أدب و تراث

تأمّلات في الحبّ والصداقة

تأمّلات في الحبّ والصداقة

بقلم الروائي/ خلوصي عويضة

رغبة مباغتة احتوتني تلحّ أن أسطر بضع كلمات عن هذا الموضوع الشائك الوعر، ثمّ أُحجم فجأة خشية حمله على محملٍ شخصي، صحيح أن الكلام يشي أحيانا بمكنون صاحبه لكن هذا ليس حتما، لذا مجددا أؤكد حرصي على محاولة التعبير عن واقع و طبيعة النفس البشرية، همومها،أحلامها، طموحها،آلامها، فالإنسان هو محور اهتمامي فيما أسرد من خواطر ومقالات وحتى روايات، وقد اقتضى موضوع هذا المقال الدقيق أن أجهر برأيي دون مواربة وقد فعلت، هذا إضافة لاهتمامي بالتجديد والتنويع في طرح القضايا الهادفة.

مع أن حواء وآدم باتا معا، كالظلّ والنور، النار والكبريت، مجتمعين متجاورين، في العمل والجامعة ومواقع التواصل الاجتماعي،وكلّ مكان تقريبا، رغم هذا فاستشعاري الحرج، وربّما الإثم ،غير غائبٍ بل ينبض بين طيات الفؤاد، عدا عن الأعراف المجتمعية التى تثقل كاهل الكلمات، لهذا، سأوجز قدر المستطاع اعتمادا على ان اللمحة والاشارة تغني أحيانا عن الشرح والتفسير.

معلوم أن مصطلح صداقة المتداول على حساب الفيس هو تشخيص مجازي جميل لطيف للعلاقة، ربما الأصح الأدق هو كلمة معارف، إما عابرة تمرُّ في حياة أحدنا كبرق خاطف، أو دائمة تتأرجح ديمومتها بين احتمالات الرحيل ولو بعد حين،أو تأبيد البقاء لترقى إلى منزلة الصداقة، نعلم أن من الناس من يتحفظ على كلمة صداقة بين الرجل والمرأة، يرونه غزوا فكريا وإجتماعيا مقصودا لذاته، بينما يراه غيرهم نتاجا طبيعيا لما آلت إليه الحياة من تقدم وقطعته من شوط بعيد، وليس شرطا أبدا أن يتنافى مع قيم المجتمع.

وفريق يقبله ضمن ضوابط مشددة يحصيها على أطراف أصابعه فيفرغ موافقته من مضمونها، فيما يتعاطى آخرون مع الأمر ببساطة دون قيد أو شرط، ومن الناس من يختصر رأيه دون شرح واسهاب ب نعم رخوة أو لا رخوة، ومنهم نعم بملء الفم أو لا بملء أفواه بني البشر، فاللناس كما نرى مذاهب ومواقف شتى تبتعد وتقترب قليلا وكثيرا.

عن نفسي الأمارة بالسوء أحايين واللوامة في أحسن أحوالها أجدني ابن الحيرة، سمة عصرنا بل سيّدة الحياة، تائها محتارا مترددا عاجزا عن الحسم والجزم، فطبيعة فطرتي تواقة للصداقة، المفلترة طبعا، لا أتعاطى معها على اعتبارها مكسبا عابرا بل كنز أعتز به ويعزّ علىّ التفريط به، لكن، لا أدري لم سياط الأرق من مواقعة الخطأ تقض مضجعي، فأجنح للمهادنة أن نعم ولكن، أتوهمني أُتيت قدرة فائقة على الفرملة، بينما أعاني من فرط قوة ضعفي البشري وتسلّطه على نفسٍ يطيب لها اعتباره مبررا للذهاب بعيدا، هكذا أبقى معلّقا في منزلة حائرة، فلا أنا هنا ولا هناك.

