سياسة مجتمع مختارات مقالات نصوص أدبية

خواطر صحافية في ذكرى حرب 2014

 

بقلم/ رزان السعافين

الحرب الضروس، التي اشتدت عاصفتها دون توقف سوى فجائي بعد 51 من كل شيء!
لقد أرهقتنا .. أبكتنا .. أجهشتنا .. أرقتنا .. آلمتنا .. أحبطتنا .. أحزنتنا بلا حد منا ولا من هذا العالم… حتى هذه اللحظة.

تلك الحرب التي بدأت في مطلع أيام شهر رمضان عام 2014م والتي صادفت ذكرى ميلاد أخي 8/7، حيث كان التناقض سيد الموقف، بتفاصيله !
انفجارات هنا وهناك .. عواقب غير متوقعة .. البيت يهتز بالدقيقة مرات .. التوتر الممزوج بتسليم أمرنا لله هو الحقيقة، فليس باليد حيلة !
تركنا المنزل بعد عملية إنزال بحري رأينا فيها نيران الصواريخ والاشتباك قبل الصوت، كرعد وبرق !
انسحبنا الليلة التالية إلى بيوت أعمامي، وأيام بعدها عشناها عند أختي … تخوفاً من تكرار ما حل بنا في حرب2008م، التي أفقدتنا شقة بيتنا في الاجتياح البري.

مع ليالي رمضان .. كانت الصلوات والابتهالات الجماعية .. القلق واحد .. والاطمئنان الإيماني أيضا واحد .. نحزن لخبر أو لفقدان أحبة .. ونفرح بعدها لحظة أسر جندي أو صاروخ وصل ما بعد تل أبيب !

كنا نتألم من أي خطر متوقع، وبنفس الوقت نضحك بشكل هستيري لو ارتجل أحدنا بنكتة متعلقة بالحرب، أو تفوه طفل من الأحفاد بعبارة غير منطقية عن مجريات الأحداث !

لم أتذكر أن هناك نوما سوى ساعة ما بعد الفجر إلى السابعة صباحاً، كنا ننامها دون إذن منا “من كثرة التعب”، ويوقظنا صاروخ مزلزل للبيت وللمنطقة؛ يبدو أن تلك الساعة هي استراحة جماعية للجيش وهيئته، أو أننا من شدة الإرهاق، هزمنا الحرب ساعة وطلبت أجسادنا راحة خفيفة !
في تلك الحرب، كانت هناك هدنة ليوم أو أكثر، كنا فيها نخرج لقضاء كل شأن، أو نذهب لفسحة مؤقتة نرى بها أحبتنا، وكل أحاديثنا عن من رحل أو فقد بيته أو الجرحى.

قضينا الهدنة بمبادرات ذاتية وجماعية لنتعاضد ونقف مكتوفين، بأن نسكب من دلونا في دلو أخوتنا، والعكس، من كل متطلبات الحياة، والتفاصيل لا داعي لها، لأنها إنسانية لله وذكرياتها مبكية إلى حد الوجع.
كانت كامرتي الصغيرة الديجيتال ترافقني، صورت بها .. وتنقلت بها .. ووثقت بها تفاصيلا كثيرة، لأغراض صحفية وغيرها، إلى أن كل تقرير مصور انتشر آنذاك، لم يُطق قلبي حتى اللحظة مشاهدته على اليوتيوب، لأنه يذكرني بمواقف عشت قصصها حية.
وحين انتهت الحرب، لم يقف الألم، بل وصل إلى ذروته، لأن الألم الموثق أشد إيقاعا حزينا على النفس من العابر سبيلا.
كان نشاطي المهني في الصحافة الميدانية هو واجب إنساني تذهب تواسي، وأنت بحاجة لمواساة الضحايا حولك، وأنت ضحية قضية منذ عشرات السنين.

عشت قصصا في تقارير متلفزة ومرئية .. تنقلت بين أسرّة المستشفيات .. دخلنا بيوت الضحايا .. اصطحبونا إلى أماكن المجازر .. وإلى بيوتهم المدمرة، لنوثق التفاصيل، ونحكي بها، ونغوص في أحداثها، نبكي معاً ونستجمع قوانا، ولم ينتهِ الأمر حتى نرى العالم يشارك القصص على مواقع التواصل الاجتماعي لعام كامل وأكثر، ولم أتذكر يوما أني وثقت على مواقع التواصل الاجتماعي موقفا بأنني في ساعة تصوير أو توثيق لضحية ما أو أخرى… فكاميرا القلب كانت أعمق في الحزن من مجرد مشاركة ذلك للأصدقاء.. فكانت وسائل الإعلام تنشر كل شيء، وأرى مئات وآلاف الأصدقاء يتكلمون عن القصص والتقارير والأخبار التي ننتجها ونحن صامتين خلف الشاشات في نحيب هادئ… أتذكر وقتها عطلت الحسابات الاجتماعية لفترة طويلة لأهرب من الغم وتكرار المشاهد.

