سياسة مختارات مقالات

حرب يونيو 67 : مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية ج4

حرب يونيو 67 : مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية ج4

الكاتب السياسي الأستاذ . مجدى منصور يكتب عن خفايا نكسة يونيو/حزيران 67

الجزء الأول من الأخطاء الداخلية

عبد الناصر بين المثال والتمثال!

أعرف أن ذلك المقال سوف يفتح على شخصي الضعيف أتون نار لا ترحم خصوصاً من الناصريين الذين لا ينظرون لجمال عبد الناصر على أنه تجربة انسانية عظيمة ، ولكن رغم (عظمتها) تظل (إنسانية) لها ما لها وعليها ما عليها ، تجربة أخذت و أعطت ، تقدمت وتراجعت ، صعدت وهبطت ، انتصرت وانهزمت ، اجتهدت فأصابت أحياناً وأخطأت في أحيان آخري ، نجحت وفشلت.

إن مراجعة الماضي بالفحص والدرس واستخلاص الدروس والعِبَر هي أهم سمات الأمم الحية ، ففي أمريكا لازالوا يراجعون حتى اليوم الحقبة (المكارثية).

وفى بريطانيا لازالت تتكشف الأسرار بإدارة الدولة وعلمها عن مؤامرة الانقلاب على حكومة (هارولد ويلسون) زعيم حزب العمال الاشتراكي وقتها في بريطانيا ، واعتقاله هو ووزراءه جميعاً واحتجازهم على الباخرة (كوين ماري) و التي خطط لها مسئول الأمن الخارجي في المخابرات البريطانية (بيتر رايت) مع آخرين ، ويبدو اليوم أن سر المؤامرة لم يكن مكتوماً عن اللورد (مونتباتن) عم الأمير فيليب (دوق أدنبره) وزوج ملكة بريطانيا ، وقيل أنه عرف وسكت ، لأنه كان بدوره قلقاً على بقايا الامبراطورية من تسلل طلائع الشيوعية المتخفية في اذيال (هارولد ويلسون) الاشتراكي!

وإن الحديث عن (حرب) يونيو أو (نكسة) يونيو أو (هزيمة) يونيو له شقين:

الأول – خارجي وهو (المؤامرة) التي تحدثت عنها وذكرت بعض تفاصيلها خلال الحلقات الماضية 1 2 3.

والثاني – داخلي وهذا الشق يتناول سلوك القيادة المصرية التي أدارت الأزمة حتى وصلت من أسرع طريق نحو الهاوية التي حدثت.

ولقد كان منهجي في الكتابة عن الشق الداخلي هو:

*تناول طبيعة المشكلات والقضايا الداخلية التي واجهت النظام الناصري في ذلك الوقت.

*ثم طبيعة العلاقات بين أجنحة السلطة التي شكلت القرار السياسي وقتها.

*ثم إلقاء الضوء في النهاية على عدد من الأمور في مسار (حرب أو نكسة أو هزيمة) يونيو1967.

ولحسن الحظ أن الأوراق الخاصة للزعيم جمال عبد الناصر (الذى كتبها ودونها بخط يده) موجودة ومنشورة ، وكذلك محاضر مجلس الوزراء المصري منذ الخمسينات وحتى العام الحزين 1970 (عام رحيل عبد الناصر).

لكن (كهنة المعبد) و(دراويشهم) و(المنغلقين) أو (المتحجرين) فكرياً بكل أسف لا يجيدون فضيلة القراءة بعمق ولكنهم يبرعون في عادات أخرى مثل (التشكيك بجهل) في أمور لا يعلموها ، ولا يحاولون حتى (التقرب) منها و(التعرف) عليها من مصادرها ثم بعد ذلك يكون لهم الحق في إعطاء رأى يكون مبنى على أساس سليم ، وليس قائم على انطباعات نحرها الزمان بكبر السن وضعف الذاكرة.

ويتقن هؤلاء التجاوز الذى يصل لحد (الردح). وفى غالب الأمر لا أرد على هؤلاء ، عملاً بنصيحة الأديب الإنجليزي الكبير (جورج برنارد شو) حينما قال: «إنهم يقولون .. ماذا يقولون .. دعهم يقولون» ، أو كما قال الفيلسوف الروماني سنيكا: «قُل كلمتك وامضى».

