عروض كتب مختارات مقالات

محمود حسن إسماعيل

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

على صغر حجم هذا الكتاب (١٤٠ صفحة من القطع الصغير) فإن فائدته كبيرة. هو عبارة عن مختارات من بعض دواوين الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل (١٩١٠ – ١٩٧٧) اختارتها وقدمت لها ابنته الشاعرة والفنانة والإذاعية الكبيرة صاحبة الصوت العذب الشجي سلوان محمود، عليهما رحمة الله.

لمحمود حسن إسماعيل ثلاثة عشر ديوانا من الشعر، أولاها “أغاني الكوخ”، وقد نشرها وهو لمَّا يزل طالبا في كلية دار العلوم وآخرها ديوان “موسيقى السر” الذي طبع بعد وفاته. وما بين الأول والأخير دواوين عددا، نظمها الشاعر تعبيرا عما جاش به صدره من مشاعر وأحاسيس خلال رحلة الحياة وما شهده فيها من أحداث خاصة وعامة.

تحكي سلوان محمود عن والدها وقريته الجميلة قرية “النخيلة” التابعة لمركز أبو تيج بمحافظة أسيوط وعشقة للنيل الذي تطل عليه القرية، وتأثره به حتى مماته، وكيف أن ديوانه الأول “أغاني الكوخ” كان قبسا من وحي هذا “النهر الخالد” (القصيدة التي غناها له محمد عبد الوهاب)، وذلك حينما كان يستقل مركبا كل يوم ويذهب به إلى جزيرة تتوسطه، أقام لنفسه فيها كوخا يختلي فيه بنفسه ويتأمل الطبيعة الرائعة من حوله.

ثم بعد ذلك تقص علينا رحلة انتقاله للقاهرة وتخرجه في دار العلوم، واشتغاله محررا بالمجمع اللغوي، ثم عمله بالإذاعة المصرية، التي ظل بها حتى وصل إلى منصب المراقب العام للبرامج الدينية والثقافية، قبل أن يغادرها متوجها إلى الكويت، حيث عمل هناك مستشارا للمناهج التعليمية ومشاركا وفاعلا في الحياة الثقافية العربية إلى أن توفاه الله هناك، وأقاموا له تأبينا يليق بمقامه كشاعر عربي كبير.

في رحلة حياة محمود حسن اسماعيل محطات أثرت فيه وانعكست على شعره، فقد تفتح وعيه على ثورة ١٩١٩ ؛ تلك الحقبة الليبرالية الرائعة التي تنفس فيها الإنسان المصري نسائم الحرية، وعايش التعددية الفكرية والثقافية بمعناها الجميل، ثم عايش الشاعر ثورة ١٩٥٢ التي رأى في جانبها المشرق انصافا للفقراء واهتماما بحقوقهم فأيدها، إلى أن انكسرت روحه بانكسار تلك الثورة عام ١٩٦٧، فعبر عن تلك الهزيمة وهاتيك النكسة بأشعار تقطر حزنا من جهة وتستخلص الدروس والعبر من جهة ثانية. ولا يزال شاعرنا على هذا الحال حتى انتعشت روحه مجددا بحرب أكتوبر ١٩٧٣، فوجدت تلك الحرب صداها في دواوينه وأشعاره.

وهكذا، ينتقل محمود حسن إسماعيل من مرحلة عمرية لمرحلة مع انتقال الوطن من محطة تاريخية لأخرى، كلٌ يؤثر في الثاني ويتأثر به، يعبر عن ذلك بلغة جزلة ومشاعر مرهفة، إلى أن بدأ ينحو في سنواته الأخيرة منحى التأمل الصوفي والفلسفي في دواوينه، ويقدم في أبياتها عصارة تجاربه وخلاصة نظراته في الكون والإنسان والحياة؛ يقدم ذلك دون أن يأبه لمدح أو يتأثر بقدح كما يقول، لأن النفس قد سمت والروح قد شفت حتى أسلمت قيادها لبارئها، ولهذا لا غرو أن تختتم سلوان محمود مختاراتها من شعر أبيها بقصيدة هكذا أغني، والتي يقول فيها:

إن تسل في الشعر عني.. هكذا كنت أغني
هو من روحي لروحي صلواتٌ، وتغنيِّ
إن تشأ فاسمع نشيدي.. أو تشأ فارحل ودعني
وإذا أشجاك همسٌ من صداه.. لا تلمني
ما أنا إلا كظل لشعوري.. فاعف عني

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.