بعد تلك الحرب اللعينة،
دخلنا في أزمة ملف الإعمار، والقلب انتهكت حرمة إنسانيته من الإرهاق النفسي من كل الضغط، رغم الضغط السائد، محليا وعالميا، ورغم حملات التضامن.

وعن الضحايا…

لم أبكِ من قصص الضحايا ضعفا، بل إحساساً طبيعياً استقبلته حواسي وتذوقه قلبي مراراً !

حتى هذه اللحظة يهمني أعرف أخبارهم وأحوالهم في رحلات علاجهم، ممن بقينا على اتصال مباشر أو غير مباشر.

وأيضا حتى هذه اللحظة، تبكيني دموع الطفلة لما أبو حصيرة، لاستشهاد أختها “التي تفتفت جسدها أمامه”ا.

وتبكيني شيماء المصري “5 سنوات”، التي شرحت لي عن كيف الصاروخ مزق والدتها وأخوتها حينما هربوا، وبقيت حية شاهدة على المجزرة،
وتأسرني أملاً بالحياة رغم ما حل بها من شلل رباعي، وفقدان نصف أسرتها وأمها في مجزرة الشجاعية، “مها الشيخ خليل” وكانت من أوائل من قابلت بالحرب، وبعد عودتها من عام العلاج خارجا في تقرير مصور آخر، بدت لي شخصا يحب الحياة بمنتهى البراءة رغم الهموم.

عشرات القصص هنا وهناك .. واللهِ لولا رحمة الله، لكنا أحد تلك القصص.

كل قصة عن قرب ليست كالتي ترونها في الإعلام، هي عن قرب أشد وجعاً وإيلاماً وغماً من أي شيء آخر.

علمتنا من الشدة والصلابة ما لم نعلم: “وهو موضوع طويل إذ سردته فقد أثر بي كثيراً”.

حتى البكاء تأثرا هو تفريغ ليس أكثر، وليس انهزاما وضعفا، بل استجماع قوانا من هذا الظلم حول ضحايا مدنيين بحجة استخدامهم دروعا بشرية، وفقا لخزعبلات العدو الواهية.

أعلم أن كلامي منه مقتطفات .. ومنه تفريغ عما يدور في القلب .. وهو رمز مؤلم، نوثقه مما علمتنا الحياة بعد دوامات الوجع وأمواجه العارمة التي لا زالت آثارها حتى الآن.

وهذا يتضح من قصر الجمل والعبارات المخطوفة من فلاشات الذاكرة ضمنا لتشاهدوا المشهد من خلال حروفي.
أنا بت بعدها أكره الإعلام الحربي، ولا أحب توثيق الألم، وإن وثقته كان لهدف متعدد الأبعاد، إلى درجة أنه كلما حدث تصعيد عسكري، أطلب من كل الزملاء المقربين، عدم الاستعانة بي في الميدان، لأن الصدر ضاق من هول كل شيء.

كان التوثيق أهدافه كثيرة أبرزها لنحكي حكايا الدماء للعالم، وأننا رغم الأوجاع النازفة نسطر الصمود على صفحة تاريخنا الحافل بالتضحيات، وغيرها الكثير .. الكثير.

الآن.. نعيش لنزرع أملا جديدا، ولو بابتسامة.

وحكمة الله لنا أننا لا زلنا على قيد الحياة، هي للالتفات أكثر نحو مبتغى وجودنا، وأننا لا زلنا في هذه الرحلة الدنيوية المؤقتة، لأن الله يريدنا أن نعمر ونستمر حتى يأخذ أمانته كمن سبقونا.

يريدنا أن نعمر النفوس بالتفاؤل والأمل، أنه ما دام هناك مستقبل، يعني من واجبنا الاستمرار سعياً، فهذه الحياة تستحق العيش وتحمل مرارة التجارب رغم العناء، لأن ما بعدها حياة أخرى كلها راحة.

هذا سر داخل المواطن الذي يعيش في قطاع غزة .. يعيش رغم الألم ويتحدى أضعافه، فيا أيها العالم .. ما أنت فاعل بنا ؟!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.