وفى اعتقادي أن سلوك هؤلاء الدراويش عائد لعدة أسباب منها:

* أن غالبيتهم قد جاوز الستين (بقليل أو كثير) وأن إعادة النظر للتجربة (خصوصاً في ضوء ما ظهر من وثائق قد تُضفى بعض السلبية على التجربة الناصرية خصوصاً في مجال الحريات) يعتبره هؤلاء مساساً بهم شخصياً ، مساساً بمرحلة شبابهم وانطلاقهم وحيويتهم وأمالهم ، أي أنهم يدافعون عن ماضيهم الذى كان بإسقاطه على الحاضر و بمحاولة تشكيل المستقبل على شاكلته ، و أحسب أن ذلك (إنساني) ولكنه أمر محكوم عليه (بالفشل) بحكم قوانين الحركة التاريخية. ولنا في تجربة الجنرال «نابليون بونابرت» عظة وعبرة (فقد كان له في وقته وبعد وفاته تياراً عريضاً يسمى التيار النابليونى ولكنه ظل يتمحور حول شخص الجنرال نابليون حتى اضمحل وذبُل ثم اختفى واندثر ولم يعد أحد يسمع عنه في فرنسا كلها أحد).

* إن الكثير من هؤلاء أخذته مشاغل الدنيا وصرفته أعباء الحياة عن الاطلاع  وبالتالي فغالبيتهم غير مُجارى للتطورات المحلية والعالمية ولا زال بعضهم مثلاً يتحدث عن أن القطاع العام يجب أن يكون هو القائد للتنمية (رغم أنه ِبيع واختفى) كما لا زالوا يتحدثون عن الاتحاد السوفيتي (الذى سقط منذ زمن)!.

* إن التجربة الناصرية لدى قطاع عريض منهم ومن غيرهم للحق هي (صورة ذهنية عامة) بدون أيه تفاصيل في عمق كل موضوع ، وهى تبدأ وتنتهى و تتلخص في صورة و تقاطيع الزعيم جمال عبد الناصر(بكل ما بها من كاريزما وشموخ وعزة).

وأحسب أن ذلك خطأ أيضاً. لأن «التجربة التاريخية» لأمة من الأمم هي نتاج المحك بين المجموع وليس الفرد (مجموع الأمة أو الشعب) والوقائع (وقائع العصر ومشاكله) ، وهذا بالطبع لا يستبعد ما يسميه علم الاجتماع السياسي «بدور الفرد في التاريخ» وكان عبد الناصر مثال حي عليه.

ولكن سواء تجربة (المجموع) أو (الفرد) فهي في النهاية تجربة بشرية وليست إلهية ، وبالتالي يعتريها كل ما يعترى البشر من خواص كالقوة والضعف و الصواب والخطأ ، والصدق والكذب ، والصعود والهبوط ، والنجاح والفشل ، والتقدم والتراجع ، والانتصارات والهزائم إلى ما في آخر القاموس من مترادفات.

وما دُمنا اتفقنا على أنها تجربة بشرية فهي تخضع كغيرها لمعايير النقد الموضوعي التي تتعامل مع البشر (حتى ولو كان من وزن وعينة شخص عظيم كجمال عبد الناصر) وليس مع الآلهة أو أشباه الآلهة (كما في الأساطير اليونانية القديمة).

* أن هؤلاء وغيرهم للحق رأوا وسمعوا وعاشوا في عصر التشويه الكبير للحقبة الناصرية بقيادة الرئيس المؤمن السادات! ، وهم لا يريدون أن تتكرر المأساة مرة أخرى حتى ولو من أجل تطوير التجربة تحت شعار(حذار من الثورة المضادة) وفى ظني أن ذلك أيضاً خطأ ، لأن الثورة المضادة لم تترك شيء سلبى لم تُلصقه بالتجربة الناصرية ، فمما نخاف نحن بعد كل ما قيل؟!

* إن قطاع عريض من هؤلاء ومن غيرهم يريد الحديث عن جمال عبد الناصر من 23 يوليو 1952 حتى 4 يونيو 1967 ثم يسقط أيام الحرب (الكارثة) من 5 حتى 8 يونيو ، ويعود ليتحدث عن خروج الجماهير رافضةً لتنحى عبد الناصر في أيام 9 ، 10 يونيو !، وذلك أمر غريب وعجيب ، وفى ظني أن ذلك عائد أن هؤلاء لا يعرفون معنى تتابع الحقب التاريخية ، أو ما يسميه علماء التاريخ بنقطة «الانكسار أو الانحسار التاريخي».

* أن جمال عبد الناصر وتجربته أصبحوا لدى البعض مشروع تجارى (سبوبة) لدى أصحاب البوتيكات السياسية! ، فناصر ماركة مسجلة والحديث باسمه يُدر دخل معتبر على بعض المتسكعين على الأرصفة التاريخية الذين تعودوا أن يتاجروا بأي شيء في سبيل المكسب المادي.

إن ما ستقرأوه اليوم من مراجعات هي مراجعات قائد التجربة شخصياً ، فهو الذى يتحدث ويقول بخطه و بحروفه وبكلماته وبألفاظه وبتعبيراته عن المشاكل والعقبات والأزمات و تقيمه هو لتجربته ، وعن رؤيته للقضايا وللرجال.

