ادارة و اقتصاد مقالات

كورونا والاقتصاد: إعادة التشغيل في ظل الفيروس النموذج المغربي

بقلم: عبد الهادي مزراري – المغرب

يثير قرار حكومات الدول برفع الحجر الصحي، رغم استمرار فيروس كورونا في الانتشار ، تساؤلات كثيرة من قبيل، هل توقف العالم عن تحمل الإغلاق الشامل؟ هل وصل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة يصعب فيها تقبل الركود؟ هل نظام الحجر الصحي لم يحقق النتائج المأمولة؟

يبدو فعلا أن العالم في حيرة من أمره، وإن أغلب الظن أن ساسة الدول وقاداتها وازنوا بين الموت بكورونا والموت بالجوع، وقالوا للفيروس كوفيد 19، “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”.

لقد رأينا إجراءات تخفيف الحجر الصحي ورفعه تدريجيا في العديد من الدول رغم الارتفاع الصاروخي للإصابات المسجلة التي تخطت 12 مليون ونصف حالة، واكثر من 560 ألف وفاة. وهو ما يعني أن القرار الذي اتخدته الدول بالسماح للعودة إلى الحياة العادية هو خطوة محفوفة بالخطر، تصاحبها إجراءات احترازية قد تعيد الأمور إلر مربع الانطلاق والعودة إلى فرض الحجر الصحي في حال حدوث موجة ثانية من الفيروس.

إننا دون شك أمام خطر ركود اقتصادي أقوى من خطر وباء كورونا، ونحن أمام أمران أحلاهما مر، وقد أصبحت المجتمعات في العالم مجبرة على التعايش مع الفيروس، وهو ما بدأنا نشاهده من خلال التعامل مع المصابين بالوباء في العديد من الدول، حيث تقدم لهم الادوية ويلزمون بالبقاء في بيوتهم، ولم نعد نشاهد تلك الصور المرعبة من قلب المستشفيات رغم تزايد عدد المصابين بالآلاف يوميا.

مقابل ذلك، تواصل الحكومات الدعوة لإعادة تنشيط القطاعات الاقتصادية المتوقفة مثل السياحة والنقل والصناعة وفتح دور العبادة وعودة الحياة الى الملاعب الرياضية.

من هذا المشهد يتأكد أن الأمر الخطير في جائحة كورونا، ليس في العدد الذي قتلته من الضحايا، والذي لم يتجاوز في كل الأحوال عدد الوفيات بسبب أمراض واوبئة أخرى، وإنما خطرها قد يكون كبيرا على الاقتصاد من كبره على حياة الناس.

أصبح ملايين الأشخاص بلا وظائف والعداد مفتوح أمام آلاف المعامل والشركات التي ستتخلص من نسبة مهمة من مستخدميها، فضلا عن الركود الذي يهدد قطاعي التجارة والخدمات ويهدد بإفلاس آلاف المقاولات عبر العالم، وهذه معضلة لا يسهل التعامل معها خاصة في البلدان التي يعاني اقتصادها من الضعف.

ستكون كل دولة مضطرة لإعادة صياغة قوانينها المالية وبرمجة جديدة للأولويات، وهو ما يشكل اختبارا للدولة في المرحلة الجديدة التي تفرض العمل بتقنية “إعادة التشغيل مع وجود الفيروس”.

في المغرب، كما لا حظنا منذ البداية، لجأت الدولة إلى أسلوب الخطوات الاستباقية في الإغلاق والحجر الصحي وإحداث صندوق التضامن وسن قوانين الحجر، وجندت مصالهحا الأمنية لمرافقة الطواقم الطبية في المعركة المفتوحة ضد كورونا.

الأسلوب الاستباقي نفسه لجأت إليه الدولة المغربية في مرحلة التعايش مع كورونا، وشرعت في الرفع التدريجي للحجر الصحي العام، بموازاة مع إجراءات إدارية وقانونية مستجدة يتقدمها تعديل قانون المالية، والاستمرار بالعمل بصندوق الدعم، والتحضير في الوقت نفسه للاستحقاقات الانتخابية المحلية والمهنية والجهوية والتشريعية المقررة في 2021.

لا شك أن الدوائر المسؤولة في المغرب تفكر في إعادة البرمجة الخاصة بالدولة بناء على المعطيات الجديدة التي تخلفها جائحة كورونا على الصعيد الوطني والعالمي. وإعلان حالة التقشف تبدو العنوان البارز لتغيير الأولويات بالارتكاز على ثلاث قطاعات رئيسية وهي الصحة والتعليم والأمن، مع تشجيع القطاعات الاقتصادية على استئناف نشاطها بأقصى درجة ممكنة.

ليست التحديات الصحية ولا الوضع الاقتصادي الداخلي الذي سجل أكبر نسبة تراجع في النمو، يشكلان وحدهما العقبة الرئيسية في الظرف الحالي، ولكن الوضع الدولي يلقي أيضا بظلاله القاتمة على المستقبل، حيث لم تتضح الرؤيا بعد للعديد من الدول والتكتلات بشأن ما يمكن فعله للعودة على الأقل إلى المستوى الاقتصادي خلتل فترة ما قبل كورونا.

إن العالم دون شك أمام منعطف غير مسبوق، وعلى كل دولة أن تقرر مصيرها باتخاذ إجراءات وتبني قرارات قد لا تكون سهلة، لكنها ستكون مجبرة على اتخاذها، والأفضل بين كل الخيارات المتاحة هو أن لا تزهق أرواح ولا تقطع أرزاق.
طابت أوقاتكم

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.