تطوير ذات مقالات

جدلية الخير والشر في تبادل الأدوار

بقلم: ا. د. علي المرهج

في قراءة مستمدة من الفلسفة الصينية “التاوية” نسبة لمفهوم “التاو” الذي تحدثه عنه فيلسوف الصين “لاوتسه” كمرادف لمفهوم المادة الأولى عند أرسطو أو مفهوم “القابل” عند أستاذه إفلاطون”، استخدم فيلسوف التاوية مفهومين هما “اليانغ” و “الين”، وهما قوتان للجذب، أحدهما نحو الحياة وأخرى نحو الموت، أو أحدهما نحو الخير وأخرى نحو الشر، أأو أحدهما لنور والثانية الظلام، يبقيان يتجاذبان الوجود والأنسان، مرة تجذبه قوة “اليانغ” = (قوة الخير)، وثانية تجذبه قوة “الين” = (قوة الشر) ، ولا أفضلية لأحدهما على الأخرى، فقد تتبدل الأدوار ليكون ما حصل لك من حدث حسبته شراً في لحظته، لتجده يتحول ليكون مصدر خير لك في زمن لاحق .

إنهما مفهومان قابلان للتحول والتبدل، هما أقرب لمفهوم (هرقليطس) للصيرورة أو التغير، بقوله:”انك لا تنزل النهر مرتين، لان في كل مرة تنزل لها للنهر تتبدل مياهه، فهو ليس ذات النهر الذي نزلته قبل آن من الآن..

ما ينبغي ملاحظته في ثنائية الخير والشر في الفلسفة الصينية هي ليست ذاتها في الفلسفة الزرادشتية الفارسية، لأن ثنائية الخير والشر في الفلسفة الفارسية القديمة، لا تبادل للأدوار فيها، فالخير خير والشر شر، أما في الفلسفة الصينية فمن الصعب تقدير أمر ما على أنه خير أو شر إلا وفق تأثيره في لحظة وقوعه، ولربما يكون ما توقعناه بأنه خير يكون شراً في زمن لاحق، والعكس صحيح.ا
فكما اللذة والألم، فلا تشعر بقيمة اللذة من دون أن يسبقها ألم، والعكس صحيح، لأن كل منها يُشكل نصف الدائرة في الحياة، ولك أن تصف الحياة بمثابة دائرة فيها نصفين، أحدهما أبيض، والآخر أسود، ولأن الدائرة مثل الكرة الأرضية فهي متحركة، لذا ستكون أيامك متحركة بين “النهار” و “الليل” أو بين “الأسود والأبيض، وكأن أحدهما يعب الآخر، فنتصور أنه سبب له، وأن هناك علاقة تلازم ضرورية بينهما.

يروي فراس السواح قصة فلاح صيني فقد حصانه الوحيد، الذي يعتمد عليه في قضاء أعماله، فجاء الجيران إليه يواسونه لفقده الحصان.

بعد مدة عاد الحصان ومعه ستة أحصنة، فنس جيرانه جاءوا يهنؤونه بعودة الحصان مع مغنم ست جياد!.

ولكن بعد أيام صعد الابن الوحيد للفلاح على أحد الأحصنة، فأسرع الحصاون ووقع الولد فكُسرت إحدى يديه، فجاء الجيران يواسونه..

وبعد أن مرّ زمن قصير على سقوط الفتى وكسر إحدى ذراعيه، طلب ضابط التجنيد في المنطقة أن يُساق الشباب للخدمة العسكرية، وعفى عن ابن الفلاح، فعاد الناس يهنؤن الفلاح!.

وكان الفلاح في كل مرة يهز رأسه، ولا يُجيب سوى بالقول: ربما، لا أدري! .

وتلك حكمة عظيمة فما تظنه شراً أصابك اليوم، ربما، ومن يدري، قد يكون خيراً لك وأنت لا تعرف.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.