إن مرجعي اليوم هو المجلد الخامس من أوراق الزعيم جمال عبد الناصر الخاصة والتي كتبها بخط يده ونشرتها نجلته د. هدى عبد الناصر.

وأخيراً / فإنني سوف أتدخل في بعض السيقات بتعليق لإيضاح أمر ، أو لإضافة معلومة.

المشكلات والأزمات تتجمع

«هناك فراغ سياسي. فراغ قيادي. ويجب وجود وحدة فكر. ووضوح الهدف». من تقدير للموقف بخط يد جمال عبد الناصر

كان واضحاً أن الثورة المصرية بدأ التعب يظهر عليها منذ أوائل الستينات وكانت الوحدة المصرية السورية رغم كونها عمل وحدوي عظيم إلا أنها كانت و لا شك «عبئاً» على التجربة الثورية المصرية ، وبعد الانفصال ، فإن الزعيم جمال عبد الناصر بدأ يحاول أن يستكشف مواطن الضعف في جبهته.

ولعل القاء نظرة على الأوراق الخاصة للزعيم جمال عبد الناصر والتي كتبها بخط يده تُعطينا صورة من قريب لتفكيره ولمواطن الضعف ولنقاط الخلل التي أصابت التجربة الثورية المصرية من وجهة نظره من خلال توجيهاته لعدد من الوزراء.

فهو يكتب مثلاً توجيهاً لوزارة السيد على صبري ، ويبدأ بعلى صبري قائلاً له:

على صبري:

الخطأ – الجهاز التنفيذي – الوزارة لم تعمل عمل سياسي – العمل السياسي يجب أن يكون بجانب العمل الفني – الجهاز الحكومي أصبح رجعى في تفكيره – الجهاز التنفيذي والمؤسسات العامة يجب أن تندمج مع التنظيم الشعبي – الجهاز الشعبي ومجلس الأمة تسلل إليه العناصر الرجعية – مجلس الأمة لا يمثل الشعب!

تعليق:

من المفارقات أن حديث عبد الناصر وحكمه بأن «مجلس الأمة لا يمثل الشعب» ينطبق حتى اليوم من مجلس أمة أنور السادات (في الستينات) حتى مجلس شعب على عبد العال (في 2020)!.

انتهى التعليق وعودة السياق من جديد.

ويكتب كذلك توجيهاً للسيد عزيز صدقي (وزير الصناعة) قائلاً له:

عزيز صدقي:

ثورة1952 – قرارات ثورية – 1952 طفرة أكبر من قرارات 1961 : وجدت معارضة – فساد – محسوبيات – الفرد واحتياجاته – التطبيق العلمي لمعنى الاشتراكية.

ويكتب كذلك توجيهاً للسيد كمال رمزي استينو(وزير التموين) قائلاً له:

كمال استينو:

زيادة أسعار الكهرباء – زيادة أسعار المياه – ارتفاع أجور المساكن – أجور العلاج – التأمين الصحي – الموصلات – الكل – الريف – الطمأنينة – الري – بنك التسليف – التموين – الجمعيات التعاونية الزراعية.

ويكتب كذلك توجيهاً للسيد زكريا محى الدين (نائب رئيس الجمهورية ووزير الداخلية) قائلاً له:

زكريا:

الناس موش فاهمة – عدم وضوح الأسباب يترتب عليه ضرر كبير – وضوح الصورة – الجهل والتشويش والرجعية – الثورة مستمرة وسيلة لتحقيق الاشتراكية – اشتراكية الكفاية و العدل – القلة غير الراضية يجب عزلها – الشعب موش فاهم – القطن للفلاحين – over time  للعمال – العاطفة وتأثيرها – حملة من الرجعية – أقترح خطوات عاجلة – جمع العناصر القيادية بين العمال والفلاحين في حلقات صغيرة للتدريس – القطاع العام وما أثير حوله – الاستيراد بالحضر – استغلال القطاع العام وفضائحه – حملة تشكيك من القطاع الخاص.

ويكتب كذلك توجيهاً للسيد عبد الحكيم عامر(نائب رئيس الجمهورية ووزير الحربية) قائلاً له:

عبد الحكيم:

النقط التي أثيرت يجب أن تكون هدفين: هدف عام ..الاشتراكية والديموقراطية. ماذا كان قبل 1952؟ – الاشتراكية يجب أن تقضى على ما كان قبلها – معالجة الرجعية بأشد قسوة – الاشتراكية كرامة – لأى فئة نعمل؟ – لأى فئة الاشتراكية؟ – بعد التحديد يجب أن يبدأ التنظيم السياسي – التنظيم السياسي هو الأساس الأول – ديموقراطية لأصحاب الاشتراكية – في داخل الاطار العام تأتى المواضيع الأخرى.

