أدب و تراث

تأمّلات في ملح الحياة

تأمّلات في ملح الحياة

قديما قالوا لا تنظر لدموع عينيه، بل انظر لما فعلت يداه، أتفهم وأحترم مبررات هذا الرأي وإن كنت لا أتقبله على إطلاقه دون قيد أو ضابط، توطئة أعتبر أن ملح الدموع دواء للقلوب إذ يذيب قسوتها، يؤنس وحشتها، يوقظ غفلتها، ويجدد فطرتها، هكذا الأصل، لكن نظرة فاحصة كاشفة لطبيعة الكائن البشري تظهر أن لديه مقدرة فائقة بارعة على حرف مسار نبل طهرها نحو غايات يصعب حصرها، سأحاول هنا وصف حال بعضها…

من الدمع ما هو للنفس رحمة أو غصة، راحة أو عذاب، بعض الدمع صادق شريف، وبعضه كاذب لئيم، وها هنا كلاهما تعبير عن ندم وحسرة لكن لسبب متعاكس، أشرف الدموع قطرات خشية من الخالق، وأرذلها خوف فوات منفعة من المخلوق، بعضها غيظ ضعف وهشاشة، وبعضها غيظ حقد قوي لفوات ظفر، منها ما هو آهة مواساة لأنين صمت عنيف يمور في الباطن، ومنها سلوى لظاهر صمت هادئ أليف، بعضها فرح أو حزن مباغت داهم، بعضها سلاح لنيل المراد، وبعضها بنقاوة طهر ماء السماء، بعضها لا يباع بكنوز الأرض، وبعضها يُشترى بأبخس الأثمان، بعضها طبيعة وفطرة حسٍّ مرهف، وبعضها فنٌّ متقن، بعضها كريم السخاء ينهمر كالمطر في أوج انسكابه، وبعضها شحيح العطاء بالكاد يجود برأس دبوس، بعضها لهفة قلب أضناه شوق كالشوك يكاد يمزقه، وبعضها مدنس شوهته شوائب الشهوة، بعضها جنون لوعة مهداة لأحبة أحياء، وبعضها نيران ذاكرة لفلذات أكباد طوتهم اللحود.

الحق أنني كنت فيما مضى، متأثرا بطبيعة ثقافة المجتمع السائدة (الرجل لا يبكي مهما تألم أو تبرم) نتشربها صغارا كما نتنفس الهواء، ظننت أن دموع الرجل أصعب منالا وأكثر صدقا، فإذا فطرة الإنسان السوي تنسف هذا المعتقد الخاطئ الباطل، وحسبتُ أن المرأة أكثر جودا وسخاء، قياسا على جيل الجدّات والأمهات اللواتي كن يتملك قلوبهن الاشفاق لأدنى سبب وبلا سبب، فآنذاك لا نسيئة لدى النساء متى وجب البكاء، يجهشن في التو واللحظة باكيات، لكن، طال العهد وبعد المدى بذكرى هاتيك الأيام، إذ ذاك كانت الوسيلة لاكتساب محبة النفوس سهلة ميسرة، بعفوية بريئة من التكلّف تبدأ الناس وتنهي حديثها بحلاوة وتنأى عن مرّ الكلام، تراها تغالي حدّ المبالغة في المدح وتبتعد أو تقتصد في القدح الموارب، وطبع الإنسان مهما تبدل الزمان أن يأنس لهذا، أما اليوم فمن منّا لا يلحظ كم تغيّر الحال لجهة رقة القلوب وقسوتها؟، كأن حاضرها عكس ماضيها، ربّما جراء فداحة وضراوة ضريبة الحداثة، الآن ومع تجارب الحياة بت أرجح أن المرأة والرجل سواء بسواء.

ختاما، من المؤكد أن مراتب أنواع الدموع ودقائق خفاياها أعمّ مما تيسر لي ذكره، وكما يمكن للعين أن تنذر ببكاء وشيك قبل ترقرق مآقيها، كذلك صوت الإنسان قد يشي أحيانا بنشيج داخلي لم يصافح الدمع بعد وجه صاحبه.

أقرأ أيضا: تأمّلات في الحبّ والصداقة

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
خلوصي عويضة
الكاتب الروائي خلوصي عويضة من فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.