تاريخ سياسة مختارات مقالات

حفل بلا محتفلين

بقلم/ د. محمود عبد الله غزلان
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، بآداب عين شمس

أحكمت بريطانيا قبضتها على إمبراطوريتها المترامية الأطراف من خلال الهيمنة على مجموعة من المنافذ والمراكز البحرية الاستراتيجية التي بدأت من جبل طارق في جنوب غرب أوروبا وانتهت بميناء سنغافورة في جنوب أسيا، إلا أنها في بداية الحرب العالمية الأولى راودتها رغبة ملحة في تقوية مركزها في شرق المتوسط بإقامة قاعدة جديدة لأسطولها، وكانت في حيرة أيكون مركزها ميناء الإسكندرونة السوري أم ميناء حيفا الفلسطيني، وكان لكل ميناء مميزاته، إلا أن تطور الأحداث قادها إلى أن يكون ميناء حيفا مقر هذه القاعدة، وكانت تبتغي أن تحقق أكثر من هدف من وراء ذلك أهمها: حماية الوجود البريطاني في مصر، وتأمين مرور سفنها وتجارتها عبر قناتها في السويس…إلخ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وسكتت أصوات البنادق والمدافع وآلت فلسطين إلى السيطرة البريطانية في ظل نظام الانتداب بدأت في رسم الخطط وتشكيل اللجان وإجراء المسوح على الساحل الفلسطيني لتنقل أفكارها إلى حيز التنفيذ، وبالفعل شرعت في تشييد الميناء الذي اكتمل في عام 1933م، وكان من نتائج ذلك أن أصبح ميناء حيفا من حيث الأهمية الميناء الأول في شرق المتوسط والثاني بعد ميناء مرسيليا. وكان العزم البريطاني موطنًا على أن يُقام لهذا الميناء افتتاح ضخم؛ ولذا تم تكليف هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي بتغطية الافتتاح ومتابعة فاعلياته ونقله إلى مسامع العالم. كما قام المسئولون البريطانيون في فلسطين بتوزيع خمسمائة من بطاقات الدعوة على وجوه وأعيان البلاد لحضور الحفل، ومن سوء حظهم أن الشارع الفلسطيني كان منتفضًا عن بكرة أبيه في تلك الأيام نتيجة المعاملة الغاشمة التي تعامل بها البوليس مع الأهالي بعد حملة اعتقالات قام بها تجاه بعض زعماته. وكان من المقرر أن يكون الحفل في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1933م فذهب وفد من أعيان مدينة حيفا – مسلمين ومسيحيين- على رأسه حسن بك شكري رئيس البلدية وطلب من كيث روش حاكم اللواء الشمالي أن يلغي الحفل حتى لا تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه فرفض الرجل النصيحة بغرور وكبرياء وزعم أن القوات البريطانية التي جلبت من أنحاء الإمبراطورية قادرة على فرض الأمن، فاعتذر رئيس البلدية ومن معه عن الحضور، وذكروا في حسم أنهم لا يستطيعون أن يكونوا ضمن حفل يقيمه البريطانيون ودماء الأبرياء الذين سفكوا دماءهم لم تجف بعد، فهددهم فلم يقيموا وزنا لتهديده. وسرعان ما اقتفى أثر هذا الموقف النبيل الجسور وفد أخر لا يقل جسارة عن سلفه شكله الرؤساء الدينيون للطوائف المسيحية وذهبوا إلى سراي الحاكم وطلبوا منه ما طلبه إخوانهم وإلا لن يستطيعوا الحضور، فألصق بهم الحاكم تهمة الخيانة وتأجيج الثورة فعدوا ذلك تهديدًا أبت نفوسهم أن تذعن له. ومع مرور الوقت أدركت الحكومة أن القوات الكبيرة التي جلبتها من أرجاء إمبراطوريتها إلى حيفا من أجل القضاء على حالة الاضطراب وحماية الحفل ورموزه لن تجديها نفعًا، وأن احتفالًا خال من أعيان الفلسطينيين وصفوتهم وكبار المسئولين البريطانيين وأصدقائهم في الدول التي تخضع لهم لن يكون له قيمة، فاستقر الرأي على إلغاء مراسم الاحتفال، وتم قصره على المندوب السامي وبعض الموظفين الرسميين. والشاهد من كل هذا الكلام أن الوحدة والتلاحم والاصطفاف الوطني السبيل الوحيد لتحقيق الغايات الوطنية العليا، وليس الانقسام والتناحر والتخوين الذي هو سمة الفصائل الفلسطينية الآن.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.