ويكتب كذلك توجيهاً للسيد عبد اللطيف البغدادي (نائب رئيس الجمهورية للإنتاج ووزير للخزانة والتخطيط ) قائلاً له:

بغدادي:

المشكلة صعبة مشكلة مجتمع – هل هذه المشاكل أصل الداء؟ – الحلول على ضوء المشكلة:

رأى: المجتمع – فلاحين – العمال – الصناعيين – المثقفين – الرجعيين – الرأسماليين وهما العناصر المضادة .

تحليل:

مشاكل معينة العمل على حلها – خطة عامة بعيدة المدى على مراحل – الموقف الحاضر يحتاج إلى حل سريع.

بعض الحلول:

الفلاحين لا زالوا متأثرين بالماضي – نظام العمد –السيد والمسود – فلاح الاصلاح الزراعي محمل بالأثقال.

الخدمات: هل الأجهزة حققت المهام؟

نقص في التنظيم الشعبي.

الاسكان: التناقض الاجتماعي بين الريف والمدينة.

السلبية أو اللامبالاة.

ثم يتحدث عن المثقفين ، ورجال الجامعات ، فيقول عنهم:

عزل السيئ – المدرسين الاستفادة منهم – نخرج طلبة لا نحتاج إليهم – أوقات فراغ الطلبة.

ثم يلخص عبد الناصر الوضع في النهاية بقوله:

لا بد من وضع خطة تفصيلية على مراحل.

خطة عاجلة للموقف الحالي.

«عدم وجود تنظيم سياسي – فراغ سياسي- فراغ قيادي- وحدة فكر- وضوح الهدف».

(2)

عبد الناصر يطالب بثورة على نظامه!

«إن فقدان الثقة مخيف ، فيوجد فساد أو محاولات فساد ، وهناك ضيق بالنقد ، وحساسية على القمة ، وأن موضوع الحراسات وما جرى فيه أوجد طبقة طُحنت ، وهى تتكلم الأن بغير حساب على مرأى من بقايا الطبقة القديمة  الزميلة لها وعلى مشهد من طبقة أخرى تتكون». جمال عبد الناصر

وقرب أواخر عام 1964 شعر عبد الناصر بحسه السياسي والوطني أن الجو العام في مصر سيئ فكتب بخط يده:

«ما سبب الجو الموجود حالياً ؟ ثم عدد الأسباب: زيادة الأسعار ، اطلاق حرية النقد بغير موازين ، عدم وجود مواجهة كافية».

وفى فقرة أخرى يقول:

«هناك تضخم بلا شك ، انفاق متزايد على الجيش والقوات المسلحة واليمن ، انفلات من جانب الحكم المحلى ، اتجاه إلى مشروعات لا يمكن أن تكون انتاجية في الخدمات ، تعينات وإسراف في بدلات ومرتبات ، سوء توزيع الميزانية النقدية في العام الماضي أدى إلى نقص في الانتاج المحلى وتوقف عدد من المصانع أشاع البلبلة».

ويُضيف عبد الناصر ناقداً :

«الجهاز الحكومي كله (مضاد) ، فالموظفين غير واعين ، في القمة يريدون امتيازات ، وفى القاعدة ضغط الغلاء عليهم كبير. أما القطاع العام فمعظم الناس فيه يريدون خلق طبقة جديدة ويضايقهم أي قيود ، والسلك السياسي في الخارج كله مضاد ، خصوصاً بعد التخفيضات الأخيرة في الدخول».

تعليق:

من الغريب أن عبدالناصر استطاع أن يقضى على طبقة «الباشوات الاقطاعيين» ، ولكنه أسس لطبقة جديدة وهى طبقة «البيروقراطية» وهى لا تقل سوءً عن طبقة الاقطاعيين ، فهذه الطبقة تجذرت في العصر الناصري وهتفت لعبد الناصر ثم حولت خدماتها وولاءتها من بعده للرئيس المؤمن السادات ومن بعده لمبارك حتى وصلنا اليوم للسيسي ، فهذه الطبقة على استعداد لأن تبيع ولاءتها لأى حاكم بشرط الابقاء على «مميزاتها» وزيادة «مكتسباتها» .

انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد

وفى فقرة أخرى يقول:

«إن فقدان الثقة مخيف ، فيوجد فساد أو محاولات فساد ، وهناك ضيق بالنقد ، وحساسية على القمة ، وأن موضوع الحراسات وما جرى فيه أوجد طبقة طُحنت ، وهى تتكلم الأن بغير حساب على مرأى من بقايا الطبقة القديمة  الزميلة لها وعلى مشهد من طبقة أخرى تتكون».