هذا عن الصداقة بين هو وهي، أما الحبّ فله شأن آخر مختلف، أعتبره إن كان عفيفا طاهرا وغايته شريفة مشروعة،قدر يتربص بصاحبه ملقيا به وجها لوجه في عين العاصفة، ويحيرني انتقاء أنسب اسم له، أهو قناص قلوب، لص، صياد، أم مالكٌ يسترد حقه؟، ورغم صحة مقولة أنّ الحبّ غير قابل للتعريف والتعليل فأذكرني ذات لحظة صدق وصفاء مع النفس، وصفته بإعصار أنثوي يجتاح الرجل فيصرعه دون قدرة على المقاومة بل عن رغبة محمومة في الغرق، بينما يمسُّ المرأة كنسمة أقوى من إعصار يسافر بها على بساط الريح إلى عالم اللامكان واللازمان، ومهما طال ليل غربته سيبقى الحبّ أبهى وأجمل تجلٍّ للوجود الآدمي على سطح البسيطة، سيظل بطل حكاية الحياة أمّ الحكايات، بطل، نادرا ما ينتصرفي معاركه، كثيرا ما ينهزم، يصنع الحكايا ولا يحكيها، بل يترك هذا الكاتب أو ذاك يرويها.

طوال مسيرة نبضه يعيش القلب الطبيعي فاعلا ومفعولا به، هاضما ومهضوما،ظالما ومظلوما، ولا ريب أن الأحكام التي يطلقها أيّما إنسان بشأن نشيد المشاعر تكون ظنّية نسبية، أكانت مستوحاة مما عايش، أو سمع من هنا وهناك. وها هنا ثمّة فرق في آلية تصوّر الأمر بين الذكر والأنثى، فأظنُّ الرجل بطبعه يبحث عن اليقين المنطقي إن صح التعبير نظرا لميله الفطري لتصديق عقله قبل قلبه، بينما للمرأة مراتب ربّما تبدأ بالحدس ثم الإحساس ثم يقين قلبها، وغير بعيد أن يكون الزمن طوى مثل هذا التخمين أو القياس وتعاكست الأدوار.

لدى البعض، الصداقة والحب خطان متوازيان فمنذ غرس نبتة العلاقة كانت معالم الطريق ومآلاتها واضحة محددة، ولدى آخرين بغض النظر عن القلة والكثرة تبقى النوافذ الوجدانية مواربة لاحتمال أن تشرع ذات خفقٍ مختلف الايقاع فيلتقيان في مرحلة ما من محطات الطريق، فلربّما شابه الأمر هنا قسمة قدرية، فمثل هؤلاء يؤمنون ابتداءً أنّ بين الصداقة والحبّ نسقا دقيقا قويا، وقد تقع الواقعة فيقود أحدهما للآخر،ضاربا بعرض الحائط أية معوقات أو فوارق حتى العمر، فمن المفارقات الإنسانية الجديرة بالتأمّل أن عقل الآدمي كلّما كبر واتسع اكتحل الجسد بأمارات الكهولة، بعكس القلب، يكبر فيستعيد زهوة صباه وشبابه ولو شارف الشيخوخة.

بما أن البشر تجمعهم قواسم مشتركة في الهيئات والصفات، كذلك المشاعر، وأصل الصداقة بين أي اثنين ناتج عن وجود مشاعر احترام وانسجام و ودٍّ أيضا، والمودة درجة من درجات سلّم الحبّ، فمن الحب والصداقة ما ينبت وافر الظلال تنعم بفيئه النفس فور ولادته دون انتظار فطام ونمو وبلوغ، أي يحوطه أو يطعّمه دفء الولادة بحصانة ضد الصدمات والأمراض والأهوال، فكأنه جاء من رحم الروح لا الجسد، فتراه يعيش دهرا أعني عمرا يساوي بالتمام عمر صاحبه.

ومنهما ما يعمر ردحا من الزمن ثم يترنح آيلا للتهاوي تحت وطأة مطارق عواصف المواقف، ومثل هذا شائع حتى بين المخلصين، فيحدث أن تقوى تشنجات النفس البشرية وتكون أشد شأوا من القدرة على المسامحة والتجاوز والغفران. ومنهما وهو الأعمّ الأغلب ما يولد سقيما فيعيش ساعات أو أيام ويرحل كأن لم يكن غير متبوع بقليل أسف وندم أو كثير، ومؤكد أن الحياة حافلة بما لا يحصى من الأمثلة جائزة الوقوع.

يرى البعض ممن عركتهم تجارب أعمارهم وعرفوا أو ذاقوا ويلات مآسي الأحاسيس الوجدانية أن الصداقة أجمل من الحبّ، وأرى أنها ليست أجمل بل أسلم، والسلامة في حساب المغنم والمغرم غنيمة وأي غنيمة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “تأمّلات في الحبّ والصداقة

  1. Thanks for any other magnificent post. Where else
    may just anyone get that type of information in such
    a perfect way of writing? I’ve a presentation next week, and I’m on the look for such information.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.