تاريخ عروض كتب مرئيات مقالات

الحملة الفرنسية على مصر

كتاب كل يوم جمعة (40) تاريخ ضد التيار (1/4) الحملة الفرنسية

بقلم : د. وسلم محمد – مصر

دائما ما كانت هناك رواية سائدة للتاريخ، ليس بالضرورة أن تعبر عن الحقيقة بقدر ما تعبر عن تصور الجماعة المهيمنة على المجتمع لهذه الحقيقة بما يضمن استمرار هيمنتها؛ ودائمًا ما كان هناك مؤرخ أخذ على عاتقه أن يبحث عن الحقيقة، حتى ولو كانت مؤلمة، وينقب عنها في المصادر التاريخية، ويقدم الرواية التاريخية المعاكسة للتيار؛ هذا الشهر، قد اخترت أن يكون موضوعه العام المؤلفات التاريخية التي تتحرك عكس التيار، قد تتفق مع ما فيها وقد تختلف ايضًا، ولكنها في النهاية محاولة للانتصار للحقيقة، والحقيقة غالبًا مرة وقاسية.

في تسعينات القرن العشرين، ظهرت دعوة بين (مثقفين) مصريين، تنادي بالاحتفال بالحملة الفرنسية على مصر، كانت حجة هذه الدعوة أن مدفع الحملة قد رحل عن مصر وبقيت مطبعتها؛ وفي إطار هذه الدعوة سودت صفحات الجرائد والمجلات والكتب بأفضال (حملة الفرنسيس) على مصر والشرق كله؛ وقد استفز الأمر من كان همهم وعي الشعب يومئذ، فخرجوا على الجمهور يفضحون (حملة الفرنسيس) ويكشفون حقيقتها المجرمة؛ مما صدر يومئذ كان كتاب (مائتا عام على حملة المنافقين الفرنسيس) للدكتور زينب عبد العزيز وكتاب (الحملة الفرنسية في الميزان) للدكتور محمد عمارة؛ ولكن العمل الذي كان أكثر قسوة وأبعد أثرًا في إحباط محاولة الاحتفال بالحملة الفرنسية، كان الكتاب الذي نقدمه اليوم، كتاب (الحملة الفرنسية) للدكتور ليلى عنان بجزئية، الأول وعنوانه (الحملة الفرنسية: تنوير أم تزوير)، والثاني وعنوانه (الحملة الفرنسية في محكمة التاريخ)، والذي صدر عن دار الهلال القاهرية في شتاء 1998، في الذكرى المائتين للغزو.

مؤلفة الكتاب، دكتور ليلى عنان، أكاديمية مصرية تخصصت في الأدب والحضارة الفرنسية؛ إذا لا يفترض أن تكون بها معادية للبلد التي تخصصت في ثقافتها؛ وهنا المفارقة فـ (ليلى عنان) كفرت بفرنسا التي تعلمت مبادئها لما اكتشفت خيانة فرنسا لمبادئها هذه بدليل اسطورة الحملة الفرنسية.

الجزء الأول (الحملة الفرنسية: تنوير أم تزوير – عصر الأساطير)، وكما هو واضح من اسمه، يهدف إلى التحقيق في الخرافة القائلة بالتنوير الفرنسي، وكيف أن الحملة الفرنسية وقائدها نابليون رمز للبذل الفرنسي في سبيل نصرة التنوير ونشره، تبحث ذلك في خمسة فصول، الفصل الأول منها وعنوانه (الحملة في تاريخ الثورة)، وتستكشف في هذا الفصل مكان الحملة الفرنسية في سياق الثورة الفرنسية وجمهوريتها الأولى، فالثورة تتحول إلى فاشية تعتمد على التوسل بالأساليب الخطابية لجموع الغوغاء، وتستخدم الغوغاء لفرض اجندة سياسية متطرفة باستخدام الإرهاب؛ وهذا التناقض بين المبادئ والواقع، فالتنوير – محرك الثورة الفرنسية – يعني السعي للديموقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية التعبير، لكن الفرنسيين الذين اعتنقوا التنوير اعتبروا أنفسهم أرقى ممن لم يعتنقه واستحلوا منه المحرمات، وأولها نهب الشعوب الأخرى واستغلالها ثمنًا للتنوير الذي سوف يحملونه لها، وهو ما طبق في مصر، وفي غيرها من بلدان أوروبا التي وصلتها جيوش الثورة. في الفصل الثاني من الكتاب عنوانه (نابليون بونابرت، الجنرال والإمبراطور) ويتناول شخصية نابليون الانتهازية والمحيرة، الذي يلتحق بركب الثورة مبكرًا بعد أن أظهر اعتناقه أفكار اليعاقبة حزب الثورة الأقوى، ثم يتخلى عنه بسرعة لحظة سقوطهم، ومستخدمًا (البروباجندا) ينجح في تضخيم صورته وانتصاراته ليصنع في النهاية صورة بطل أسطوري لا يهزم، ولكن هذه الصورة تزعج أعضاء الحكومة فيتخلصوا منه عن طريق ارساله إلى حملة مصر، ولكنهم سرعان ما يستعدوه للاستعانة به في لعبة الانقلابات العسكرية التي ألفوها، ولكن نابليون الانتهازي الموهوب يستغل الانقلاب العسكري ليصبح الحاكم الأوحد لفرنسا باسم القنصل الأول، ويقضي على ديموقراطية الثورة المتعسرة، ويعود بها للحكم الفردي بعد أن نصب نفسه امبراطورًا على فرنسا. ومن فوق عرش الإمبراطورية الذي اختلقه نابليون يمضي في تعزيز اسطورته كنبي للحرية، في الوقت نفسه الذي كان يعزز الحكم الأوتوقراطي والاستبداد في جميع ارجاء أوروبا مستبدلًا حكامها بأقاربه.