وفى فقرة أخرى يقول:

«إن مجلس الأمة به تيارات متباينة ، مع ملاحظة التربص بالحكومة ، والرغبة في الشعبية الرخيصة ، وعدم وجود رابط في الاتحاد الاشتراكي ، وضعف التوجيه ، وبالنسبة للوزارات فلا وجود لوزارة البحث العلمي ، وكثرة المشاكل في وزارة الصناعة».

وتحت عنوان «تمزق الحكم» (لاحظ العنوان الدال على طبيعة الحال وقتها) كتب عبد الناصر ملاحظاته قائلاً:

«وجود مجموعات في مجلس الأمة ، وعدم الاجتماعات وعدم التناسق، والسلبية والخوف ، والأحاديث المتضاربة، ووجود كراهيات عنيفة. يضاف الى ما سبق وجود موجة من الاضرابات (السمن-المعلمين-البوليس)».

وعن الموقف في الجيش يقول:

«سوف يعكس الموقف الشعبي بالتأكيد ، وهو غير متماسك ، ولا يمكن الحياة على أساس القديم وحده».

تعليق:

كم أتمنى أن يقرأ (الدراويش) من الناصريين ويعيدون قراءة تلك الجملة التي كتبها عبد الناصر بخط يده ويتعمقوا في معناها ، وإن كنت أشك في أن يفهموها ويتصرفوا على أساسها «لا يمكن الحياة على أساس القديم وحده».

انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد

ثم لاحظ عبد الناصر وكتب «أنه توجد مشكلة نفسية ، وأنه ليس هناك شيء قابل للتغيير ، بالإضافة إلى وجود إحساس بالتمرد يُغذى من جانب قوى كثيرة».

ومضى عبد الناصر ليسأل نفسه سؤالاً هاماً ويحاول الاجابة عليه فيقول:

«ما هو المطلوب في النهاية»؟

ويجيب ناصر على سؤاله بالقول:

«ثورة على الثورة، إما من داخل الحكم بتغيير شامل ، وهل هذا ممكن؟ وإما من الاتحاد الاشتراكي بتكوين نواة جديدة والانتقال إلى الشعب ابتداء من بيان مجلس الأمة القادم».

وقرر عبد الناصر بعدها تغيير رئيس الوزراء على صبري ، وتغيير نوابه الخمسة ، وأن يجتمع نواب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة بوصفهم مجلس وزراء مصغر(cabinet) كل يوم صباحاً ، وممكن أن يكون هناك مدير مكتب لرئيس الوزراء في درجة وزير للاتصالات السريعة ويحضر اجتماع مجلس الوزراء المصغر ، وكل يوم يرسل المحضر لرئيس الجمهورية.

وختم عبد الناصر قائلاً:

« أنه من الواضح أن هناك جو غير عادى في البلاد ، وإذا كانت أسبابه الظاهرة هي زيادة الأسعار ومشكلة المُعلمين واطلاق النقد بغير ضوابط الذى قاد إلى المواجهات ، إلا أن المسألة في الحقيقة أكبر من هذا.  فهناك مشاكل حقيقية تؤدى للتضخم ، كما أن جهاز الحكومة غير كفء للمسئوليات المتزايدة للدولة ، وجهاز الانتاج تواجهه مشاكل كبيرة البيروقراطية، وعدم صلاحية بعض العناصر. إن الدولة تحولت إلى أكبر منتج ، ولكنها لم تطور أساليبها ، ولا أجهزتها إلى مستوى المسئولية المتزايدة عليها».

وفى تلك الفترة تم إلغاء الأحكام العرفية من مارس 1964 ، وخرج من عليهم أحكام سياسية من السجون ومنهم الشيوعيين والإخوان المسلمين.

وفى 7 إبريل 1965 أعلن الشيوعيون المصريون قراراً بإنهاء الشكل المستقل للحزب الشيوعي المصري وأرسلوا نسخة منه إلى عبد الناصر.

وفى شهر يوليو تم اكتشاف مؤامرة جديدة للإخوان المسلمين ، فقد شكلوا تنظيماً سرياً (تنظيم سيد قطب) لقلب نظام الحكم عن طريق اثارة الفوضى بتفجير الجسور والكباري والقناطر الخيرية.

وفى تقييم للموقف قبل لقاءه بوزارة السيد (زكريا محى الدين) التي خلفت وزارة السيد (على صبري) يكتب جمال عبد الناصر بخط يده وبنص حروفه وكلماته والفاظه عن خطورة الوضع الداخلي في 2 فبراير 1966فيقول:

«آخر مرة كان فيها تعبئة حقيقية وصلت إلى الذروة في مارس 1965 ، الوضع اليوم فيه خطورة. فبعد التعبئة اتجمد الموقف .. التغيير لم يرتبط موضوعياً أو تنفيذياً بالبرنامج المرسوم.. أين الجيل الجديد؟! هذا سؤال الناس».

