تأملات في الحياة و الموت
أدب و تراث

تأملات في الحياة والموت

تأملات في الحياة والموت

بقلم/ خلوصي عويضة

الجدُّ، رجلٌ جميل المحيا رغم بلوغه أرذل العمر، جلد جسده جهة الوجه وأسفل العينين والرقبة، يتدلى في طيات كزوائد لحمية، في يديه انكماش وتقشر، في الساقين جفاف وخشونة، وبالمجمل، ما من ملمح لأي نضارة سوى الابتسامة الوضاءة، لكنها تكفي لانتسابه إلى سلالة الأسلاف الوسيمين، إستاء العجوز من صمت حفيده ابن الخمسين فتنحنح وصاح وسع حنجرته الهرمة بصوت عذب وقد أشار بإصبعه صوب السماء : ما أبهى شمس الصباح،تشبه طبقا من فضة،بل نقاء بياضها أجمل من الثلج،نورها أنفس من الذهب، دفؤها ينعش الأمل برحيل البرد، تكلم يا بني، قل شيئا، لم أصبحت جهما عبوسا صموتا وعهدي بك بشوش الوجه، باسم الثغر، حلو المعشر؟

زفر الحفيد من أحشائه هواءً ساخنا يشي بتبرمه من الحوار، وحده الحياء من جدّه حثه على كسر صومه عن الكلام، أجاب بانزعاج جليّ : تبا للبلاغة كيف بالزيف تزيّن المعاني وتدميها،تصف حسن الشمس بالذهب والفضة سبب خراب دار الممر، وهل خربت الدنيا إلا جراء الجري المحموم وراء جمعهما من تسعة وتسعين بابا من حرام وبابا من الحلال؟، ثمّ أي قيمة لجمالٍ لا يدوم غير ومضة، طرفة، لحظة، ثم يرحل، يتوارى، يغرب و… قاطعه العجوز: يحلّ قمر الليل محلّه، أرأيت أجمل من البدر في حسنه؟. بلا تلكؤ بادر الحفيد يجيب : هو الآخر سرعان ما يرحل، لا جمال إلا لما يدوم، وهذه الدار غدارة، انظر نفسك في المرآة كيف كنت وإلام انتهيت؛ ومعذرة؛ اذ أتجرأ فأقول إنني لا أريد رؤيتني وقد مزّقني الزّمن إربا، الزمن يغار من الجمال،أجل يغار، يتوعده بالثأر في الغد الآتي….

همّ الشيخ أن يوقف استرساله، لكنه سُرّ إذ رأى الكلام يتدفق من فيه حفيده على هواه فآثر السكوت، فقط تنفس بعمق وسع رئتيه وأشار بيده أن أكمل، فأكمل الكهل الخمسيني: الآن، وأنا في أوج نضجي الذهني والوجداني، أو ما أتوهمه كذلك، وجدتني أجلدني بالسؤال صبح مساء حتى امتلأ قلبي بيقين الجواب، ترى، أي ملاذٍ آمنٍ لسلام النفس مثل زهدها في بهرج الحياة الفانية والعزوف عن زخرفها الزائل، والشوق حدّ الاحتراق إلى فراقها؟، لعمري؛ ان عزلة بلا عزاء خير من ضوء زائف؛ قيمته أقل من عود ثقاب محترق. هكذا، تكاثرت وتكثفت مشاعري حتى بات ضجيج صخب الحياة يصلني كصدى خافت ورجع بعيد بعيد.

ويح الحياة، ويحها كيف كطيف مرّت أيامها؛ كرّت خاطفة كما لو أنها حبات مسبحة انقطع خيطها فانفرط.عقدها وتدافع سقوط السنون نحو هاوية النهاية ، كرّها لا طوعا؛ استسلم العقل أولا بعد مقاومة عنيفة؛ وتبعه القلب وقد خارت قواه بعد مقاومة أعنف في محاولة مستمية للتمسك بحبال حياة واهية مهترئة، وغدت غاية منى الروح الظفر برحيلٍ بلا دموع وداع من أحد، أن تحظى بحظ رحيل هادئ صامت يحفه جمال الستر واللاذكر، ما أنا غير غريب مرّ بدار غربة وانتهى به المسير؛ لذا؛ لم أعد أبذل جهدا خارقا ولا عاديا لكبح جماح جزعي من الرحيل الاخير، فأي معنى للخوف؟!؛ بل الفرح مبرر بالوصول الى برّ سعادة نهاية المآساة الإنسانية. ألم تسمع قول القائل (وما الناسُ إلا هالكٌ وابن هالكٍ… وذو نسبٍ في الهالكين عريق، إذا امتحن الدُّنيا لبيب تكشفت… له عن عدوٍّ في ثياب صديق).

تأفف الجدّ ممّا سمع واجتهد لمداراة انفعاله، قال بفراسة: كلامك تكفل بتأكيد شكوكي لجهة أنك أولا من هواة أدب الدموع، ثانيا، أنت تبحث عن ذريعة مهما كانت واهية مضللة للحزن والبكاء والتفكير بالخلاص من خلال الرحيل، ثالثا، رؤيتك هذه لا تعني غير شئ واحد، أنك الآن ميت، إن انطفاء النفسَ الأخير غير مقترن بتحرر الروح من محبس الجسد وتسجيته التراب، إنما؛ ينطفئ وقت فقد النفسِ رغبة البقاء مقيدة على قيد الحياة.