الفصل الثالث عنوانه (أسس اسطورة الحملة ونابليون)، حيث تستكشف المؤلفة كيف صنع نابليون اسطورته الكاذبة في مصر، راسمًا صورة وهمية عن حملته وعن نفسه معتمدًا فيها على مخاطبة الخيال الشعبي للفرنسيين، فجيشه يحمل اسم جيش الشرق، واعداءه المماليك الذين سبق أن هزموا (القديس) لويس – لويس التاسع سجين دار ابن لقمان – ومضاعفًا من أعداد ضحايا الخصم، مقللًا من أعداد ضحايا الفرنسيين، وعلى الرغم من هزائمه المختلفة وأهمها هزيمته امام أبواب عكا، ترى عملاءه في الصحافة الفرنسية يقدمونه للشعوب عند عودته هاربًا من مصر بـ (الجنرال الذي لم يهزم قط)؛ ويساعده في صنع هذه الأسطورة جماعة من المستخدمين، مثل (مونج) صنيعة نابليون الذي يروج صورته الكاذبة بالخطابة الخاوية.

الفصل الرابع وعنوانه (الأسطورة عند الأدباء) وتناقش فيه المؤلفة كيف ترسخت الأسطورة الكاذبة لنابليون في العقل والوجدان الجمعيين الفرنسيين، بسبب آل بوربون والارستقراطيين الذين عادوا للسلطة بعد سقوط نابليون وفشلوا في فهم التغيرات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة، فتم تضخيم صورة نابليون واسطورته بأقلام أدباء فرنسيين عظام مثل (بلزاك) و(لامارتين) الذين صوروه للأجيال اللاحقة التي لم تشهد جرائم الإمبراطور كرمز للثورة وبطلها.

أما الفصل الخامس والأخير وعنوانه (الأسطورة عند المؤرخين)، ففيه تناقش المؤلفة كيف عمد بعض المؤرخين الفرنسيين القدامى إلى تعزيز واستخدام اسطورة الجنرال لتدعيم أجندتها السياسية في فرنسا، والتي جمعت بين شكل خارجي يتبنى الثورة ومبادئها، وقلب أسود حقود يعتبر فرنسا فوق كل الأمم وحق لها استعباد كافة الشعوب، وهذا القلب كان يظهر في تمجيدهم لصورة نابليون وربطهم المستمر لهذه الصورة بالثورة.

الجزء الثاني من الكتاب عنوانه (الحملة الفرنسية في محاكمة التاريخ) ويضم ثلاثة فصول وخاتمة.