ويضيف عبد الناصر:

الاهتمام بالمشاكل اليومية للجماهير .. لا توجد صلة بين الوزارة و الناس ..الوزارة الجديدة نقدت الوزارة القديمة.. أين الواقعية؟

المشروعات غير المدروسة القت ظل على النجاح الذى تحقق في الصناعة.. في الفترة الجديدة ألقى ظل بغير شك صدقت الناس.. فشلت الصناعة.. الانتاج والانجاز.. كنا نركز عليها، والنتيجة أن هناك فشل. بعد مؤتمر الانتاج والخدمات والادارة، سوء الادارة.

بعد ذلك جاء موضوع الأسعار وارتفاعها، على عكس ما كان ينتظر الناس. الأسعار ارتفعت أكثر من شكوى الناس ، وصورة الانتاج والانجاز اهتزت وفى نفس الوقت عمليات سيئة في الدعاية.

كان في كلام على حاتم (يقصد عبدالقادر حاتم وزير الثقافة وقتها) .. خوف البلد من الشيوعيين مواضيع لها أساس حقيقي.. القوى المعادية لأول مرة تجد مواضيع لها أساس حقيقي ..لا تحتاج القوى المعادية لأكثر مما قالته.

سوء طريقة الدعاية.. مسرحية عشيقة الملك ، والفتى مهران وتأثيرها ، واتفرج يا سلام وتأثيرها.

تعليق:

انطوت مسرحية «الفتى مهران» لـ «عبدالرحمن الشرقاوي» على دعوة صريحة للحاكم بألا يرسل جيشه إلى «السند» بينما العدو رابض على حدوده الشرقية قاصدا «اليمن».

انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد.

ويُضيف عبد الناصر:

* لا يوجد خط مترابط في الدعاية .. موضوع اليمن معقد، وخسائر اليمن 20 ألف.. الناس تعتبر أننا نستطيع أن نحل كل مشكلة.

ثم يتساءل عبد الناصر:

هل الموضوع أفلت من يدنا؟

* هناك موضوعات داخلية لم تسمعها الناس من مصر .. اعتقال كمال حسين مثلاً.. الناس تستمع إلى إسرائيل ولندن (يقصد اذاعات تلك الدول) .. من جوابات الناس هناك أزمة نفسية.

* الوزارة بعد ارتفاع الأسعار بدأت الكلام في الخطة ثم نامت الدنيا كلها .. صمت رهيب.

* لا توجد صلة بين الوزارة والناس والانجازات الحقيقية غير واضحة يُساء تقديمها للناس. لما نعمل عمل كويس ، لا نعرف كيف نقدمه.. الجبهة الداخلية تعانى من حالة قلق نفسى.

تعليق:

لازال ذلك هو الحال من يومها حتى يومنا هذا ، فلا يوجد رابط بين الحكومات والناس ، كما يوجد فشل ذريع في عملية تسويق الحكومات المختلفة لمواقفها.

انتهى التعليق وعودة من جديد للسياق.

ويعود عبد الناصر ليسجل من جديد حرفياً:

كلام الناس على بعضها .. الاتحاد الاشتراكي ، لا يبقى سر في البلد.

عمليات الاستغلال: شقق الحراسة شقق التموين.

تعليق:

فيما يتعلق (بشقق الحراسة) في اجتماع لمجلس الوزراء بتاريخ 24 يوليو  1967 أي بعد نكسة يونيو مباشرة، يقول الرئيس عبد الناصر حرفياً في الاجتماع:

«عملية شقق الحراسة سببت (عقدة) في البلد ، أنا مقدرتش أمنع عملية الشقق ديه ، عملية الشقق بتاعة الحراسة وكبار الناس في الدولة جريوا وراء شقق الحراسة ، وضباط الجيش خدوا عدد كبير من شقق الحراسة يعنى، وآخر شقة كان واخدها جمال عفيفي (أحد كبار القادة في الجيش وقتها) قبل ما يُعتقل كان عامل حفلة لافتتاحها بعد العدوان».

انتهى التعليق ، وعودة للسياق من جديد.

ويضيف عبد الناصر:

* تنظيم الشباب.. (هتيفة في الشوارع)! (علامة التعجب من عندي).

ثم يتحدث عبد الناصر عن نقطة لا يزال صداها العالي يتردد حتى اليوم فيقول:

«هناك حملة ضد ضباط الجيش وتُلاقى صدى ، وهى ليست جديدة ولكن الجديد هو (الصدى) .. صورة القطيعة تأخذ شكل علني.. بعض المنتسبين للنظام يحاولوا يظهروا بأنهم شجعان ، يسمحوا لنفسهم بكلام لا ينبغي أن يُقال علناً.. هم أكثر الناس امتيازات.. علامة تفكك وعلامة تحلل تنعكس على الثورة».

