر ذاته، ثم ما لبث بعد قتله أن تحولت صفة رجل الظل للصديق الحميم للإسكندر ألا وهو (هيفاستيون) الذي لازم الأول كظله لا يفارقه.

 

أما في الجانب الآخر، ولا يسعني ذكر كل الأمثلة، إنما هذه المذكورة على سبيل المثال لا الحصر، قلت على الجانب الآخر من العالم الشرقي تواجد السلطان علاء الدين خلجي الذي أذعت له رقاب من في الهند، وأثخن في أراضي دلهي وما جاورها، هذا السلطان على عظمته بمقياس (العظماء) لم يكن وحده الحقيق بمجده بل خلفه القائد (مالك كافور) الذي صاغ المخططات، وأخمد الثورات، وصان عرش آل خيلجي عديد مرات.

 

وعلى الضفة الأخرى، من جهة الشرق، بات يُعرف سليمان القانوني بسلطان السلاطين، لكن سلطانه في حد ذاته مدين للرجل الثاني في دولته (إبراهيم باشا) الذي قال عنه لامارتين “إبراهيم باشا لم تقتله سوى عظمته”، فقد بلغ ذروة سنام الدولة بعد القانوني، وسيّرت الأمور بين يديه يتخذ ما يراه مناسبا من قرارات، ويُصدر ما يتوافق مع رؤيته من فرمانات وقوانين، باختصار كانت أعباء الدولة على كاهله، حاملا إيّاها في الظّل.

 

أما ناحية الغرب فقد ملأت صيحات هتلر جنبات ألمانيا، وأذكت خرجاته الإعلامية أفكاره لدى مؤيديه، واستطاع بخطاباته تهييج النفوس، وتمكن من خلال ماكينة الإعلام من القضاء على معارضيه، صورته تلك لم تكن وليدة نفسه قطعاً بل كانت خلف تلك الصورة صورة رجل الظل جوزيف غوبلز وزير الدعاية الألماني الذي سوّق للبروباغاندا النازية، وصنع صورة هتلر بذلك الشكل المعروف في العالم.

 

وليست صورة جورج بوش الإبن ببعيدة عن أحد، فقد ترسخت مع غزو العراق سنة 2003، وحادث انهيار برجي التجارة العالميين في 2001، والدخول على الخط لمحاربة الإرهاب في صورة (القاعدة)، كل هذه الأحداث صنعت بشكل أو بآخر صورة جورج بوش الإبن لكن الأخير لم يكن إلا صورة مستنسخة عن رجل الظّل (ديك تشيني) نائب الرئيس الأمريكي حينئذ، فالرجل هو من يحرك خيوط اللعبة على حقيقة الأمر، ولا يقطع جورج بوش الإبن فتيلا إلا بالعودة إليه، ولعل صورته في البيت الأبيض يتحكم في دواليب الأمور إبان حادث 11 من سبتمبر لا تزال متواجدة إلى اليوم، لم يكن الرجل الأول، نعم، لكنه كان رجل الظّل، الرئيس على الحقيقة.

 

أما في العصر الآني، وفي تركيا بالتحديد حتى لا أزيغ عن العثمانيين إلا لأضع يدي على (العثمانيين الجدد) يُرى أردوغان في كل الفضائيات، والشاشات، الجميع إن لم نقل الكل يعرف أردوغان سواء كان من مؤيديه أو معارضيه، لكن صورة أردوغان لم تُصنع هكذا من تلقاء نفسها، إنما كانت أيادٍ أخرى تخدم لصالحه الشخصية المذكورة لتكون بمثل ما هي عليه، ففي جواره يقبع رجل الظّل بعيدا عن الفضائيات التي لا تظهر إلا الظاهر.

 

سلطان الظل في تركيا هاكان فيدان، أو حقان فيدان، يحمل عدة ألقاب: “ثعلب البوسفور”، “السكين”، “سلطان الظل”، “منقذ وكاتم سر أردوغان”، إنه “مهندس عملية إحباط “انقلاب” ليلة الجمعة 15 يوليو 2016″، وصاحب فكرة توجه أردوغان بالحديث إلى الشعب التركي بنحو مباشر، حيث قال له: “سنقاتلهم حتى الموت، أما أنت فانزل إلى الشارع وابق مع الشعب”. هكذا سيمكث أردوغان كما شاهدنا في الشارع “رفقة الشعب” لعدة أيام، وفي المقابل سيتكفل هاكان فيدان بإنجاز أضخم عملية تطهير في تاريخ الدولة التركية الحديثة.

 

لم تكن هذه الأمثلة أعلاه سوى جزءٍ من كل، وقليل من كثير، وإلا فالأمثلة متواجدة بكثرة، لكن ما يهمني هو إبراز دور رجال الظّل الذين يتحكمون في مقاليد الأمور تارة، ويصنعون صورة زعماء أخرى، دون أن تتلقّفهم أيادي الكتبة، أو تترصدهم عيون الكاميرات، أو حتى يهتم لتواجدهم البعض على الرغم من الدور البارز الذي يؤدونه على أكمل وجه….

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.