الفصل الأول وعنوانه (شاهد من أهلها المعاصرين)، وفيه تتعرض المؤلفة لصورة نابليون وحملته على مصر والشام ولكن من خلال عيون شهود عاصروا هذه الحملة، مثل شاتوبريان، الذي كان دبلوماسي وأديب فرنسي، وضع أهم المؤلفات التي أرخت للحملة الفرنسية على مصر والشام، والذي نشر في عام 1811، وهو كتاب حاول إظهار الوجه القبيح الحقيقي لنابليون، وفيه يمجد أعمال الجنود العاديين التي سرقها قائدهم، ويبين كيف أن الحملة لم يكن غرضها مصر والشام بقدر ما كان غرضها الاستيلاء على الحكم في باريس؛ وفي مرحلة لاحقة وبعد صدور مذكرات نابليون ألف شاتوبريان مؤلف آخر يبين فيه كذب الجنرال في هذه المذكرات، ولكن هذا الكتاب لم يقيد له أن ينشر إلا بعد وفاة المؤلف بعقود في الوقت الذي كانت اسطورة نابليون قد ترسخت في لا وعي فرنسا. ومن نماذج هؤلاء الشهود، الضابط ماري جوزيف موريا، والذي كتب مذكراته عن مشاركته في الحملة فجمع فيها بين فضح النظرة العنصرية والحقد الصليبي الذي حمله معظم جنود الحملة في جعبتهم والذي كان الدافع وراء معظم تصرفاتهم مع المصريين أثناء الحملة، وبين كشف مشاعر الإحباط واليأس والشعور بخيانة القائد التي كانت تشيع بين الجنود بعد فرار الجنرال.

الفصل الثاني عنوانه (ما بعد الحملة)، وفي ترصد المؤلفة من خلال شهادات الأوروبيين الذين زاروا مصر بعد الحملة الفرنسية، مثل الإنجليزي (إدوارد لين) الذي رصد أثار الخراب الذي نال من مصر، وكيف تسببت الحملة الفرنسية في تدمير البنية التحتية للتعليم في القاهرة وقارن بين التقاليد المصرية والفرنسية حاكمًا باستحالة الرواية الفرنسية عن تحول المصريين عن تقاليدهم الاجتماعية لتقاليد الفرنسيين؛ ومثل الفرنسي (كلوت بك) الذي تستكشف كيف يصنع رواية مغايرة للحملة الفرنسية خالية تمامًا من أي شكل من أشكال المقاومة المصرية محرضًا على إعادة مشروع غزو مصر، كاشفًا عنصريته وشوفينيته التي لم يتخلص منها على الرغم كونه يعيش في مصر ويعمل في خدمة محمد علي. ومثال آخر هو الفرنسي (جيرار دي نرفال) والذي يظهر احتفاءه بالحملة الفرنسية وتقديسه لقائدها، ولا يعرف كيف يخفي مشاعر العنصرية والشماتة عندما يتناول أثار المدافع الفرنسية التي لا تزال ظاهرة على جدران مساجد القاهرة. أما الشاهد الأهم فهو الأديب (جوستاف فولبير) الذي زار مصر وكتب منها خطابات لمعارفه، وصف فيها كيف أن المصريين لا يزالوا يتذكروا ما قاسوه من جرائم وفظائع نابليون وجنوده الذين وصفهم على وجه الخصوص بأنهم أبناء عصر الإرهاب. ثم تلحق هذه الشهادات بشهادات مصرية للطهطاوي والجبرتي لتعرض وجهة نظر مصرية في الحملة.

الفصل الثالث والأخير من الجزء الثاني عنوانه (لمؤرخون الجدد)، وفيه تتناول المؤلفة صورة الحملة الفرنسية في كتابات المؤرخين الفرنسيين الجديد، وهي الصورة التي يمكن أيجازها أن الحملة كانت مشروع نابليون الشخصي، بهدف الاستيلاء على الحكم في فرنسا، وأن انتصاراته الأولى كانت بسبب التفوق العددي للفرنسيين، ولكنه فشل أن يدمر قوة المماليك العسكرية التي استمرت تسبب له المتاعب، كما أن نتائجها على الحرب البحرية مع بريطانيا كانت كارثية لفرنسا، وهو ما يعود لنابليون نفسه الذي لم يكن بهتم بالحرب البحرية ويفتقر لأي خبرة تتعلق بها، ويصم هؤلاء المؤرخون الصورة التي تداولها المؤرخ الفرنسي للحملة الفرنسية قبل ذلك بأنها التاريخ الذي يكتبه المنتصر.

خاتمة الكتاب لها نفس أهمية فصوله، وتعنونها المؤلفة بـ (الموضوعية العلمية لدى الغرب)؛ وفيها تخلص إلى أن صورة الحملة الفرنسية التي أتت لتنور مصر والشرق والتي يحاول البعض ترويجها في الثقافة العربية على أنها حقيقة تاريخية ومسلمة غير قابلة للمناقشة، ما هي إلا مجرد اسطورة صنعت لتروج أهداف سياسية ضد المصلحة المصرية والعربية.

الكتاب في جزئيه سفر ضخم، يبلغ مجموع صفحاته ما يزيد عن سبعمائة صفحة، ومع ذلك فهو يستحق الوقوف عند كل صفحة من صفحاته وتأمل ما فيها، وقراءته مرة بعد مرة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.