 

* كل واحد يتكلم عن الأخر ويبرأ نفسه ، ويتسابق في الضرب في الأوضاع التي لا تعجبه.

ثم يضيف عبد الناصر بخط يده:

«الشيء الإيجابي الوحيد كان موضوع السد العالي».

* حملة الاخوان المسلمين والتعذيب ، موجهة ضد الجيش ومبالغ فيها.

تعليق:

لازالت تلك الحملة مستمرة من وقتها إلى اليوم ، ولعل ذلك الأمر بحاجة لبعض الايضاح ، فعلى الرغم من تصادم تنظيم الاخوان المسلمين بكل النظم المصرية في العهد الملكي، ومن ورائه في العهد الجمهوري بجمهورياته (ناصر والسادات ومبارك والسيسي) إلا أنهم يركزون هجومهم على فترة عبد الناصر وذلك يعود لمغازلتهم للغرب عامة (أمريكا وأوروبا ومعهم بالطبع إسرائيل) الذى وقف ناصر ضد أطماعهم الاستعمارية.

انتهى التعليق  وعودة للسياق من جديد.

ويكمل ناصر:

“هناك شعور بأنه توجد طبقة مميزة ، لها كل المميزات ولا تحس بالشعب! يجب القضاء على هذا الشعور”.

تعليق:

كان شعور المواطن المصري من تلك الطبقة المميزة وقتها (طبقة الضباط) يجد المتنفس له من خلال النُكت ، وكانت النكتة المشهورة التي أطلقتها أم كلثوم: «أنها تنصح أي أب حريص على مستقبل ابنه أن يسعى لإدخاله الكلية الحربية ، وسيتخرج بعدها الطالب ويعمل في أي عمل يشاء طبيباً جراحاً، أو مهندساً، أو مدير بنك ، أو كاتباً أو رئيس تحرير ، أو قاضياً يصدر الأحكام على الناس»!!

انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد.

ويكمل عبد الناصر بخط يده:

* «هناك ناس تحللوا بالسلطة» يجب أن نحاسب الناس. معايير الحكم على الناس يجب أن تكون صحيحة ومحاسبة كل واحد على غلطه.

* والقضاء على صراع السلطة .. الناس تتغير ونحن لا نشعر.. الناحية الذاتية هي التي تسيطر.

* يوليو .. عشر سنين على السويس فرصة للتعبئة العاطفية.

تعليق:

أعترف أننى وقفت كثيراً أمام ذلك التوجيه (التعبئة العاطفية) لأنني كنت أظن أن كاريزمة و زعامة عبد الناصر وقتها كانت كفيلة بالتعبئة ، ولكن حسب ما كتبه عبد الناصر بخط يده ، فإن المصريين فيما يبدوا أنهم بدأوا يملون حتى من الزعامة والكاريزما ذاتها!.

انتهى التعليق ، وعودة للسياق.

ويكمل عبد الناصر:

نعطى حاجات للبلد لأنها الأن لا تردد إلا الاشاعات والسخط.

نريد أن نعطى البلد مواضيع مناقشتها. موضوع المناقشة الوحيد اليوم في البلد هو الكورة!

النظام يجب أن يُثبت للناس أن فيه صفة الاستمرار والترابط.

يجب أن يكون هناك سياسيين لا فنيين فقط.

لا يمكن الدخول في معركة عربية ، والحالة الداخلية بما هي عليه!

تعليق:

ما أشبه الليلة بالبارحة فاليوم نعيش نفس ما تحدث عنه جمال عبد الناصر في عام 1966 بشكل أقسى وأعنف. فعندما تغيب المعلومات وينعدم المتنفس تزداد وتبرز الاشاعات ويزيد السخط ، وفى ظل غياب الحوار حول المواضيع الأساسية على الساحة لا يتبقى للناس حديث أو مناقشات إلا عن الكورة! (ما بين صالح سليم والضظوى في الماضي ، ومرتضى منصور والخطيب في الحاضر!).

انتهى التعليق ، وعودة للسياق من جديد

ويكمل عبد الناصر:

هناك أزمة نفسية ونفور، السعوديون يحسون بالجو، والانجليز والأمريكان أيضاً.

هناك انعكاس على التجربة المصرية من الخارج رغم النجاح والانجاز.

هناك حملة دعاية عنيفة ضدنا ، وضد الاشتراكية.

ثم يطرح عبد الناصر سؤالاً:

«لماذا نحن على الدفاع رغم كل ما عُمل في هذا البلد؟ بأي منطق»؟

ثم يعود عبد الناصر ليضيف عن ضرورة توحيد الجبهة الداخلية فيكتب:

«يجب أن تسير معي الجبهة الداخلية حين أدخل أي معركة عربية ، ويجب أن يكون تأثيري في الخارج بنجاح التجربة في مصر.. نحن الأن لأول مرة نحارب البورجوازية العربية كلها ، ويجب جذب الطبقة الوسطى في مصر وخارجها».