قال الحفيد بأدب جمّ : سبحان الله!!،كأن بيننا تبادل أو تعاكس لأدوار العمر، أراك تكرر كلمة حياة مرّاتٍ ومرات كأنك ستعيش أبدا، أما أنا فتعبت، نعم تعبت من عناء العمل وكدّه كبستاني في حديقة حياة ظلّها باهت، سكّر ثمرها كاذب ومرّه أكيد، انظر كم في الموت من فوائد، يأمن البشر شروري، يتوقف رعبي من مجرد الاقتراب منهم، إن مرض المجتمعات بخير، والناس تتحسن نحو الأسوأ فالأسوأ باستمرار حتى امّحى جلال الموت وهيبة رهبته، انظر كيف تقصف أعمار الآلاف وتباد الحيوات بسهولة شرب كأس ماء، فكيف لا أبكي وأحزن وأحنُّ إلى الرحيل ؟، أيضا، ينتهي عهدي بالآثام والذنوب، أُفسح مكاني لغيري في ساحة المآساة، أعبر الممرّ نحو الأبدية، الديمومة، حيث الجمال الذي لا يهرم ولا يفنى، بل يزداد توهجا ، لعلّ من حسن عزاء الروح؛ اقتناعها بل إيمانها؛ أنني لم أكن يوما بطلا قط، ولم أسعَ أن أكون، إنّما انصب كفاحي في معركة الحياة أن أظفر باستحقاق وصفي إنسانا لا أكثر، تعثرت كثيرا؛ وكبوت مرارا، ولا أدري عاقبة أمري.

شعر الشيخ بألم الإخفاق، كما لو أن حفيده قذفه بقنبلة لم تقتله لاختلاف النهج والرؤى، لكنها خلّفت في نفسه جروحا وجدانية مميتة، واشتهى لو أمكنه أن يحدث ثقبا في سدّ اليأس من حبّ الحياة الذي يسوّر نفس ابن ابنه الذي بكّر أباه بالرحيل جراء موت مفاجئ، قال بمزيج عطفٍ وعتب وعزم أملٍ علّ سيل الأمل إن حدث الثقب يُغرق القنوط: أي بني، أنت تعاني من التباس في الفهم، أصل هذا الوجود مبناه الحبّ، والحب يبذر الأمل، نعم الدنيا مزرعة الآخرة، لا خلاف ولا جدال،مع ذلك فالحلم والرجاء والأمل سقيا رحمة من الإله لعباده، فعمارة الكون لا خرابه مقصد الحق،وكما أن الغنى درجات فالفقر مراتب، والشحّ بالأمل أشد أنواع الفقر، يقبر النفس بالقهر، بانطفاء شمعة الحلم تشحّ بل تمّحي بهجة أي شئ وكل شئ، إن الإنسانية بأسرها تئنّ متألمة حين تحتضر أحلامها بأن يسود العدل ويعمّ السلام، الأمل وقود الحياة، الحلم والحياة توأمين، الزهد جميل، أجل، لكنك تحمّله فوق طاقته وتضعه في غير موضعه، لقد أوشك نصيبي من خبز الحياة أن ينقطع، لكن، طالما بقى لي لقمة أو لقيمات سأعيش لأنعم بتذوق حلاوة ولذّة طعمها، فلا تغتالوا النور، لا تطفئوا شموع الأمل، دعوا الأحلام تكسو الظلام ضياء.

رغم شحوب وجهه وعيناه المعذبتان، رغب الحفيد أن يوائم بين اقتناعه بمعتقده وحبّه لجدّه، فأمسك بيده ومسّدها بدفء وحنان، ضمّها وقبّلها،ثمّ قال منافحا حتى الرمق الأخير: لعلّه قدري وحسن طالعي أنني لست مشدوها بالحياة ولا مشدودا إليها، إنما أنا شفوق بهذه النفس أشتري الباقي بالفاني، أرنو نحو البعيد، ما نحن إلا خصمان (منصفان) اختصما في أمر رؤيتهما لماهية الحياة وغايتها، ربّما لكلٍّ منا نصيبه من الصواب والخطأ، فيا جدّي الطيب الرحيم سأختم بدعاء تطيب له نفسك، بورك لك في الأجل والعمل والأمل الذي تحبّه أيضا.

الجدّ، بابتسامة مسنّة كسول غام نورها، وقد دهمه تثاؤب لحوح رسول النعاس: دمت بارا يا بني، فقط كلمة أخيرة… كفّ عن الشجار مع الحياة، أغمد سيف مشاعرك السلبية القاسية المشهر نحوها، إن أسمى مراتب الإنسانية أن تنتصر للرفق فالرفق جميل جميل، فكن رفيقا تعد جميلا كما كنت.

أطبق الصمت المعهود، تهيأ الشيخ العجوز لينسحب الى سريره، فجأة؛ هناك؛ في الجوار، خلف النافذة حيث تنتصب شجرة حور شامخة، هبط فوقها طائر غريب، نظرا إليه، حدّق فيهما بعيون باشق، مطّ عنقه وصفق جناحيه بقوة، أطلق صيحة شريرة ثمّ طار مبتعدا، أجفل الجدّ وانحبست أنفاسه، انحلّت قليلا عقدة السحنته الصارمة للحفيد وابتسم.

اقرأ المزيد: تأملات عن الحياة والموت في ظرف العدوان الإسرائيلي

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.