ويضيف عبد الناصر مجموعة من النقاط والعناوين فيكتب:

البلد استوعبت تجربة 23 يوليو واستوعبت كل انجازاتها.

البلد أصبحت أكبر ممن عملوا 23 يوليو.

الناس خارج السلطة أقوى ممن هُم داخل السلطة.

هناك خلل في التوازن الجديد.

نجند ناس من خارج السلطة ونستوعب دم جديد.

أي لخبطة في النظام وقدرته على الحركة ، يُضيع كل ما عملناه.

تعليق:

نفس الكلمات تترد اليوم!، فالنظام اليوم يرى أن أي تغيير فيما هو قائم اليوم سيُضيع ما تم انجازه بالأمس ، ويبدوا أنه مفهوم ورد كل الأنظمة على مطالب التغيير والتجديد!

انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد

ثم يكمل عبد الناصر بنقطة لها دلالتها التي يقف الانسان أمامها بين مزيج من مشاعر الحيرة والتعجب ، حينما يكتب قائلاً:

* تحالف قوى الشعب العاملة ..لا يوجد تحالف!.(علامة التعجب من عندي).

ثم يعود عبد الناصر ليسأل نفسه نفس السؤال الذى طرحه «لينين» ذات يوم بل وألف فيه كتاباً وعنونه بالسؤال (ما العمل؟)! ويُجيب ناصر على نفسه بخط يده فيقول:

«ما العمل؟ .. يجب ان نأخذ المبادأة ونعود للدق على نقطة الانجاز الذى حدث حتى الأن ، ونركز على معالم النجاح لا الفشل».

تعليق:

نفس ما نراه اليوم فتسويق النظام لنفسه اليوم يركز على نجاحاته ، ولا يذكر أو يشير حتى من بعيد لأى نقط لإخفاقاته ، وتلك فيما يبدوا خصيصة بين كل الأنظمة من23 يوليو1952حتى 30 يونيو2020!

(انتهى التعليق).

وهكذا نرى بأن جمال عبد الناصر كان يستشعر الأخطار ، ويحاول سد الثغرات ، وملأ الفراغات في جبهته الداخلية ، ومعالجة مزيج من علل سابقة ولاحقة ، وكان سؤاله ما العمل؟ دليلاً على اجتهاده في الاجابة على الأسئلة المطروحة على الساحة وقتها.

لكن صورة المشاكل الداخلية قبل (٥ يونيو ٦٧) مباشرةً، كانت داعيةً للانقباض، لأنها تمس أسس التجربة الناصرية في الصميم من (ضعف وهشاشة التنظيم السياسي ، لغياب وحدة الفكر بين أبناء التنظيم الواحد ، لانتشار الخوف والسلبية بين المواطنين ، لظهور الفراغ السياسي بين الجماهير(في عز مجد الزعامة الناصرية) ، لاهتزاز الرؤى الاقتصادية والاجتماعية للنظام في عيون الشعب ، لبروز الفساد الذى هز مصداقية الدولة في عيون المواطن ، لفشل جهاز انتاج الدولة في مسايرة التطور، للصراع بين أجنحة النظام الذى تغول وأصبح مرئياً للكافة ، لطفو العامل الذاتي والانحلال في الجانب الشخصي لقطاع عريض من المسئولين ، لزيادة شعور المواطن بمزيد من السخط تجاه الكثير من الأوضاع وعلى رأسها ظهور طبقة الضباط المتحكمين والمتنفذين في كل شيء).

كل ذلك جعل الصورة وكأنها صفحة مستعارة من مشهد إحدى قصص «كافكا» المليئة بالعبثية والكآبة على أرضية لزجة وموحلة ، وأمام خلفية داكنة ومعتمة.

وكانت تلك صورة من قريب عن واقع التجربة وقتها وبخط يد زعيمها و بأسلوب قائدها و بحروف ملهمها جمال عبد الناصر.. فهل من مشكك بعد الأن؟!

أغلب الظن أنه سيظهر بعض الدراويش ممن فاتهم قطار الحياة ولم يستطيعوا التشبث بإيقاع الزمن ليقولوا: «عبد الناصر أصلاً موش ناصري»!

تركت قلمي وسرحت بخاطري ولا زالت مقولة عبد الناصر التي كتبها بخط يده تُدوى لتذكر الجميع شباباً وشيوخاً بأنه «لا يمكن الحياة على أساس القديم وحده».

 

الجزء القادم/ إشارات وتحذيرات والقاهرة غير منتبهة

المراجع:

الأوراق الخاصة لجمال عبد الناصر – الجزء الخامس.

محاضر جلسات مجلس الوزراء من 1968 حتى 1970.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.